الصومال الإسلامية(1)

  • رقم الخبر 2220
  • المصدر: کتاب «الصومال قديماً وحديثاً»

المخلص كانت الصومال في استقبال الدعوة الإسلامية، أسبق من أي دولة أخرى ‏أفريقية أو آسيوية، ويرجح أن الصومال بحكم صلاتها القديمة ببلاد العرب، ويحكم وجود جاليات عربية ‏على ساحل الصومال منذ عهد انهيار سد مأرب في عام 120 ميلادية وما تلا ذلك.


الإسلام دين دعوة

بظهور الدعوة الإسلامية في بلاد العرب، اندفع المسلمون بحماس ديني لنشر الدعوة ‏الإسلامية للناس كافة، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام، لم يرسل للعرب وحدهم، وإنما أرسل للناس ‏كافة وجاء في كتابه الكريم: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا) (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد ‏من ألغى) (فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين) (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف) ‏‏(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)‏

فالإسلام دين دعوةمن الناحية النظرية، ومن الناحية التطبيقية، فكان اندفاع العرب خارج الجزيرة العربة ‏لنشر الإسلام فيه تحقيق للصفة العالمية للدين (للناس كافة) في أرض الله الواسعة. ويناقش ابن حجر هذا ‏الرأي، ويرى أن الرسول أرسل حتى للجماد نفسه.‏

فهي دعوة تستوحي الخير فتأمر بالوحدانية، وتعالج المشكلات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، ولكن ‏قريشا الحريصة على زعامتها الروحية والاقتصادية، لم تؤمن بهذه الدعوة، بل وقفت في وجهها فكانت ‏الهجرة للمدينة، والهجرة في تاريخ الإسلام وتاريخ حضارته، حدث بالغ للأهمية، فقد مهدت الطريق ‏لتطبيق المثل العليا، في المعاملة والسلوك والأخلاق تمهيدا لتطبيقه عمليا، فكانت ملائمة بين الدين ‏والحياة، كما مهدت لقيام دولة عربية إسلامية، لأن الرسول عليه السلام أصبح على رأس جماعة، فعلى ‏الدين الجديد أن ينظم أمر هذه الجماعة، وأن يضع لها التشريعات.‏

 

نشر الدعوة الإسلامية

واتسعت الدولة الإسلامية، وأصبح الرسول على رئاس دولة اتحادية كبيرة بزعامته، ‏وبدأت الدولة في نشر الدعوة الإسلامية، ومما يؤيد التنفي العالمي للدعوة، الغزوات التي قام بها الرسول ‏عند أطراف الشام، واستطاعت الجيوش الإسلامية أن تصل إلىب لاد ما وراء النهر شمالا، بل تتخطى ‏الحدود إلى الهند جنوبا وشمالا إلى مصر. وقامت متابعة لسير طارق بن زياد إلى الأندلس، فعبرت حدود ‏البرانس بين أسبانيا وفرنسا وتوغلت إلى الجنوب من فرنسا. وفي أفريقيا استمر الزحف الإسلامي إلى ‏الجنوب من مراكش، حتى حواف النطاقات الغابية متضمنا الأرض الشمالية للنطاق الساحلي لخليج ساحل ‏العاج، حتى تمبكتو عند أعالي نهر النيجر، فالسودان الغربي، فالأوسط، فالسودان العربي، فأعالي النيل.‏

 

أسبقية الصومال في الإسلام

كانت الصومال في استقبال الدعوة الإسلامية، أسبق من أي دولة أخرى ‏أفريقية أو آسيوية، ويرجح أن الصومال بحكم صلاتها القديمة ببلاد العرب، ويحكم وجود جاليات عربية ‏على ساحل الصومال منذ عهد انهيار سد مأرب في عام 120 ميلادية وما تلا ذلك، سواء جاءت هذه ‏الجاليات لأسباب مذهبية، أم اقتصادية، فإنه من المرجح أن الصومال عرفت الإسلام في حياة الرسول عليه ‏الصلاة والسلام، حينما خرج جعفر ابن ابي طالب من مكة إلى الحبشة لنشر الدعوة الإسلامية، وفي طريقه ‏أسس مراكز للدعوة في أرتريا والصومال، بمساعدة الجاليات العربية المستوطنة في تلك الجهات، وكان ‏ذلك قبل هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة المنورة، بنحو ثماني سنوات، فكانت ‏الصومال أسبق في الإسلام من المدينة المنورة ومن ثم فلا عجب إذا وجدنا أن الصوماليين صاروا فيما بعد ‏من أكبر المتحمسين لنشر الدعوة الإسلامية، وأصبحت البلاد إسلامية خالصة.‏

وهذا الفتح الكبير للإسلام، لم يكن عسكريا وإنما كان فتحا جنسيا، وثقافيا، ودينيا، وقد حملت جيوش ‏الفتح أو دعاة الإسلام إلى هذه البلاد حضارة ذات مظاهر ثلاثة: 1- طابع الحضارة العربية من حرية العقيدة ‏، وحرية الفكر، وعدم الجمود. 2- ثقافة عربية إسلامية جامعة شاملة لمختلف العلوم والمعارف. 3- ‏الدين الإسلامي نفسه الذي يتلاءم مع كل زمان ومكان.‏

وظهرت الصومال الإسلامية بشكل واضح لا ريب فيه في أثناء العشرين سنة التي تلت وفاة الرسول عليه ‏الصلاة والسلام، حينما اتجه عرب الجزيرة في نشر الدعوة الإسلامية نحو العراق والشام شمالا، وفارس ‏شرقا ومصر غربا، فكان طبيعيا أن عرب عمان، بحكم موقعهم الجغرافي والعزلة الإقليمية، يكون اتجاههم ‏في نشر الدعوة الإسلامية تجاه الأراضي الصومالية وشرق أفريقيا.‏

ومع ازدهار الإسلام كدين ودولة ونظام، زاد النشاط البحري، وتوافدت على سواحل الصومال مجموعات ‏ضخمة، من دعاة الإسلام من عرب وفرس وغيرهم، لإنشاء مراكز ثابتة لنشر الدعوة، وبث تعاليم الدين ‏الإسلامي بين الصوماليين.‏

ولاختلاف سادة العرب حول منصب الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفان، انقسم المسلمون إلى شيع في ‏عهد علي بن ابي طالب، وقامت بينهم معارك فاضطر بعض الشيعة إلى الرحيل إلى بلاد الصومال.‏

وهكذا كان المهاجرون يحملون طابعا جديدا، بالإضافة إلى نشاطهم التجاري القديم، وهذا الطابع الجديد ‏، يتمثل في عقائدهم ومذاهبهم التي سادت في بلادهم، نتيجة لظهور الإسلام وما تلاه من نشواء الفرق ‏الإسلامية المتعددة ووصلت إلى الصومال نماذج من هذه الفرق والمذاهب. الواحدة تلو الأخرى لنشر ‏الدعوة، وتحكمت في ذلك عوامل اقتصادية أو سياسية أو دينية أو اجتماعية، إذ أنها جميعا لم تصل في ‏وقت واحد، ونذكر هنا أشهر دعاة الإسلام في الصومال خلال هذه الهجرات الإسلامية.‏

 

دعاة الإسلام في الصومال:

هجرة سليمان وسعيد الجلنديين: من المرجح أنها أول حركة استيطان إسلامية عربية على سواحل الصومال ‏، وقد عرفنا بعض أخبارها في القرنا لسابع الميلادي، وكانت لقسم من قبيلة الأزر العمانية تحت قيادة ‏سليمان وسعيد ابني عباد الجلندي وهما حاكما عمان من 75-95 هـ ــ 507-685 م.‏

وحينما اتبع عبدالملك بن مروان سياسة قبلية في الحكم، وثار عليه شعب عمان، كان لهم التوفيق في ‏بداية الأمر،ولكن الخليفة تمكن من إخماد الثورة، فهرب سليمان وسعيد وأسرتاهما، وبعض قبائلهما إلى ‏الصومال، بعد أن عين عبدالملك على عمان رجلا من أتباعه المخلصين، وأبعد العمانيين عن الحكم، ‏فكان الأميران رسولي سلام ودعوة إلى الإسلام في الصومال.‏

ويمكن اعتبار هذه الهجرة الإسلامية العربية إلى الصومال، أكبر حدث تاريخي في شرق أفريقيا، فهي تشير ‏إلى معرفة العمانيين بأفريقيا الشرقية منذ زمن بعيد، وهي الدعوة الأولى المنظمة للإسلام فيا لصومال، ‏وكانت في نجاحها داعية لأن يزداد عدد المهاجرين المسلمين إلى لاصومال، لما يجدون فيها من ترحاب ‏وحسن ضيافة، ومناصرة لدينهم الحنيف، من شعب الصومال.‏

الزيديون

جاء في الوثيقة العربية التي وجدها البرتغاليون في مدينة كلوه عام 1505، أن أول من هاجر من ‏العرب المسلمين، هم جماعة الزيدية الذين نفوا من البلاد العربية، لأنهم اتبعوا تعاليم كان يقول بها ‏شخص يدعى زيدا من سلالة النبي عليه الصلاة والسلام، وقد سموا (أمورزيديج) ولا يبعد أن يكون هو ‏زيد بن علي حفيد الحسين، أي أنه أحد أحفاد علي ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه هزم وقتل ‏عام 122 هـ - 740م فخرج جماعة من أتباعه إلى الساحل الصومالي، واستقروا بمنطقة بنادر، وقد نجحت ‏هذه الجماعة بالتدريج فينشر الدعوة الإسلامية على طول الساحل، فظهرت منطقة بنادر كأول منطقة تأخذ ‏بتعاليم الإسلام في الصومال.‏

الإخوة السبعة من الإحساء: خرج سبعة أخوة من قبيلة الحادث، على ثلاث سفن هاربين من اضطهاد ‏ملك الإحساء، ومعهم الكثير من سكان الشاطئ الغربي للخليج العربي قرب جزيرة البحرين في ولاية ‏الإحساء، وإلى هؤلاء المهاجرين يرجع الفضل في إنشاء مدينة مقدشوه، التي مكنت فترة طويلة تتزعم ‏الحركة الإسلامية على ساحل الصومال.‏

ويذكر المسعودي أن مدينة مقدشوه، يرجع تأسيسها إلى المهاجرين العرب قبل القرن الرابع الهجري، ‏وهم الذين وصولوا إلى بنادر وكذلك فإن مدينة براوة يرجع تأسيسها إلى العرب، في أوائل عهد ‏الفاطميين بمصر.‏

ويذكر المؤرخون أن المواطنين الأوائل من أتباع زيد، لا يتفقون مع حزب اللاجئين الجدد، حيث كان ‏الأولون من الشيعة والآخرون من أهل السنة، فاضطرت جماعة الزيدية التي استقرت نحو 200 عام على ‏سواحل الصومال، أن تنسحب إلى داخل البلاد، فكانت فرصة طيبة لحركة الاندماج والانصهار في الشعب ‏الصومالي، فتزوجوا منهم، وتطبعوا بأطباعهم، وتخلقوا بأخلاقهم، ونشروا افسلام فيهم، حتى قبائل ‏الجالا، وأصبح من الصوماليين فقهاء، ووعاظ، ورجال دعوة للدين، أكثر من العرب أنفسهم، وظلت ‏مقدشوه مركزا للدعوة الإسلامية، ومنارة لنشر الدعوة في الداخل سبعين عاما حتى ظهر حسن بن علي ‏وأبناؤه الستة.‏

حسن بن علي وأبناؤه

جاء إلى الصومال مهاجرون من الخليج الفارسي (الخليج العربي حاليا)، برياسة ‏حسن بن علي وأبناؤه الستة،وهو أحد أبناء سلاطين شيراز، وقد ازداراه أخوته، لأن أمه حبشية، فصمم ‏على مغادرة البلاد حوالي سنة 975 م مع أبنائه، ولا تعرف الحقيقة الواضحة في سبب هجرته، غير أنه ‏وصل مع أبنائه على سبع سفن، إلى أربع مناطق على ساحل الصومال وهي: بمبا وممبسة وبراوه وكيلوه. ‏والأخيرة كان عليها حسن نفسه.‏

وقام هؤلاء المهاجرون بنشر الدعوة الإسلامية، في منطقة جوبا العليا والسفلى، وقد حمل المهاجرون ‏المسلمون الفارسيون بعض مظاهر حضارة فارس التي تمت خلال القرون 10 و11و12 فعرف الصوماليون ‏أسالبيهم في طرق البناء بالأحجار، واستخدموا الجير والإسمنت في البناء، وعرفوا النقش والحفر على ‏الخشب والأحجار ونسج القطن.‏

وقد شيد الشيرازيون عدة مساجد ومباني، تمتاز باستخدام العقود المحدبة، والنقوش البديعة. وقد عثر في ‏الحفائر الأثرية على قطع من خزف صيني قديم، وبقايا أوان من الزجاج السوري والعربي القديم وقطع من ‏الحلى الذهبية. وقد ذكر مؤلف أخبار كيلوه العربية أسماء سلاطين، تولوا الحكم بعد أن قام حسن بن ‏علي بتأسيس الدولة في القرن العاشر، كما ذكر بعض أخبارهم.‏

الشيخ أبادير

تقول أسطورة صومالية قديمة، أن عربيا عريقا في العروبة عبر البحر إلى مملكة عدل (زيلع) ‏حيث دعا إلى الدين الإسلامي بين أجدادهم، وقد يكون هذا الداعي، هو الشيخ الكبير أبادير، الذي دخل ‏هرر في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) وأصبحت قاعدة إسلامية لنشر الدعوة في الصومال ‏والحبشة.‏

ويذكر ابن حوقل، أن أهالي زيلع، كانوا مسيحيين في النصف الثاني من القرن التاسع الميلادي، ولكن أبا ‏الفدا يذكر أنهم كانوا مسلمين في القرن الرابع عشر، وقد يكون هذا التحول إلى الإسلام بفضل الشيخ ‏أبادير الذي نشر الإسلام، ودعا إليه بين أهل زيلع في القرن العاشر.‏

جماعة من سلالة عقيل

وصل إلى ساحل الصومال الشمالي، جماعة من سلالة عقيل بن أبي طالب، وقد ‏استقر بهم المقام في أرض زيلع، في مدينة تدعى جبرت (أوفات) وقد أطلق عليهم اسم (الجبرتية)، ‏وازداد نفوذهم في سهل زيلع، حتى ظهورا في القرن الرابع عشر في سبع مماليك إسلامية، سميت بدول ‏الطراز الإسلامي، وقد لعبت هذه الإمارات الإسلامية، أكر دور في نشر الدعوة الإسلامية لا في النصف ‏الشمالي من بلاد الصومال فحسب، بل في الصومال كله، وفي نحو ثلثي الحبشة.‏

أربعة وأربعون شيخا من حضرموت

في القرن الخامس عشر وفد إلى لاصومال جماعة من حضرموت ‏تتألف من أربعة وأربعين شيخا عربيا للدعوة الإسلامية، ونزلوا أول الأمر في مدينة بربره، على ساحل ‏الصومال الشمالي، واستقروا بها فترة صغيرة، ثم انتشروا في البلاد، واستطاع أحدهم وهو الشيخ الوقور ‏إبراهيم أبو زرباي، أن يسلك طريقه إلى مدينة هرر، حوالي عام 1430 م حيث قام بنشر الدعوة، وإنشاء ‏المساجد، ومازال قبره معظما في المدينة إلى يومنا هذا.‏

وبالقرب من مدينة بربرة، مازال السكان الوطنية يعرفون جبل الأولياء، تخليدا لذكرى هؤلاء الدعاة، الذين ‏يقال أنهم كانوا يجلسون هناك في خلوة مقدسة للعبادة، قبل أن يقوموا بالدعوة في طول البلاد وعرضها.‏

أحمد جرى الصومالي

من دعاة الإسلام الصوماليين، في القرن السادس عشر، وفي عهده حدثت حالات ‏كبيرة للتحول إلى الإسلام في شرق أفريقيا – كما سنرى فيما بعد.‏

الوهابيون

في عام 1830 ظهرت مستعمرة من الوهابيين النجديين في بلدة بارديرا، وقاموا بتنظيم دعاية ‏قوية كان لها النجاح في حالات كثيرة إلى الإسلام.‏

السيد محمد عبدالله حسن

مجاهد صومالي في القرن التاسع عشر حارب المبشرين. ودعا إلى الكفاح ‏المقدسي تحت راية الإسلام، ووحد كلمة المسلمين في الجهاد. كما سنرى فيما بعد.‏

أصحاب الطرق الدينية (الصوفية)

قد قاموا بنشر الدعوة وتفسير تعاليم الإسلام، ومحاربة البدع، والعمل ‏على جعل المسلمين أخوة متحابين في الله. كما سنرى فيما بعد.‏

من المشاهد أن الهجرات الإسلامية ظلت في تتابع مستمر إلى بلاد الصومال وإن كانت تحددها اللوائح ‏القانونية الحديثة، إلا انها عمل مستمر، وسواء كان القادمون دعاة إسلام أم تجارا في القرون الأولى للهجرة ‏، فهم يكملون عمل الفاتح، فالتاجر عربي أو فارسي أو مصري أو مغربي أو غير ذلك، فهو يجمع بين ‏سلعته ونشر الدعوة الإسلامية، فإذا ما دخل قريبة وثنية لفت نظر الناس بوضوئه، وأدائه أوقات الصلوات ‏بانتظام، وبعقليته الناضجة، وخلقه الحسن، وكل ذلك يجعله موضع ثقة عند الناس، يتقبلون ما يقدمه ‏إليهم من زاد العلم والمعرفة.‏

ومن آثار دعاة الإسلام، أن كثيرا من الصوماليين خرجوا لطلب العلم، فطلبوا العلوم الدينية والمدنية في ‏مكة والقيروان وفاس وطرابلس والقاهرة وصنعاء، وإذا ما تحصلوا على علومهم ومعارفهم في أحوال ‏المسلمين وتعاليم الإسلام، عادوا إلى بلادهم كدعاة للإسلام، وساعد على نجاح دعوتهم، أنهم يعيشون ‏بطابع بلادهم، وبين بني جلدتهم حتى تحققت لبعضهم فرص عظيمة من التأييد الشعبي. ولنا في حياة ‏الإمام الصومالي أحمد جرى، والشيخ الجليل السيد محمد عبدالله حسن، خير مثل لخير دعاة للإسلام في ‏الصومال وشرق أفريقيا.‏

وكان لابد أن تتطور مراكز الدعوة الإسلامية مع مرور الزمن، وأن تزداد الهجرات العربية من ناحية، ويزداد ‏نشاط الدعاة الصوماليين من ناحية أخرى، فهو عمل مشترك بين القادم الداعي وبين المستقر الموجهة إليه ‏الدعوة، فتحولت المدن الصغيرة إلى مدن زاهرة، واتسعت شوارعها، وأصبحت مساكنها مباني حجرية، ‏ذات مداخل واسعة ونوافذ وأحواش فسيحة وحدائق غناء، ولأبوابها ونوافذها الخشبية نقوش بديعة بين ‏غائر وبارز، وظهر عليها طابع الطراز العربي والفارسي، فبدأ الحكام يبنون القصور، ويحملون مواد البناء ‏من جهات بعيدة، كمصر وفارس وغيهرا لتنظيم وبناء العمائر الإسلامية، وقصور الأعيان والحكام، ثم ‏يقتدي بهم غيرهم.‏

ومن الثابت، أن الكثرة العددية للمهاجرين إلى الصومال، كانت للهجرات العربية المسلمة دون منازع، ‏فكان لها أن تضع أساس المراكز الإسلامية وأن تقوم ببناء وتعمير مدينتي مقدشوه وبراوه، كما ساهمت في ‏بناء مدن كثيرة وقرى عديدة، كمركه وحافون وبربره ومنها ما صار قاعدة للحكم في الشمال كزيلع وهرر.‏

ولاشك أن حركة الهجرات لدعاة الإسلام في الصومال لها تأثير في التزاوج والتصاهر بين العرب ‏والصوماليين، فكلاهما على دين واحد ولهما قبلة واحدة وهم من عنصر حامي واحد وذوو مصالح ‏مشتركة وأماني واحدة في نشر الدعوة والإخاء بين المسلمين لصالح الوطن والمواطنين.‏

وهناك حقيقة معروفة هي أن العرب في أول أمرهم بالحياة في الصومال، أرادوا أن يحتفظوا بأساليب ‏معيشتهم التقليدية إلى حد ما، وأن ينفردوا بالرياسة والزعامة لأبناء عمومتهم، ولكنهم لم يستطيعوا أن ‏يحتفظوا بهذه السلطات فترة طويلة، فسرعان ما غلبوا على أمرهم وتحولت الرياسة والزعامة إلى ‏الصوماليين، حينما دب التشاحن والنزاع الداخلي بين المستوطنين الجدد من ناحية وبين المراكز المجاورة ‏من ناحية أخرى.‏

وقد ظهرت بوادر الزعامة الصومالية في مدينة مقدشوه، حينما تولى أمورها شيخ صومالي فوحد كلمتها، ‏وآخى بين سكانها، وناشد المدن الصومالية الأخرى، أن توحد كلمتها لاستكمال الوحدة الصومالية ‏الإسلامية.‏

مراكز الدعوة الإسلامية في الدراسة التالية أضواء خاطفة على مراكز الدعوة الإسلامية في الصومال، وهي ‏تمثل حلقة تمتد من مركز مقدشوه فبراوه، فالإمارات الإسلامية السبع من (دول الطراز الإسلامي) فهرر.. ‏ويمكن معرفة مدى انتشار الإسلام وتلاقي هذه المراكز، في توحيد الجبهة الصومالية الإسلامية حتى ‏أصبحت الصومال دولة إسلامية خالصة. وقد استبعدنا دور المراكز الإسلامية الأخرى، كما في حافون ووار ‏شيخ وعظلة وكسمايو وبارديرا ولوخ وبيدوه وبربره، وغيرها على أن نتحدث عنها في مناسبات أخرى من ‏هذا الكتاب.‏

 

المصدر: کتاب «الصومال قديماً وحديثاً»، تأليف حمدي السيد سالم

یستمر...