قراءة في تاريخ الإسلام في نيجيريا (3)

  • رقم الخبر 2206
  • المصدر: شبکة الألوکة‏

المخلص شهد القرن الثالث عشر الهجري حركة إصلاحية دينية وثقافية واجتماعية ‏وسياسية كبرى، شملت منطقة واسعة من غرب إفريقيا جنوب الصحراء، وتوجت في النهاية بإقامة ‏دولة إسلامية على يد مؤسسها وزعيمها الروحي الشيخ الداعية المجدد عثمان بن محمد ‏فودي.


المبحث الثالث: الحركة الإصلاحية للشيخ عثمان بن فودي (دولة سكوتو):‏

شهد القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي حركة إصلاحية دينية وثقافية واجتماعية ‏وسياسية كبرى، شملت منطقة واسعة من غرب إفريقيا جنوب الصحراء، وتوجت في النهاية بإقامة ‏دولة إسلامية على يد مؤسسها وزعيمها الروحي الشيخ الداعية المجدد عثمان بن محمد ‏فودي43‏ ‏ الفلاتي44‏ ‏ رحمه الله.‏

ولد الشيخ عثمان بن فودي في بلدة "طغل45‏ ‏" (‏Degel‏) على أطراف إقليم "غوبر" ‏‏(‏Gobir‏) إحدى ولايات الهوسا بشمال نيجيريا سنة 1168 هجرية ـ 1754 ميلادية، ووالده محمد ‏الفلاتي الملقب بفودي46‏، وكان معلم القرآن والحديث في قريته.‏

وبعد أن أكمل ابن فودي حفظ القرآن الكريم على يد والده، شرع ينتقل من عالم إلى آخر، يتعلم ‏ويتفقه حتى أصبح عالِمًا، ومن أشهر من تلمذ عنهم من العلماء الشيخ جبريل بن عمر، وقال عنه ‏تلميذه ابن فودي:‏

إن قيل في بحسن الظن ما قيلا = فموجة أنا من أمواج جبريلا

ولم يكن هذا الشيخ الذي استطاع أن يبني أسس دولة دامت مدة قرن كامل (1804 ـ 1903م)، في ‏حقيقة أمره، إلا رجلًا تشبع بثقافة إسلامية واسعة، ومنح من الصفات الخلقية، والمواهب العقلية، ‏والشجاعة في الرأي، والصدق في الإيمان، والإخلاص في العمل، وحسن الموعظة، ما هيأه الله ‏تعالى به، ليقوم بدور المصلح الدِّيني المجاهد في سبيل نشر الدِّين، ومقاومة الكفر والوثنية، وقمع ‏البدع والخرافات، وتخليص المسلمين - من بني قومه - مما كانوا عليه من الانحطاط في الأخلاق ‏والسلوك، وسوء الاعتقاد، والجهل بحقائق الشرع، وشدة الفُرقة والانقسام47.

يقول عنه ابنه محمد بللو أمير المؤمنين في إنفاق الميسور48‏ ‏:‏‎ ‎إنه عَلَم العلماء، ورافع لواء الدين، ‏أحيا السنَّة، وأمات البدعة، ونشر العلوم،‎ ‎وكشف الغموم، بهر علمه العقول، جمع بين الحقيقة ‏والشريعة، فسر القرآن سنين عديدة...متعبدًا ناسكًا، تصدر للتدريس وبث العلم، فملأ القطر المغربي ‏معارفَ وتلاميذَ.‏

وما كان الشيخ‎ ‎عثمان بن فودي يهيئ نفسه لملك أو سلطان، ولكنه نذر نفسه وبوضوح من أول ‏أيامه للعلم‎ ‎والتعليم بعد أن حفظ القرآن، وتعلم الحديث والفقه، واطلع على مؤلفات الكثيرين من ‏كتب السلف، واحتك بالكثيرين من علماء بلده وعصره مباشرة وفكرًا، وما وجد من المخطوطات ‏والمطبوعات في نيجيريا من‎ ‎تأليف للشيخ عثمان بن فودي، وأخيه الشيخ عبدالله، وابنه محمد بللو، ‏وابنته الشاعرة‎ ‎أسماء أكثر من أربعمائة مؤلف، وأغلبها الغالب باللغة العربية، وبعضها بلغة‎ ‎الفلاني، ‏وبعضها بلغة الهوسا ليؤكد ذلك 49.

ومدار تعاليم الشيخ على خمسة أقسام:‏

القسم الأول:‏‎ ‎ما فرضت به‎ ‎الشريعة، وهي الأصول والفروع الظاهرة والباطنة.‏

القسم الثاني:‏‎ ‎في الحث على اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.‏

القسم الثالث:‏‎ ‎في رد الأوهام‎ ‎التي توهمها الطلبة (وهؤلاء قد شغلوا بعلم الكلام)، فشاع عند الناس ‏أن من لم يشتغل‎ ‎بالتوحيد على النمط الذي يقررون، فهو كافر، وأشاعوا أن عوام المسلمين لا ‏تؤكل ذبائحهم، ولا يناكحون، مخافة أن يكونوا لم يعرفوا التوحيد، وابتلاهم الله بانتهاك حرمة ‏خاصة أيضًا، فتناولوا فقهاء وقتهم من أهل العلم والدين، ومن هم على سبيل المهتدين.‎

القسم الرابع:‏‎ ‎في إخماد البدع‎ ‎الشيطانية ورد العوائد الردية.‏

القسم الخامس:‏‎ ‎في بث العلوم‎ ‎الشرعية، وتحديد المشكلات فيها، والإفادة بالغرائب النوادر في ‏العلوم50.

وهكذا كان الشيخ‎ ‎يسعى بين قومه ليقوم عقيدتهم وسلوكهم، ولم يمضِ به وقت كبير في جو مثقل ‏بحركة علمية‎ ‎كبيرة وحركة اقتصادية واجتماعية عامة، حتى كثر أتباعه وأحبابه، وحتى أثار ذلك ‏اهتمام‎ ‎أولي الأمر من أهل السلطان ومن تبعهم، بما في ذلك بعض العلماء، الذين سماهم الشيخ ‏علماء السوء؛ لضلوعهم في ضلالة الجهلة وفساد الحكام، ولم يكن غريبًا في تلك الظروف‎ ‎أن ‏تكون مواجهة مع السلطة وأتباعها، يمتحن فيها الشيخ وجماعته بعد أن حاولوا معه‎ ‎أسلحة الترغيب ‏والتودد، ثم أسلحة التهديد والإرهاب.‏

يذكر أمير المؤمنين محمد بللو أن أعداءهم أجمعوا‎ ‎كيدهم على نصب القتال بينهم وبين الشيخ، لا ‏يشكون في أن الدولة لهم؛ لما يرون من ضعف‎ ‎أتباعه من المقاتلة، فاجتمع أمرهم على زجر الدعاة ‏إلى الله، ومنعهم من الوعظ، وأمر كل‎ ‎واحد أن يرجع إلى ما وجد عليه آباءه وأجداده عليه، فلم ‏يرعنا إلا إنذار أمير غوبر" ‎نافات" لثلاثة أمور، وهي كالتالي:‎‏ ‏

‏1 - لم يرضَ لأحد‎ ‎أن يعظ الناس إلا الشيخ وحده.‏

‏2 - لم يرضَ لأحد‎ ‎إلا وارثه من آبائه ومن لم يرث الإسلام، فليعد إلى ما وجد عليه آباءه.‏

‏3 - وألا يتعمم‎ ‎أحد بعد اليوم، ولا تضرب امرأة بخمارها على جبينها.‏

وهذا إنذار في‎ ‎الأسواق، ويشاء ربك أن يموت "نافات" أمير غوبر بعد ذلك بقليل، لكن خلفه ‏ابنه، وغزا قرية من قرى الإسلام على حين غفلة من فقهائها وقرائها في نهار رمضان وهم صائمون، ‏ونهبوا أموالهم، وأسروا ذراريهم، وأخذوا يفترشون الكتب والمصاحف، ويحتطبون‎ ‎الألواح فيوقدون ‏بها، ويستهزئون بأهل الإسلام.‏

تلك كانت بداية‎ ‎تحول الحركة من دعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة إلى جماعة ترى ‏الهجرة‎ ‎بدينها واجبًا، فكانت رسالة الشيخ لإخوانه وأتباعه في كتابه "بيان وجوب الهجرة"،‎ ‎ولكن ‏ذلك كله لم يحمِ الشيخ وأتباعه من البغي والعدوان، فأصبح الجهاد فرض عين على الشيخ ‏وأتباعه، وتتابعت انتصارات الشيخ التي عدها معاصروه وأتباعه من الخوارق إلى أن‎ ‎تأسست ‏الخلافة العثمانية السكتية.‏

يقول "محمد بللو" عن‎ ‎موقفهم من حكام ديارهم: إنه لما علمنا انقطاع حبال الأمانة بيننا وبينهم، ‏وقد أعانهم على عداوتنا جميع من كان على مشاركتهم من السودانيين والطوارق، ولم يبقَ لنا ملاذ‎ ‎وملجأ في ملوك هذه البلاد؛ لتضافرهم على عداوتنا، وتعاونهم على ذلك رومًا منهم‎ ‎استئصالنا - ‏اجتمعنا وتشاورنا في أمرنا، وقلنا: إنه لا يتأتى للناس أن يكونوا‎ ‎هملاً من غير وال، فبايعنا الشيخ ‏على السمع والطاعة في المنشط والمكره، فبايع هو على‎ ‎الكتاب والسنة51.

هكذا أصبح الشيخ‎ ‎أميرًا للمؤمنين، وقاد جهاده المظفر الذي كان ولا يزال له الأثر البالغ في تاريخ‎ ‎الإسلام عامة، وفي تاريخ بلاد الهوسا واليوربا، وما أصبح فيما بعد نيجيريا الفدرالية‎ ‎التي نعرفها ‏اليوم، والتي يشكل المسلمون أغلبيتها الغالبة، وقد كان الشيخ وأتباعه‎ ‎يتبعون في دعوتهم خطى ‏الرسول صلى الله عليه وسلم، وخطى الخلفاء الراشدين، بوعي عميق، ونية ‏صادقة، ومعرفة دقيقة لتفاصيل المسيرة النبوية، والخلافة‎ ‎الإسلامية، وبتوفيق من الله عظيم52.

في ذات الوقت‎ ‎أخذ الشيخ وجماعته يترجمون علمهم وأفكارهم إلى واقع ملموس، فقامت ‏الخلافة الإسلامية‎ ‎العثمانية السكتية كدولة إسلامية بكل ما عرف عن الدولة الإسلامية من نظم ‏أساسية؛‎ ‎فكانت الخلافة القائمة على البيعة، وكان الوزراء والأمراء والعمال والقضاة‎ ‎والمحتسبون، ‏ولم يرضَ الشيخ وجماعته أن يرتحلوا لأية عاصمة من عواصم حكام الهوسا السابقين،‎ ‎فقد كانت ‏بالنسبة لهم دار كفر، وآثروا أن يشيدوا عاصمتهم، فأسسوا مدينة سكتو53‏، وهي‎ ‎عاصمة الولاية ‏الغربية من ولايات شمال نيجيريا الآن،‎ ‎ولحماية حاضرة الخلافة‎ ‎الفتية أقيم رباط على مقربة منها ‏في (ورنو)، وكان أول حاكم لورنو محمد بللو بن الشيخ‎ ‎عثمان وخليفته، ولقد توفي الإمام ‏المجاهد أمير المؤمنين عثمان بن فودي رحمه الله سنة 1233هـ - 1818م.‏

ولا تزال سكتو‎ ‎عاصمة الخلافة العثمانية عاصمة للإقليم المسمى عليها، كما أن حفيد الشيخ عثمان ‏يقطن‎ ‎هناك، وكذلك الوزير، ويعرف خليفة الشيخ الآن بعد أن سقطت الخلافة على أيدي‎ ‎البريطانيين عام 1903 باسم (سركن مسلمي)؛ أي: رأس المسلمين، ولا يزال يتمتع بمكانة‎ ‎كبيرة في ‏نيجيريا كرمز لوحدة المسلمين ومكانتهم، وهو بهذه الصورة صاحب المكانة‎ ‎الأولى بين المسلمين ‏في كل نيجيريا على اختلاف ولاياتها وقبائلها، ولا تزال بيوت‎ ‎الإمارة قائمة، والأمراء يتسلسلون ‏إلى بداية الخلافة العثمانية السكتية، ومرد ذلك‎ ‎أن البريطانيين الذين أفلحوا في إسقاط الخلافة ‏وقتلِ الخليفة الطاهر، وقد استشهد في (برمي) وهو في سبيله شرقًا للاتصال بالسودان، لم يفلحوا ‏في طمس معالمها.‏

وتبلغ نسبة المسلمين في نيجيريا إلى 75%، وتشمل قبائل الشمال كلها سوى نزر يسير تأثر ‏بالإرساليات التنصيرية وما تقدمه، وبالاستعمار الصليبي ومغرياته54.

وبالرغم من عدم قيام الإحصائيات الدقيقة من الحكومة يعتبر آخرون أن نسبة المسلمين أكثر من ‏‏60%، و35% مسيحيون، والبقية من الديانات الإفريقية55‏ ‏. ‏

تعمق الإسلام في الشمال بصفة عميقة يصعب التمييز بين الرجل الهوساوي والإسلام؛ لأنه يعتبر أن ‏كل شمالي هوساوي مسلم.‏

وفي أواخر القرن التاسع الهجري أصبحت المسيحية قوية في الجنوب، شرقيه وغربيه، انحاز ‏الجنوب الغربي إلى المسيحية الإنجليزية، والشرق إلى المسيحية الكاثولكية الرومانية.‏

ثم إن الإسلام انقسم إلى طوائف وفرق، كما الحال في جميع الأقطار الإسلامية، فيوجد فيها الطرق ‏الصوفية؛ كالتيجانية والقادرية، ويوجد طوائف أخرى؛ كالشيعة، والسلفية، وغير ذلك.‏

ويلاحظ أن سلطان الأمراء قبل الاستعمار كان قويًّا وفعالاً؛ إذ يملكون القدرة في تدبير شؤون ‏البلاد، ويخضع لهم رقاب الجميع، ولا يوجد عندهم مخالف في السر والعلن؛ فالإمارة تعتبر رمزًا ‏للإسلام، وشعارًا للدين، كما يشعر كل المواطنين بوجوب الخضوع له، والانقياد لأوامر؛ ولهذا ‏وحتى بعد وجود الاستعمار استمر الناس بالانقياد لهم، وأعطى لهم كل فرد وجوب الطاعة؛ فالأمراء ‏لهم أهمية كبيرة في نفوس الشعب، ولا زالت منزلتهم وسلطانهم كذلك.‏

وقد جعل لهم الدستور 13% من مصادر الموارد لكل المناطق المحلية التي يمتد سلطانهم إليها، ‏وكذلك منح لهم الحق في إدارة كل الشؤون الدينية؛ كالمساجد والمدارس الإسلامية، وكل ما له ‏صلة بالدين، وإن كان الدستور اعترف بهم فإنه لا يعطيهم نفوذ وسلطان يتحكمون من خلاله ‏بمصادر الدولة، كما يلاحظ أن رئيس الدولة والحاكم بل ورئيس الحكومة المحلية أعلى منه منزلة، ‏وأصبحت شخصية الأمير هي المحور الرئيسي إذا كان رجلاً صالحًا وطيبًا وحكيمًا، فإنه يستفيد من ‏الولاية بقدر ما يستفيد منها حاكم الولاية، وإن كان عكس ذلك فقد لا يلاحظ له وجود.‏

من أهم الأمراء: أمير كانو، وأمير سوكوتو، وأمير غامباري، وأمير إلورن، وأمير بورنو، وأمير إيبرا، ‏وأمير زاريا، وأمير قوندو56.

 

المبحث الرابع: دخول الأوربيين المستعمرين:‏

وما من قارة من قارات العالم حفت بها وبتاريخها الأكاذيب مثل إفريقيا، وللأسف الشديد فإن ‏معلومات الناس في مختلف أنحاء العالم عن قارة إفريقيا كانت عن طريق تلك الأكاذيب التي ‏حاكتها الدول الاستعمارية الأوربية57.

وحتى سنة 1800م ظلت مناطق إفريقيا السوداء مجهولة بالنسبة للجغرافيين الأوربيين، ولم تتوفر ‏لديهم معلومات كافية لمدة طويلة، وسبب ذلك هي الملاريا (‏Malaria‏)؛ لأن في كل عشرة من ‏الأوربيين الذين ينزلون بسواحل غرب إفريقيا، فمن المؤكد أن ستة منهم على الأقل سيموتون ‏بالملاريا قبل نهاية العام58 ‏، حتى شاع تسمية مناطق غرب إفريقيا بـ: "مقبرة الرجل الأبيض"، ‏وكان البرتغاليون أول الأوروبيين الذين‎ ‎وصلوا إلى نيجيريا، وأنشؤوا مركزًا تجاريًّا قرب بنين، في ‏أواخر القرن الخامس عشر‎ ‎الميلادي، ثم قاموا بتطوير تجارة الـرقيق، بالاشتراك مع زعماء القبائل ‏الإفريقية، وفيما بعد كان البريطانيون والهولنديون وغيرهم من التجار الأوروبيين يتنافسون في‎ ‎هذه ‏التجارة، وبنهاية القرن الثامن عشر الميلادي أصبح البريطانيون أبرز تجار الرقيق‎ ‎في الساحل ‏النيجيري59.

ومن أهم البعثات الاستكشافية التي قام بها الأوربيون في تلك الفترة بقصد التوغل في المناطق ‏الإفريقية الداخلية، تلك الرحلة التي قام بها مونجوبارك ‏Mungo Park، الذي غادر إنجلترا سنة ‏‏1795 قاصدًا استكشاف مناطق نهر النيجر60.

أرسل البريطانيون عيونهم على فترات من الزمن ليستكشفوا أسرار المنطقة، ومن أبرز هؤلاء العيون: ‏‏(كلابرتون) ‏Clapperton‏ و(دينهام) ‏Denham‏ و(أدني) ‏Oudney، وقد زار هؤلاء منطقة ‏‏(برنو)، و(كانو)، و(سوكوتو) عدة مرات بعد الرحلات الاستكشافية التي قام بها (مونجو بارك) ‏Mungo park‏ قبلهم، وفعلًا حصلوا على بُغيتهم، فبعد مدة من الزمن مشوبة بالمكر والمكائد ‏واختلاق اتفاقيات تجارية وسياسية، قام الإنجليز بحملة شرسة على دولة (سوكوتو) الإسلامية، ‏وقاومهم جنود الإسلام، ولكن لما لم تكن المقاومة من الإمارات الإسلامية موحدة لم تجدِ شيئًا، ‏وسقطت الإمارات الإسلامية على يد الإنجليز واحدة تلو الأخرى، وأخيرًا سقطت العاصمة ‏‏(سوكوتو) عام 1903م61.

وفي أواخر القرن التاسع عشر الميلادي أنشأت بريطانيا محميات في أجزاء من جنوب نيجيريا،‎ ‎وظلت شركة تجارية‎ ‎بريطانية تسمى‎ ‎شركة النيجر الملكية‎ ‎تحكم معظم أجزاء شمال نيجيريا حتى ‏عام 1900م، وفي تلك السنة حولت بريطانيا تلك المنطقة إلى محمية تسمى‎ ‎محمية شمال نيجيريا، ‏وفي عام 1906م أصبح الجنوب النيجيري بما فيه لاجوس مستعمرة ومحمية جنوبي نيجيريا، ولقد ‏حارب‎ ‎النيجيريون في كل مناطق الاستعمار الإنجليزي، وبخاصة في المناطق الشمالية، ولكن‎ ‎الإنجليز قاوموهم، وفي عام 1914م وحدت بريطانيا كلًّا من شمال نيجيريا‎ ‎وجنوبه في وحدة‎ ‎واحدة سميت محمية اتحاد نيجيريا62.

تقاسمت الدول الاستعمارية إفريقيا في مؤتمرها الذي عقدته في برلين عام 1282هـ/ 1884م، ‏وتعاهدت فيه على احتلال العالم الإسلامي، ونصت قرارات المؤتمر على أنه لا يكفي إعلان ‏الحماية على بلد ما دون احتلاله فعليًّا، وكان ذلك واقعًا عانت منه القارة كغيرها دهرًا.‏

ولعل الإنجليز لم يفتقروا إلى نية إبادة الأفارقة في بلدانهم، أسوة بما فعلوه بالهنود الحمر في ‏أمريكا لولا لطف الله بهذه القارة63.

 

الخاتمة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله ‏وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:‏

فإني أستخلص من هذا البحث ما يأتي:‏

‏- إن دخول الإسلام في نيجيريا قديم؛ أي: منذ فتوحات إفريقيا على يد عقبة بن نافع الفهري سنة ‏ست وأربعين للهجرة 46هـ.‏

‏- إن الإسلام في نيجيريا لم ينتشر بالسيف، وإنما انتشر بواسطة أناس كانوا مثلاً أعلى وقدوة ‏حسنة؛ ولذلك أصبحت قلوب الجماهير متعلقة بكل ما هو إسلامي.‏

‏- إن الحركة الإصلاحية الفودية هي التي أعادت للمسلمين في تلك المنطقة روح الإخاء، وربطتهم ‏تحت راية واحدة، وأيقظتهم من سباتهم بعد فترة الركون.‏

بناءً على هذه النتائج يوصي الباحث بالآتي:‏

‏- أدعو الجيل الجديد من الباحثين لبذل المزيد من الجهود لاستخراج كثير من الكنوز التي تركها ‏الأسلاف، حتى يكتب صفحة جديدة من تاريخ هذه المنطقة، غير المزورة المتداولة التي أشاءها ‏المستعمر وقررها في مناهج التعليم.‏

‏- أدعو إلى إنشاء لقاءات بين علماء المنطقة، ولو على نطاق الإنترنت، لنفض الغبار عن تاريخ ‏المنطقة.‏

وما كان من صواب فبتوفيق من الله تبارك وتعالى، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، فأستغفر ‏الله العليَّ العظيم وأتوب إليه، والحمد لله رب العالمين.‏

 

الحواشي:

‏43.‏ ثم قامت على تركتها مملكة صنغاي، التي امتدت إلى القرن الثاني عشر الهجري؛ حيث استلم الزمام ‏‏(الفولانيون) ‏أنصار دعوة الشيخ عثمان بن فودي، الذي أقام دولة سوكوتو، التي قضى عليها الاحتلال ‏البريطاني أوائل القرن ‏الرابع عشر الهجري، عام 1900م. ‏

‏44.‏ ‏ محمد موسى البر: الإسلام والمسلمون في إفريقيا ص 4.‏

‏45.‏ ‏ انظر: المرجع السابق ص 2.‏

‏46.‏ ‏ داود عبدالقادر إيليغا: الأنظمة التعليمية الوافدة إلى غرب إفريقيا ص 5.‏

‏47.‏ ‏ الودغيري: عبدالعلي، الدكتور، رئيس الجامعة الإسلامية بالنيجر: ملامح من التأثير المغربي في الحركة ‏الإصلاحية ‏للشيخ المجدد عثمان بن فودي، بحث غير مطبوع. ص 1.‏

‏48.‏ ‏ دخل الفولانيون الإسلام على أيدي المرابطين في القرن الخامس الهجري على قول، فتحمسوا له ‏واستعلوا به، ‏وكان موطنهم الأصلي حوض السنغال، ولكنهم انتشروا في قلب إفريقيا من السنغال إلى ‏تشاد إلى قلب وغرب ‏إفريقيا في أربع هجرات شهيرة، تفرعت خلالها هذه القبيلة الضخمة إلى عدة ‏فروع، ولكن أهم هذه الفروع وأكثرها ‏أثرًا في نشر الدعوة الإسلامية وعودة النهضة الإسلامية للقلب ‏الإفريقي، هي هجرة الفولانيين إلى نيجيريا؛ انظر: ‏شريف عبدالعزير: الإمام المجاهد عثمان بن فودي، ‏بحث غير مطبوع ص 4.‏

‏49.‏ ‏ انظر: محمود شاكر: التاريخ الإسلامي، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية 1996م 15/278.‏

‏50.‏ ‏ ويعني الفقيه باللغة الفلاتية.‏

‏51.‏ ‏ وقد وصل خبر هذه الدعوة إلى السلطان المغربي المولى سليمان، وبلغه ما عليه أحوال الشيخ عثمان ‏من الورع ‏والصلاح والتفاني في الجهاد، ومحاربة البدع، فأبدى تجاوبه معه، وإعجابه بحركته، وكتب ‏في هذا الشأن رسالتين سنة ‏‏1225 هـ، وجه الأولى باسم أمير آهير (الواقعة حاليًّا في النيجر)، وهو ‏الأمير محمد الباقري، والثانية باسم الشيخ ‏عثمان يبارك له فيها عمله، ويتشوق لرؤيته ويدعو له بالنصر ‏والتوفيق. ‏

‏52.‏ ‏ انظر: محمد بللو: إنفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور ص 66.‏

‏53.‏ ‏ ويذكر الوزير غطاط بن ليما في كتابه "بسط الفوائد" أن من طبقة العلماء‎ ‎من طبقة الشيخ آنذاك كان ‏حوالي ‏‏105 عالم، وأن من الطبقة التي تليهم كان هناك (175)، ومن طبقته هو (145)، هذا خلاف ما لم ‏يذكره من ‏الشيوخ والطلبة والصلحاء.‏

‏54.‏ ‏ محمد بللو: إنفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور ص 72.‏

‏55.‏ ‏ المصدر السابق ص 100.‏

‏56.‏ ‏ الودغيري: عبدالعلي، الدكتور، رئيس الجامعة الإسلامية بالنيجر: ملامح من التأثير المغربي في الحركة ‏الإصلاحية ‏للشيخ المجدد عثمان بن فُودي، بحث غير مطبوع. ص 4. ‏

‏57.‏ ‏ ومن شروح تلك التسمية أنها سميت سكتو لأنها (سكَّت الأعداء سكًّا)، قال لي ذلك الشيخ أمين ‏غوني،ممد ‏‏(انشاروا) جمهورية نيجر في رحلتي معه إلى الحج عام 2006م، وقد استفدت منه كثيرًا ‏رحمه الله. ‏

‏58.‏ ‏ انظر: محمود شاكر: التاريخ الإسلامي. ج 15/163.‏

‏59.‏ ‏ انظر: توفيق حسين: جمهورية نيجيريا. ص 44.‏

‏60.‏ ‏ انظر توفيق حسين: جمهورية نيجيريا ص 62. ‏

‏61.‏ ‏ انظر: كولين ماكيقيدي، ترجمة مختار السويفي، أطلس تاريخ إفريقيا ص 8.‏

‏62.‏ ‏ انظر: المصدر نفسه ص 157.‏

‏63.‏ ‏ الموسوعة العربية العالمية (نيجيريا). ‏

‏64.‏ ‏ انظر: كولين: أطلس تاريخ إفريقيا ص 158.‏

‏65.‏ ‏ انظر: محمد بابنجيدا محمد، الدكتور: الإسلام والمسلمون في نيجيريا، مجلة البيان (238 عددًا) تصدر ‏عن المنتدى ‏الإسلامي.‏

‏66.‏ ‏ انظر: الموسوعة العربية العالمية ‏Global Arabic Encyclopedia‏ (نيجيريا).‏

‏67.‏ ‏ ومن الطريف أن الصحفي الألماني (يواخيم برناو) يرى أن العائق عن استيطان الإنجليز القارة، وإبادة ‏أهلها: آفتا ‏إفريقيا: الملاريا، وذبابة التسي تسي. ‏

 

المصادر والمراجع

‏1.‏ القرآن الكريم. ‏

‏2.‏ ابن هشام: عبدالملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد: السيرة النبوية: ‏الناشر دار الجيل سنة ‏‏1411هـ. ‏

‏3.‏ الوري: آدم عبدالله: الإسلام في نيجيريا.‏

‏4.‏ توفيق حسين أبو بكر: جمهورية النيجيرية، بحث غير منشور.‏

‏5.‏ شريف عبدالعزير: الإمام المجاهد عثمان بن فودي، بحث غير مطبوع. ‏

‏6.‏ شيخ عثمان كبر، الدكتور: الشعر الصوفي في نيجيريا.‏

‏7.‏ علي أبو بكر، الدكتور: الثقافة العربية في نيجيريا، الطبعة الأولى 1972 م. ‏

‏8.‏ المباركفوري صفي الرحمن: الرحيق المختوم. ‏

‏9.‏ محمد بابنجيدا محمد الدكتور: الإسلام والمسلمون في نيجيريا، مجلة البيان (238) تصدر ‏عن المنتدى ‏الإسلامي.‏

‏10.‏ محمد بللو: إنفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور، طبع عام 1382ه - 1964م.‏

‏11.‏ محمد موسى البر - جامعة القران الكريم والعلوم الإسلامية، الإسلام والمسلمون في ‏إفريقيا، بحث غير ‏مطبوع.‏

‏12.‏ محمود شاكر: التاريخ الإسلامي، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية 1996م.‏

‏13.‏ مقابلة: الشيخ أمين غوني ممد (انشاروا) جمهورية نيجر في رحلتي معه إلى الحج عام ‏‏2006م.‏

‏14.‏ الموسوعة العربية العالمية: عمل موسوعي ضخم، اعتمد في بعض أجزائه على النسخة ‏الدولية من دائرة ‏المعارف العالمية ‏World Book International، شارك في إنجازه أكثر من ‏ألف عالم، ومؤلف، ‏ومترجم، ومحرر، ومراجع علمي ولغوي، ومخرج فني، ومستشار، ومؤسسة من ‏جميع البلاد العربية.‏

‏15.‏ داود عبدالقادر إيليغا، الأنظمة التعليمية الوافدة إلى غرب إفريقيا وآثارها على المجتمع، ‏ورقة مقدمة إلى ‏ملتقى الجامعات الإفريقية، تقيمه جامعة إفريقيا العالمية بالسودان يناير 2006م.‏

‏16.‏ الودغيري: عبدالعلي، الدكتور، رئيس الجامعة الإسلامية بالنيجر: ملامح من التأثير المغربي ‏في الحركة ‏الإصلاحية للشيخ المجدد عثمان بن فودي، بحث غير مطبوع.‏

‏17.‏ الودغيري الدكتور عبدالعلي، رئيس الجامعة الإسلامية بالنيجر: ملامح من التأثير المغربي في ‏الحركة ‏الإصلاحية للشيخ المجدد عثمان بن فودي.‏

‏18.‏ ‏THE PENGUIN ATLAS OF AFRICAN HISTORY BY ‎COLIN MCEVEDY‏.كولين ماكيقيدي: ‏الأطلس التاريخ الإفريقي، ترجمة مختار السويفي، ‏الهيئة المصرية العامة للكتاب 1987م.‏

 

کاتب: تیجانی زبیر رابع

المصدر: شبکة الألوکة/ ‏www.alukah.net‏ ‏