تاريخ المغرب (6)

  • رقم الخبر 2161
  • المصدر: تاريخ المغرب والأندلس/ الدكتورة سعاد العمري

المخلص تُعَدّ الدولة الرستمية التي تعتنق الفكر الإباضيّ أحد فروع الخوارج. والخوارج ‏فرقة من المسلمين خرجت على الإمام عليّ بن أبي طالب وصحبه ‏بعد قصة التحكيم، ومن خروجهم أخذوا اسم الخوارج.


الدولة الرُّسْتُمِيَّة(161- 296هـ= 778-909م )‏

تُعَدّ الدولة الرستمية التي تعتنق الفكر الإباضيّ أحد فروع الخوارج. والخوارج ‏فرقة من المسلمين خرجت على الإمام عليّ بن أبي طالب وصحبه ‏بعد قصة التحكيم، ومن خروجهم أخذوا اسم الخوارج. وهذه الفرقة أشد الفرق ‏الإسلامية دفاعًا عن مذهبها، وأشدها تهورًا واندفاعًا، وحماسة لآرائها، مستمسكون ‏بألفاظ قد أخذوا بظواهرها، واتخذوها دينًا لا يحيدون عنها. ويتصف الخوارج ‏بحبِّ الفداء والرغبة في الموت، والاستهداف للمخاطر من غير دافع قوي يدفع ‏إلى ذلك.‏

والإباضية هي إحدى فرق الخوارج، وتنسب إلى عبد الله بن إباض التميمي. ‏ويدعي أصحابها أنهم ليسوا خوارج، وينفون عن أنفسهم هذه النسبة. وقد دخل ‏مذهب الإباضية إلى إفريقية في النصف الأول من القرن الثاني، وانتشر بين البربر ‏حتى أصبح مذهبهم الرسمي. وتتفق عقيدة الإباضية مع أهل السُّنَّة في الكثير، ‏وتختلف معهم في القليل،  ولعل أهم خلاف بينهم وبين أهل السُّنَّة قولهم بالتنزيه ‏المطلق فلا يقولون بالتشبيه، وقولهم: إن الوعد والوعيد لا يتخلفان.‏

والدولة الرستمية هي دولة إباضية خارجية أسَّسها عبد الرحمن بن رستم من ‏أصل فارسي، وكانت قاعدتها مدينة تاهرت بالمغرب الأوسط (الجزائر). ازدهرت ‏مدينة تاهرت على عهد بني رستم حتى صارت ملتقى للتجَّار والعلماء والطلبة ‏من جميع أنحاء العالم الإسلامي؛ وذلك لأنَّ عبد الرحمن بن رستم كان عادلاً ‏مصلحًا، ساعيًا إلى ازدهار الحياة العامة في أنحاء دولته، وكان كثيرٌ من غير ‏الإباضية يتجهون إلى تاهرت آمنين على أنفسهم وممتلكاتهم.‏

وقد قامت علاقات متينة بين الدولة الأموية في الأندلس والرستميين على أسس ‏الصداقة المتبادلة، حيث إن مؤسِّس الدولة الأموية بالأندلس - وهو عبد الرحمن ‏بن معاوية بن هشام بن عبد الملك - حين فرَّ من العباسيين لجأ إلى المغرب ‏الأوسط، وأقام بين بني رستم الذين حافظوا عليه، وأجاروه من الأخطار التي ‏كانت تواجهه. ومن هنا كان من الطبيعي أن يحدث التآلف بين أمراء بني أمية في ‏قُرطبة وبين الأئمة الرستميين في تاهرت. ‏

لقد تعرضت الدولة الرستمية لعددٍ من الفتن والثورات، ومنها ثورة (النُّكَّار) الذين ‏أنكروا إمامة عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستميِّ. وكانت الفتنة الأخيرة التي ‏أودت بالدولة الرستمية واقتلعتها من جذورها، فتنةً ليست بين صفوف الرعيَّة، ‏وإنما اشتعلت نيرانها بين أسرة الإمامة نفسها؛ لأن الذين قاموا بها اثنان من أبناء ‏أخي الإمام نفسه، إذ انقضَّ اثنان من أبناء أبي اليقظان - شقيق الإمام - على ‏عمِّهما وقتلاه وولَّيا مكانه والدهما أبا اليقظان؛ مما قبَّح صورته أمام الناس، وكان ‏هذا الغدر إيذانًا بغروب شمس دولة كانت عظيمة، إذ لم يكد يمضي على هذه ‏الحادثة غير وقت قصير حتى قضت عليها الدولة العبيديّة.‏

 

الخوارج.. خلفيات تاريخية

ظهر الخوارج في جيش عليٍّ عندما اشتدَّ القتال بينه وبين ‏معاوية في صِفِّين، وعندما عرضت فكرة التحكيم وأصر عليٌّ على القتال، خرجت ‏عليه خارجة من جيشه تطلب إليه أن يقبل التحكيم، فقَبِله مضطرًّا لا مختارًا، ‏وحث التحكيم الذي لم يسفر عن شيء. ومن الغريب أن هذه الخارجة التي ‏حملت عليًّا على التحكيم جاءت بعد ذلك، واعتبرت التحكيم جريمة كبيرة، ‏وطلبت إلى عليٍّ أن يتوب عمَّا ارتكب؛ لأنه كَفَر بتحكيمه كما كفروا هم وتابوا ‏‏(كما يزعمون كذبًا وزُورًا)، وتبعهم غيرهم من أعراب البادية، وصار شعارهم (لا ‏حكم إلا لله)، وأخذوا يقاتلون عليًّا بعد أن كانوا يجادلونه ويقطعون عليه ‏القول(1‏). ‏

وهذه الفرقة أشد الفرق الإسلامية دفاعًا عن مذهبها، وحماسة لآرائها، وأشد الفرق ‏تدينًا في جملتها، وأشدها تهورًا واندفاعًا، وهم في اندفاعهم وتهورهم ‏مستمسكون بألفاظ قد أخذوا بظواهرها، وظنُّوا هذه الظواهر دينًا مقدسًا، لا يحيد ‏عنها مؤمن، وقد اخترعت ألبابهم كلمة (لا حكم إلا لله)، فاتخذوها دِينًا ينادون به، ‏فكانوا كلَّما رأوا عليًّا يتكلم قذفوه بهذه الكلمة. ‏

وقد استهوتهم أيضًا فكرة البراءة من عثمان، والإمام علي، والحكام الظالمين ‏من بني أميَّة، حتى احتلَّت أفهامهم، واستولت على مداركهم استيلاءً تامًّا، وسدَّت ‏عليهم كل طريق يتجه بهم للوصول إلى الحق. ‏

وكان من صفات الخوارج أيضًا حبُّ الفداء والرغبة في الموت والاستهداف ‏للمخاطر من غير دافع قوي يدفع إلى ذلك، وربما كان منشؤه هَوَسًا عند بعضهم، ‏واضطرابًا في أعصابهم لا مجرَّد الشجاعة، وإنهم ليشبهون في ذلك النصارى ‏الذين كانوا تحت حكم العرب بالأندلس، فقد أصاب فريقًا منهم هوسٌ جعلهم ‏يُقبِلون على أسباب الموت وراء عصبيَّة جامحة، فأراد كل واحد منهم أن يذهب ‏إلى مجلس القضاء ليسبَّ (محمدًا) ويموت، فتقاطروا في ذلك أفواجًا أفواجًا ‏حتى تَعِب الحُجَّاب من ردِّهم، وكان القضاة يصمُّون آذانهم حتى لا يحكموا ‏بالإعدام، والمسلمون مشفقون على هؤلاء المساكين، ويظنونهم من المجانين(2‏). ‏

وكان من الخوارج من يقاطع عليًّا في خطبته، بل من يقاطعه في صلاته، ومن ‏يتحدَّى المسلمين بسبِّ عليٍّ وعثمان، ورَمْي أتباعهما بالشرك. ولقد قتلوا عبد ‏الله بن خَبَّاب بن الأرَتِّ، وبقروا بطن جاريته، فقال لهم علي كرم الله وجهه: ‏ادفعوا إلينا قتلته. فقالوا: كلُّنا قتلته. فقاتلهم عليٌّ حتى كاد يبيدهم، ولم يمنع ذلك ‏بقيتهم من أن يسيروا سيرهم، وينهجوا مناهجهم، ويتبعهم مَن هم على شاكلتهم ‏من أعراب البادية الذين اعتراهم مثل ذلك الهوس الفكري(3‏).‏

 

الخوارج الإباضِيَّة

كان الخوارج كثيري الانشقاق والخروج على بعضهم البعض، وتكفير بعضهم ‏بعضًا لأقلِّ الأسباب؛ ولذا نجد أن فرقهم قد تعددت، وتنوَّعت، ما بين الصفرية ‏والأزارقة والعجاردة والميمونية والنجدات والإباضية، وغيرهم كثير..‏

أمَّا بالنسبة للإباضية فهم أشهر الفرق التي تُنسَب إلى الخوارج؛ ذلك أنهم لا ‏يزالون حتى يومنا هذا يسكنون في عُمَان وزنجبار وشمال إفريقيَّة. والإباضية هم ‏أصحاب عبد الله بن إباض، وكانت لهم صولة في الجزيرة العربية، وعلى الأخصِّ ‏في حضرموت وصنعاء ومكة والمدينة.‏

ولكنهم يغضبون كثيرًا حين يسمعون أحدًا ينسبهم إلى الخوارج، ويبرءون من ‏تسميتهم بالخوارج ويقولون: نحن إباضية، كالشافعية والحنفية والمالكية، ويقولون: ‏إنهم رُمُوا بهذا اللقب لأنهم رفضوا القرشيَّة، أي التزام كون الإمام من القرشيين. ‏

وقد دخل مذهب الإباضية إلى إفريقية في النصف الأول من القرن الثاني، وانتشر ‏بين البربر حتى أصبح مذهبهم الرسمي. وقد حكم الإباضيون في شمال إفريقيَّة ‏حكمًا متصلاً مستقلاًّ استمر زهاء مائة وثلاثين سنة حتى أزالهم الفاطميون. وإذا ‏كان الإباضيون أصحاب أمجاد في الماضي فإنهم ما يزالون كذلك في عصرنا ‏الحاضر، فهم الذين يخوضون الحرب الباسلة في عُمَان ضد الإنجليز، وجماعة ‏منهم يسكنون تونس والجزائر(4‏). ‏

عقيدة الإباضية:‏

تتفق عقيدة الإباضية مع أهل السُّنَّة في الكثير، وتختلف معهم في القليل، فهم ‏يعترفون بالقرآن والحديث كمصدر للعلوم الدينية، ولكنهم يقولون (بالرأي) ‏ويأخذون بالإجماع.‏

ولعل أهم خلاف بينهم وبين السُّنَّة قولهم بالتنزيه المطلق، فلا يقولون بالتشبيه؛ ‏ولذلك فإنهم يقولون: إن رؤية الله منفية في الدنيا والآخرة. ويقولون أيضًا: إن ‏الوعد والوعيد لا يتخلفان. بمعنى أن وعيد الله لا يتخلف، فمن دخل النار فهو ‏خالد فيها، والمذنب تطهِّره التوبة، ولا يدخل السعيدُ النار. وواجب عندهم الأمر ‏بالمعروف والنهي عن المنكر(5‏). ‏

ولقد انقسم الإباضيُّون إلى عدة أحزاب هي: الحفصية والحارثية واليزيدية، وهذه ‏الأخيرة قد ادَّعى رئيسها يزيد بن أُنَيْسَة أن الله سيبعث رسولاً من العجم، ويُنزِل ‏عليه كتابًا قد كُتب في السماء، يُنزِله عليه جملة واحدة ويكون على مِلَّة ‏الصابئة(6‏). ‏

ورغم انحراف يزيد بن أنيسة فإن مذهب الإباضية تتوفر فيه كثير من جوانب ‏الاعتدال في عقيدتهم، وهم وإن نسبوا إلى الخوارج إلا أنهم يرون أنهم وحدهم ‏الذين حافظوا على تعاليم الإسلام الحقَّة، ويرون أن القدوة الحسنة كانت بعد ‏النبيِّ في أبي بكر وعمر، ولا يحبون عثمان ويسمونه صاحب (بدع)، ولا يلعنون ‏عليًّا بل أنكروا قبوله التحكيم، ويعتبرون بيعته باطلة بعد قبوله التحكيم(7). ‏

الدولة الرستمية ‏

هي دولة إباضية خارجية أسَّسها عبد الرحمن بن رستم من أصل فارسي، وكانت ‏قاعدتها مدينة تاهرت قرب مدينة تياريت الحديثة في مقاطعة وهران غرب ‏الجزائر (المغرب الأوسط سابقًا). ‏

ازدهرت مدينة تاهرت على عهد بني رستم حتى صارت ملتقى للتجَّار والعلماء ‏والطلبة من جميع أنحاء العالم الإسلامي؛ مما أكسبها شهرة عالمية لدرجة أنها ‏سمِّيت بالعراق الصغير تشبيهًا لها ببلاد العراق التي تضجُّ بمختلف الأجناس ‏والملل والنحل آنذاك.‏

تحالف عبد الرحمن بن رستم مع دولة بني واسول أو المدرارية الخارجية في ‏سجلماسة (جنوب المغرب) لتقوية دولته، ونتج عن هذا التحالف مصاهرة تمت ‏بزواج أَرْوَى بنت عبد الرحمن بن رستم من المنتصر بن اليسع بن مدرار ملك ‏جنوب المغرب، وقد أنجب المنتصر من أروى ولدًا ذكرًا سمَّاه ميمونًا حكم بعده. ‏

وبعد وفاة عبد الرحمن بن رستم سنة 168هـ= 784م ترك الأمر شورى في سبعة ‏أشخاص من بينهم ابنه عبد الوهاب الذي مالت الأغلبية إلى مبايعته وسلَّمت عليه ‏بالخلافة، في الوقت الذي بقي فيه المعارضون لخلافته على موقفهم فسمُّوا ‏بالنُّكَّار أو النَّكَريَّة.‏

بقيت الدولة الرستميَّة قائمة في المغرب الأوسط وعلى علاقة طيبة مع الأمويين ‏في الأندلس إلى أن قضى عليها الفاطميون سنة 296هـ= 909م، إلا أن مذهب ‏الخوارج الإباضية بقي معتنقوه يؤلِّفون قوة معارضة للدولة الفاطمية، حتى إن ‏الخوارج الإباضية لعبت دورًا أساسيًّا ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر(8‏). ‏

 

شجرة الحكم(9‏)

‏1-   عبد الرحمن بن رستم (162- 171هـ).‏

‏2-   عبد الوهاب (171- 208هـ)‏.

‏3-   أفلح (208- 258هـ).‏

‏4-   أبو بكر (258- 260هـ).‏

‏5-   محمد أبو اليقظان (260- 281هـ).‏

‏6-   يعقوب (282- 286هـ)‏.

‏7-   يوسف أبو حاتم (281- 282 هـ)، (286- 294هـ)‏.

‏8-   يقظان (294- 297هـ)‏.

مؤسس الدولة الرستمية

مؤسِّس هذه الدولة هو عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن رستم بن بهرام، وبهرام ‏هو مولى سيدنا عثمان بن عفان (10‏) وقد قَدِم رستم إلى مكة يصحبه ‏زوجته وابنه عبد الرحمن لأداء فريضة الحج فمات، فتزوجت أرملته برجلٍ من ‏أهل القيروان، حملها وابنها عبد الرحمن معه عند عودته إلى بلده، وتربَّى عبد ‏الرحمن بن رستم في القيروان، وأخذ العلم عن فقهائها، ومال إلى تعليم الخوارج ‏الإباضية.‏(11‏)، كما يقول ابن خلدون: "وأخذ عبد الرحمن بن رستم بدين ‏الخارجيَّة والإباضية منهم(12‏)، وكان ذلك بتأثير من سلمة بن سعيد داعية الإباضية ‏الذي كان يجتهد آنذاك في نشر المذهب الإباضي في ربوع المغرب"‏(13‏)، ثم ‏خرج إلى المغرب الأوسط، واتخذ من مدينة تاهرت مركزًا لنشر دعوته(14‏).‏

وكانت مبايعة عبد الرحمن بن رستم تشكِّل النمط الإسلامي السليم في مبايعة ‏الحاكم المسلم؛ ذلك لأن الإمام يُختار طبقًا لشروط بعينها ينبغي توفرها فيه، وهو ‏ما حدث عند اختيار الإمام الرستمي. وقد قدَّم عبد الرحمن بدوره شروطًا يقول ‏فيها: "إن أعطيتموني عهد الله وميثاقه لتستطيبوا إليَّ، ولتطيعوني فيما وافق الحق ‏وطابقه قَبِلتُ ذلك منكم". وهو يعني إن لم يعطوه عهدًا بالطاعة فيما وافق الحق ‏رفض البيعة، وتلك ظاهرة فريدة في الحكم لا يمكن أن تتوفر إلا في نظام ‏الحكم الإسلامي.‏

وبالفعل كان عبد الرحمن بن رستم عادلاً مصلحًا، ساعيًا إلى ازدهار الحياة العامة ‏في أنحاء دولته، وكان كثيرٌ من غير الإباضية يتجهون إلى تاهرت آمنين على ‏أنفسهم وممتلكاتهم(15‏). ‏

الرستميون والدولة الأموية في الأندلس

قامت العلاقات بين الدولة الأموية في الأندلس والرستميين على أسس التحالف ‏المتين والصداقة المتبادلة، وقد بدأت العلاقات بين الطرفين في وقت مبكر؛ ‏حيث إن مؤسِّس الدولة الأموية بالأندلس - وهو عبد الرحمن بن معاوية بن ‏هشام بن عبد الملك - حين فرَّ من العباسيين لجأ إلى المغرب الأوسط، وأقام ‏بين بني رستم الذين حافظوا عليه، وأجاروه من الأخطار التي كانت تواجهه. ‏

كان من الطبيعي إذن أن يحدث التآلف بين أمراء بني أمية في قُرطبة وبين الأئمة ‏الرستميين في تاهرت، وتقوم العلاقات بين الدولتين على أساس من الصداقة ‏والتحالف والمودة؛ إذ كان الأمويون في الأندلس محطَّ عداء العباسيين ومكائدهم، ‏كما كان العباسيون أيضًا أعداء للإباضيَّة في تاهرت؛ لأنهم كانوا يعتبرون بلاد ‏المغرب كلها ميراثًا شرعيًّا تركه الأمويون لهم، وعلى هذا الأساس نظروا إلى ‏الدولة المستقلة عنهم نظرة عداءٍ باعتبار مؤسِّسيها قاموا باقتطاع أجزاء من ‏ممتلكات العباسيين.‏ ‏

ومما دفع أمراء بني أمية إلى توطيد علاقتهم بالرستميين أنه لم يعد أمامهم من ‏منفذ إلى بلاد المغرب سوى المغرب الأوسط؛ لأنَّ المغرب الأدنى (إفريقيَّة) ‏قامت فيه دولة الأغالبة الموالية للعباسيين، والمغرب الأقصى فيه دولة الأدارسة ‏الشيعيَّة التي كانت علاقتها بالأمويين في الأندلس تتسم بالعداء، وبقيام هاتين ‏الدولتين أوصدت جميع المنافذ والسبل في وجه الإمارة الأموية الفتيَّة، وبذلك ‏أصبحت الدولة الرستمية هي الشريان الحيوي الوحيد الذي بإمكانه تغذية تلك ‏الإمارة بالحياة، والتعاون معها سياسيًّا واقتصاديًّا وحضاريًّا.‏

ظلت الدولتان تسعى كل منهما إلى كسب صداقة الأخرى، وقد قامت بينهما ‏علاقة سياسية متينة، خاصةً منذ بداية عهد الإمام عبد الوهاب (171- 211هـ= ‏‏787- 826م)‏(16‏).‏

الفتن والثورات

ثورة النُّكَّار: ‏

لقد تعرضت الدولة الرستمية لعددٍ من الفتن والثورات، حيث لم تسلم الدولة ‏منها؛ فمثلما يعمُّ الخير والاستقرار تنتشر الفتن والثورات، ومنها الثورة التي تعرف ‏بثورة النكَّار التي هزت أركان الدولة في عهد الإمام عبد الوهاب ابن الإمام عبد ‏الرحمن الرستميِّ. والنُّكَّار الذين أشعلوا تلك الفتنة وقاموا بتلك الثورة، قومٌ ‏أنكروا إمامة عبد الوهاب، وطالبوا بتكوين مجلس للشورى يكون أعضاؤه ‏أشخاصًا معروفين.‏

ومن المواقف الغريبة أن عالمًا مصريًّا من الإباضِيَّة اسمه شعيب المصري طمع ‏في الإمامة، وقد عُرف عنه أنه من العلماء المصريين الأفاضل، يرجع الناس إليه ‏في أمور دينهم.‏

لقد دبَّر فريق النكَّار مؤامرة لعزل الإمام عبد الوهاب أو قتله، فقد انتهزوا مناسبة ‏كان الإمام قد غادر فيها عاصمة الدولة لبعض الأمور فأعلنوا الثورة، وانقضوا على ‏تاهرت، فواجههم أهل المدينة، ودافعوا عن أنفسهم ببسالة، ووقع كثير من القتلى ‏من الفريقين. فلما رجع الإمام وجد على باب العاصمة جثثًا مُلقاة ودماء مُراقة، ‏وأخبره الناس بما وقع فأمر بالقتلى فجمعوا، وصلَّى على الجميع اقتداءً بأمير ‏المؤمنين علي بن أبي طالب في واقعة الجَمَل، ثم أمر بدفن الجميع(17‏). ‏

 

 

الثورة التي أودت بالدولة الرستمية: ‏

وكانت الفتنة الأخيرة التي أودت بالدولة الرستمية واقتلعتها من جذورها، فتنةً ‏ليست بين صفوف الرعيَّة، وإنما اشتعلت نيرانها بين أسرة الإمامة نفسها؛ لأن ‏الذين قاموا بها اثنان من أبناء أخي الإمام نفسه، إذ انقضَّ اثنان من أبناء أبي ‏اليقظان - شقيق الإمام - على عمِّهما وقتلاه وولَّيا مكانه والدهما أبا اليقظان. ‏وعلى الرغم من أن أبا اليقظان كان شخصية متميزة فإن جريمة قتل ولديه لشقيقه ‏الإمام قبَّحت صورته أمام الناس، وكان هذا الغدر إيذانًا بغروب شمس دولة كانت ‏عظيمة؛ فقد أعرض الناس عنهم، وانفضوا من حولهم، واستنكروا فعلتهم، ولم ‏يكد يمضي على هذه الحادثة غير وقت قصير حتى قَدِم عليهم أبو عبد الله ‏الحجاني - مولى الإمام العبيديّ وقائد جيشه - فقتل الوالد والولدين وبقيَّة أفراد ‏الأسرة الرستمية، باستثناء أبي يوسف يعقوب بن أفلح الذي استطاع النجاة، ‏وبذلك انتهت الدولة الرستمية الإباضية، وصارت جزءًا من مسيرة الدولة الإباضية ‏يرويها التاريخ(18‏). ‏

علماء الدولة الرستمية

لقد عرفت الدولة الرستمية في المغرب عددًا غير قليل من الأئمة العلماء ‏الفضلاء، من أمثال عبد الوهاب بن عبد الرحمن الذي كان عالمًا فقيهًا، والإمام ‏أفلح بن عبد الوهاب، والإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح، وأبي العباس أحمد بن ‏محمد، وتبغورين ابن الملشوطي شيخ علماء الكلام، ومحكم الهواري، وأبي ‏عبيدة الأعرج، وأبي باديس أبخت بن باديس(19‏).‏

 

رأي المؤرخين في الدولة الرستمية

يقول الأستاذ توفيق المدني عن الدولة الرستمية: "إنها كانت أول دولة إسلامية ‏بربرية نشأت في هذه الديار - يعني الجزائر - ازدهرت ونمت ونالت شهرة ‏عالمية واسعة".‏

وكذلك يقول عثمان الكعاك "أن الدولة الرستمية كانت قوية عزيزة ذات بأس ‏وسلطان، عاصرت بني الأغلب بإفريقيا (يعني تونس) والأدارسة بالمغرب ‏الأقصى، وكانت الآمرة الناهية في بلاد المغرب الأوسط"‏(20‏).

 

مراجع

‏(1‏)محمد أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية ص58.‏

‏(2‏) المرجع السابق ص59- 60.‏

‏(3‏)محمد أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية ص60.‏

‏(4‏) د/ مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب ص135.‏

‏(5‏)السابق نفسه ص136.‏

‏(6‏)د/ مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب ص136.‏

‏(7‏)السابق نفسه ص136.‏

(8‏)إبراهيم أيوب: التاريخ العباسي السياسي والحضاري ص164.‏

(9)فريق البحوث والدراسات الإسلامية، تقديم د/ راغب السرجاني: الموسوعة ‏الميسرة في التاريخ الإسلامي 1/342.‏

(10‏)محمود شاكر: التاريخ الإسلامي (الدولة العباسية) 5/134.‏

(11‏)حمدي عبد المنعم حسين: محاضرات في تاريخ مصر الإسلامية ص110- ‏‏111.‏

(12‏)ابن خلدون: العبر 6/ 246.‏

(13‏)محمد عيسى الحريري: الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي ص77- 78.‏

(14‏)حمدي عبد المنعم حسين: محاضرات في تاريخ مصر الإسلامية ص110- ‏‏111.‏

(15‏)د/ مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب ص163- 164.‏

(16‏)مقال للدكتور عبد القادر بوباية: في مجلة التراث العربي، دمشق العددان 99 ‏و100، أكتوبر 2005م/ رمضان 1426هـ.‏

 (17‏)د/ مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب ص169.‏

(18‏)السابق نفسه ص169- 170.‏

(19‏) د/ مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب ص168.‏

(20‏)السابق نفسه ص168.