الصومال الإسلامية(3)

  • رقم الخبر 2233
  • المصدر: کتاب «الصومال قديماً وحديثاً»

المخلص قبل أن نمضي في سرد أحداث الحروب بين مسلمي الصومال وملوك الحبشة، سنلقي أضواء على ‏الأحوال الدينية التي كانت علهيا الحبشة خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر.‏


الحروب بين مسلمي الصومال وملوك الحبشة

قبل أن نمضي في سرد أحداث الحروب بين مسلمي الصومال وملوك الحبشة، سنلقي أضواء على ‏الأحوال الدينية التي كانت علهيا الحبشة خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر.‏

ففي الواقع لم تكن للحبشة في هذه الفترة حكومة مركزية وإنما كانت عبارة عن إمارات بتولي شئون كل ‏إمارة حاكم مسيحي، ولكن كان أكثر هؤلاء الحكام من المسلمين، ولم يجهروا بإسلامهم لأن قوانين البلاد ‏تحتم أن يتولى كل إمارة حاكم مسيحي، بالإضافة إلى السلطان الأعظم، أي ملك ملوك الحبشة الذي كان ‏يتصف عادة بالتعصب الشديد للمسيحية. ومع هذا كان أكثر الحكام يستخدمون نفوذهم في نشر الإسلام ‏دون الجهر بذلك.‏

ومما ساعد على انتشار الإسلامي في ربوع الحبشة، أن الحبشة كانت في فوضى دينية، وتعدد مذهبي، ‏بالإضافة إلى أن الأحباش كانوا يحقدون على أعمال اليسوعيين المبشرين والرومانيين الكاثوليك المبشرين ‏، لتدخلهم في الشئون السياسية والمدنية، بالإضافة إلى الدين نفسه، وكان العامة الأحباش يجدون عنفا ‏وقوة من جانب الحكام والرهبان والقساوسة، من فرض عقائدهم ورغباتهم بحد السيف في الوقت الذي ‏يتمتع فيه المسلمون بالتسامح الديني، وارتفاع مستواهم الثقافي والاجتماعي، ويذكر أرتول تونبي عن ربيل ‏أنه كثيرا ما لاحظ أثناء رحلاته في بلاد الحبشة (في العصر الحديث) أنه عندما كان يخلو منصب من ‏المناصب التي تتطلب أن يكون الشخص الذي يشغله أمينا كل الأمانة موثوقا به كل الثقة، كان الاختيار يقع ‏دائما على شخض مسلم..

ويقول ربيل: (يرجع ذلك إلى أن المسلمين يعلمون أولادهم القراءة والكتابة، ‏مما لايستطيع أن يفعله الأحباش إلا إذا كان المراد القيام بأعمال تعود مرة ثانية إلى ذكر أحوال المسلمين ‏في الإمارات الإسلامية السبع فنقول أن هذه الإمارات الإسلامية السبع، كان الملك فيها لبيت محفوظ إلا ‏إمارة بالي فإن الملك فيها صار لرجل ليس من بيت محفوظ فقد تقرب من سلطان أمحرا وسانده حتى ‏ولاء مملكة فاستقل بها.‏

وجاء في مسالك الأبصار، (أن جميع هذه الممالك يكون الحكم فيها بالوراثة وكلهم متفقون على تعظيم ‏صاحب اوفات).‏

ويحدثنا القلقشندي عن هذه الممالك فيقول: (إن الحطى ملك الحبشة قد أتى على معظم هذه الممالك، ‏وضربها، ومثل بأهلها، وحرق ما بها من المصاحف، وأكره الكثير منهم على الدخول في دين النصرانية، ‏ولم يبق من ملوكهم سوى ابن سنار، الذي كان يدفع أتاوة مقررة في كل عام، والسلطان سعد الدين ‏صاحب زيلع وملحقاتها، وهو عاص له خارج من طاعته فكثرت بينهما الحروب التي كان النصر فيها دائما ‏للسلطان سعد الدين والله يؤيد بنصره من يشاء).‏

 

دوالع العداء:‏

ويذكر المقريزي أن أول من اساء معاملة المسلمين من ملوك الحبشة، هو أيكونوا أملاك (1270-1285) ‏الذي زعم أنهمن سلالة سليمان ابن داود عليه السلام، وقد قم هذا الملك باضطهاد المسلمين، ودفعهم ‏إلى حروب طويلة،استنفدت الكثير من الجنود، وقاومه المسلمون مقاومة شديدة.‏

ومن الغريب حقا، وليس هذا غريبا على حكام الحبشة في الماضي، أن (أيكونوا أملاك) قبل أن يصل ‏إلى لاعرش الأثيوبي عقد معاهدة مع ملك أوفات، على أن يساعده في الوصول إلى العرش الأثيوبي، ‏مقابل أن يترك له حق الامتداد إلى إمارة شوا الإسلامية، وقد قام الملك المسلم بمساعدة أيكونوا أملاك ‏بالقوات الزيلعية المسلمة، حتى أصبح ملكا على الحبشة، وأصبح الملك الصومالي عمرو لسمع حاكما ‏على الأراضي فيما بين زيلع إلى شوا التي تقع قرب أديس أبابا الحالية.‏

ولم يستمر أيكونوا أملاك طويلا في اعترافه بالجميل الصومالي وإنما تحول إلى أكبر مضطهر للمسلمين – ‏وأعلن الحرب الصليبية ضد مسلمي الصومال، في الوقت الذي ظهر فيه الود والمحبة تجاه ملك مصر ‏المسلم، الظاهر بيبرس الذي كرس حياته لمناصرة الإسلام، ويريد أيكونوا أملاك أن يعزل القوى الإسلامية ‏في الشمال، على أن تساعد قوى الصومال المسلم، فكتب أيكونوا أملاك رسالة إلى الظاهر بيبرس ملك ‏مصر يظهر فيها الطاعة، ويرغب في إرسال مطران للحبشة، ويطلب من صاحب اليمن أن يتوسط لدى ‏ملك مصر وهو يقول (أن سلطان الحبشة قد قصد الملوك إلى إيصال كتابه إلى السلطان)..

ويقول: (أن ‏أقل المماليك محرا أملاك (تحريف أيكونوا أملاك) يقبل الأرض وينهي بين يدي السطلان ملك الظاهر ‏خلد الله ملكه.. أن رسولا وصل من جهة قوص بسبب الراهب الذي جاءنا، فنحن ما جاءنا مطران ‏‏(فليأمر) مولانا السلطان ونحن عبيده، فيرسم.. للبطريق يعمل لنا مطرانا رجلا جيدا عالما لا يحب ذهبا ولا ‏فضة، يسيره إلى مدينة عوان فأقل المماليك (يعني نفسه) يسير إلى نواب الملك المظفر صاحب اليمن ما ‏يلزمه) وهو يسير إلى أبواب السلطان، ويعتذر عن تأخر رسل السلطان بقوله، (وما أخرت الرسل إلى ‏الأبواب إلا اني كنت في بيكار (أي حرب) وعندي في عسكري مائة ألف فارس مسلم وأما النصارى فكثير ‏لا يعد، وكلهم غلمانك وتحت أوامرك، والمطران الكبير يدعو لك. وهذا الخلق كلهم يقولون آمين).‏

وفي رسالة أيكونوا أملاك السابقة إلى السلطان بمصر نجد محاولة التقرب إلى قلب السلطان بلغة غربية ‏سقيمة حافلة بالأخطاء، ولكن لم تجد الرسالة أي إذن صاغية لدى السلطان المصري المسلم، لعلمه أن ‏الأحباش يقومون تحت رياسة أيكونوا أملاك بحرب صليبية ضد مسلمي الصومال.‏

فالواقع أن الحبشة، لم تكن على علاقة ثابتة مع الدول الإسلامية في مصر واليمن والصومال، بل أنها ‏تتتحسن فترة وتسوء أخرى، فكانت نظرة حكام الحبشة نحو مصر، على أنها مصدر رؤسائها الروحانيين ‏وتنظر إلى الصومال على أنها تمثل الدولة العربية القديمة. دولة حمير، وكان حكام الحبشة، يوجهون ‏حملاتهم إلى الصومال كما كانوا يفعلون قديما مع دولة حمير باليمن وفي الوقت نفسه زاد سخط الأحباش‏، حينما اصبحت الصومال منطقة إسلامية وواسعة، تمتد على البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي ‏حتى نهر تانا.

ومعنى هذا أن الحبشة ستكون في معزلة تامة كجزيرة يحيط بها المسلمون شمالا وشرقا ‏وغربا وجنوبا. فاندفع الحكام الأحباش، إلى قطع الحصار الإسلامي من ناحية الصوماليين، ولكن اليمن ‏المسلمة كانت وراء الصومال المسلمة تناصرها وتؤيدها بكل ما تستطيع من قوة وعتاد، فإذا ما أحس ‏ملوك زيلع باضطهاد من جانب جيرانهم المسيحيين كاوا يفرن إلى ملوك اليمن فيجدون عندهم كل ‏ترحاب وذلك ما لقيه السلطان سعد الدين أحد ملوك زيلع حينما لجأ إلى اليمن من اضطهاد حكام ‏الحبشة له، فأكرمه الملك الناصر أحمد بن الأشرف إسماعيل ملك اليمن وأرسل فرقا من الجنود زحفوا ‏لقتال ملك الحبشة حتى تم تدعيم سلطة ملوك زيلع المسلمين.‏

وحقيقة أخرى ظهرت بعد هزيمة الصليبيين في الشرق الأوسط على يد الناصر صلاح الدين بمصر، إذ ‏تضاعف شعور حكام الحبشة في التعصب الديني، حتى أصبحت الحبشة ملجأ للهاربين من القبط، ‏وتزعمت الحركة المسيحية في أفريقيا بغية تكوين إمبراطورية مسيحية على يد الملك الذي قال عنه ‏الغربيون – أنه القسيس يوحنا، الذي لم يحدد ميعاده أو مكانه وإنما قيل أنه في مكان ما بأفريقيا.. ويظهر ‏هذا الدافع إلى الانتقام والتعصب الديني سافرا لدى حكام الحبشة في أسمائهم وأعمالهم وحروبهم ‏واضطهادهم للصوماليين نوسنذكر طرفا منها على سبيل المثال لا الحصر:‏

تغيير العاصمة من أكسوم إلى أمحر، وتلقيب الملك باسم الحطى أي ملك الملوك، وجعل اللغة الأمهرية ‏وهي لغة سامية هي اللغة الرسمية للدولة بدلامن لغة الجز التي صارت لغة الكنيسة، والمذهب اليعقوبي هو ‏مذهب الدولة القائل بأن المسيح ذو طبيعة واحدة، وارتباط السياسة بالدين والثقافة حتى أصبح على ملوك ‏الحبشة أن يحملوا ألقابا مسيحية حينما يتولون حكم البلاد مثل جبريل ستل أي عبدالصليب، وتأكلوا نولاب ‏أي شكر اللآت، نواي كرستوي اي إناء المسيح، بئيد مريم لبناء دنجل أي بخور العذراء، نيودور أي ‏المحبوب من إله.. إلخ.‏

 

أشهر الوقائع والأحداث بين الصومال والحبشة

‏1- حينما تولى عرش الحبشة الملك ياجبعا صيون (1285-1924) كتب رسالة إلى السلطان قلاوون بمصر ‏، يؤكد فيها أنه سيتخذ نهجا جديدا غير الذي اتخذه والده من قبل، وأنه سيحمي مصالح المسلمين، وناشد ‏السلطان أن يرسل له مطرانا مصريا وعبر عن شكواه من المطران السوري وختم رسالته بأن سيرسل لسلطان ‏مصر الهدايا والدقيق في أقرب فرصة، فاستجاب سلطان مصر لرسالة الملك الحبشي، وطلب أن ينفذ ‏وعده تجاه مسلمي الصومال، وأن يحميهم من غارات الأحباش ويكف عن إيذاء مسلمي الصومال.

2- ‏حينما تولى عرش الحبشة الملك عمد صيون (1314-1344) أرسل رسالة إلى السلطان حينما أشيع ان ‏السلطان حول الكنائس إلى مساجد، واضطهد المسيحيين وطلب ملك الحبشة من السلطان أن يعيد ‏الكنائس ويحسن معاملته مع النصارى، وإذا لم يستجب السلطان فإنه (أي ملك الحبشة) سوف يعامل ‏مسلمي الصومال بالمثل فيحول مساجدهم إلى كنائس وأنه سيسد النيل، فضحك السلطان وأخبر رسول ‏الملك عن غضبه لهذا الهراء الفارغ.

3- بعد عشر سنوات تقريبا قام الصوماليون بهجوم عنيف على ‏الأراضي الحبشية، وقتل وأسر من الأحباش عددا كبيرا، وأعلن القائد خير الدين ملك أوفات أنه سيدخل ‏الحطى (ملك ملوك الحبشة) في الإسلام أوي قتله، وأنه سيجعل زوجة الحطى (ملك ملوك الحبشة) في ‏الإسلام أو يقتله، وأنه سيجعل زوجة الحطى (الملكة منجش) تطحن له حبا لتصنع له خبزا، فلما سمع ‏الحطى بذلك قام على رأس جيش كبير،ودخل أوفات وأسر خير الدين وتولى من بعده أخوه جمال ‏الدين.

4- وتتابعت الغزوات الحبشية ضد مسلمي الصومال، فاضطر أمراء الصومال أن يبعثوا بالفقيه ‏عبدالله الزيلعي على رأس وفد إلى مصر أثناء وجود رسول الحبشة بمصر، وطلب عبدالله الزيلعي من ‏سلطان مصر أن يكتب رسالة إلى بطريق الحبشة وملكيها، ليكف أذاه عن مسلمي الصومال وأخذ حريمهم ‏، فأمر السلطان بكتابة رسالة إلى بطريق الحبشة، وأخرى إلى الملك مستنكرا الأعمال الوحشية ضد مسلمي ‏الصومال.

5- وحينما تولى عرش الحبشة الملك نواي كريستوي (1344-1372)، أعلن الحرب على ‏مملكة أوفات، وتغلب عليها وأسر ملكها على بن خير الدين، ثم أعدمه. ولكن حفيده صبر الدين بن ‏أحمد، قام بحرب طاحنة حتى مات ملك الحبشة، وتولى حفيده مسألة محاربة مسلمي الصومال واستشهد ‏صبر الدين، وتولى أخوه سعد الدين الذي أعد جيشا صوماليا وجمع كل قواه، ومعه الكثير من الفقهاء ‏والعلماء وأهل البلاد، وتحالفوا جميعا على إحدى الحسنيين (النصرة أو الشهادة) فكانت بين المسلمين ‏والنصارى مواقع عديدة، استشهد فيها من المشايخ الصالحين نحو أربعمائة شيخ وعدد كبير من الجنود، ‏واستمر القتال فترة طويلة استشهد خلالها سعد الدين والكثير من رجاله.

6- وحينما تولى حكم الحبشة ‏الملك إسحق الأول 1414-1429 يقول المقريزي: (إنه شن حربا ضد المسلمين في الممالك الإسلامية، ‏وأوقع تحت يده من ممالك المسلمين،وقائع شنيعة، قتل فيها وسلب واسترق عالما لا يحصيه إلا خالقه ‏سبحانه).

7- وتصدى جمال الدين لملوك الحبشة، وكان في جيش جمال الدين رجل حبشي قد أشهر ‏إسلامه هو (حرب حوش) الذي صد هجمات النصارى في بالي ودارور، وبفضله حدثت تحولات كبير ‏من المسيحية إلى الإسلام، كما قتل وأسر عددا كبيرا من نصارى الأحباش، حتى امتلأت أسواق بلاد الهند ‏واليمن والحجاز وهرمز والشام والروم وفارس برقيق الحبشة. وفي إحدى المعارك استشهد جمال الدين ‏، وتولى أخوه شهاب الدين الذي استرد إقليم بالي الذي احتلته الأحباش منق بل، وغنم شهاب الدين كثرا ‏وخرب كنائسهم، مما جعل الملك إسحاق يفكر في القيام بحرب صليبية ضد مماليك مصر ومسلمي ‏الصومال، فكتب رسائل عديدة إلى ملوك فرنسا والبرتغال، يستنجد بهم لإزالة الإسلام من أفريقيا، ولكن ‏رسائله لم تجد آذانا صاغية، فمات حزنا على أثر ذلك في عام 1429.

8- وحينما تولى حكم الحبشة ‏الملك زرني يعقوب (1434-1468) تمكن من ان يقتل شهاب الدين في إحدى المعارك.

9- وتولى ‏حكم الحبشة ملوك مثل بئيد مريم 1468-1478 واسكندر 1478-1494 وغيرهما، وقد أجمعوا على ‏محاربة المسلمين وإخلاء الصومال من المسلمين أو تنصيرهم.

10- وكان من أقصى ملوك الحبشة هو ‏الملك ليناء دنجل 1508-1510 الذي شن حربا ضروسا ضد مسلمي الصومال، وأعد حبشا عظيما وقام ‏لغزو مملكة أوفات، وأحرق المدن، وضرب القلاع، وهزم ملك أوفات، وحصر المسلمين الصوماليين ‏في مكن ضيق بين فطيجار وعدل، وقتل ما يزيد على إثنى عشر ألفا نسمة، واعتصم الباقون بالحبال، ‏حيث هلكوا جوعا وعطشا، وانتزع الراية الخضراء، وشعار ملك عدل، كما غنم أشياء كثيرة. وكانت ‏الملكة الينى تؤازر الملك في محاربة مسلمي الصومال، ومن الغريب أن الملكة الينى، هي نفسها رمانة ‏العربية، وكان أبوها محمد حاكم إقليم دوارو الإسلامي، وكانت في بدء حياتها تحاول أن توفق بين ‏النصارى والمسلمين، ولكن بعد موت زوجها السابق على يد المسلمين أصبحت من أشد أعداء مسلمي ‏الصومال والعرب معا. وحينما أدركت الملكة الينى قوة الصوماليين المتزايدة، وعرفت أنهم باتحادهم ‏وإيمانهم العميق بالنصر، لا بد أن يجروا الخراب على الحبشة، ويحولوا أهلها إلى الإسلام، وخاصة أن ‏بعض قواد الحبشة بدءوا في كتابة رسالة إلى الملك عمانويل ملك البرتغال.

هذا نص الرسالة عن النسخة ‏الخطية عن كتاب (علاقات الدولة المملوكية بالدول الإفريقية لحامد عمار): بسم الله والسلام على عمانويل ‏سيد البحر وقاهر المسلمين القساة الكفرة.. تحياتي إليكم ودعواتي لكم. لقد وصل إلى مسامعنا أن سلطان ‏مصر جهز جيشا ضخما ليضرب قواتكم ويثأر من الهزائم التي ألحقها به قوادكم في الهند، ونحن على ‏استعداد لمقاومة الكفرة بإرسال أكبر عدد من جنودنا في البحر الأحمر، وإلى مكة، أو جزيرة باب المندب ‏إذا أردتم نسيرها إلى جدة أو الطور وذلك لنقضي قضاء تاما على جرثومة الكفرة.

ولعله قد آن الوقت ‏لتحقيق النبوءة القائلة بظهور ملك مسيحي يستطيع في وقت قصيرب أن يبدد الأمم الإسلامية المتبربرة، ‏ولما كانت ملكتنا في الداخل وبعيدة عن البحر الذي ليس فيه قوة أو سلطان فإن الاتفاق معكم ضروري إذ ‏أنكم أهل بأس شديد في الحروب البحرية). وفي رسالة الملكة اعتراف صريح بأن الحبشة دولة داخلية ‏ليست لها حدود بحرية وأنها تسعى للسيطرة على الحدود البحرية وضمها لها بفضل مساعدة مسيحي أوربا ‏لمسيحي الحبشة.‏

وقد ماتت الملكة الينى متأثرة بالهزائم التي ألحقت بالحبشة، والانتصارات التي حققها الصوماليون تحت ‏راية زعيمهم الإمام أحمد جرى الصومالي حتى وصلت التعاليم الإسلامية وراء الغزو الصومالي إلى كسلا ‏في السودان وإلى مصوع وأرتريا وغندره وأكسوم والولايات الجنوبية للحبشة وذلك قبل أن تصل القوات ‏البرتغالية إلى البحرا الصومالية لمساعدة الأحباش في حروبهم ضد مسلمي الصومال.

11- وقد شاهدت ‏الحبشة أكبر غزو في تاريخها القديم والحديث، على يد الإمام أحمد جرى الصومالي فيما بين عام 1531 ‏إلى 1553، فتدمرت كنائس أكسوم وغندره وجوجام، وأصبح الصوماليون سادة على نحو ثلثي الحبشة.

‏‏12- تولى حكم الحبشة الملك جلاديوس 1540-1559 الذي جدد النداء إلى البرتغاليين لمساعدة الحبشة ‏في حروبها المسيحية ضد مسلمي الصومال، وكان الجنرال كونلهام رسول ملك البرتغال في الحبشة قد ‏كتب رسالة أخرى إلى ملك البرتغال، يطلب منه مساعدة صديقه ملك الحبشة ضد مسلمي الصومال. ولم ‏يكتف الملك جلاديوس بطلب المساعدة من ملك البرتغال بل أرسل بعثة أخرى إلى البابا كلمنت السابع، ‏يعترف له بتبعية الكنيسة الحبشية للكنيسة الغربية وأن يقدم له المساعدة اللازمة للقضاء على القوات ‏الصومالية الإسلامية الضاربة في مختلف بقاع الحبشة.

13- وصلت إلى البحار الصومالية حملة برتغالية ‏حوالي عام 1542 بقيادة لب سوارز الذي دمر مدينتي بربره وزيلع وأحرقها. وحوالي ذلك الوقت أيضا ‏كان الأتراك قد احتلوا مواني البحر الأحمر الواقعة جنوب شبه جزيرة العرب، وفي نفس العام دخلت ‏الجيوش العثمانية،ب قيادة سليم الأول في مصر، وهزم المماليك في معركة مرج دايق، وأصبحت مصر ‏ولاية عثمانية، وبذلك صارت حماية العالم الإسلامي سواء في أفريقيا أو في آسيا على كاهل الدولة ‏العثمانية، وقد مارست نشاطها فعلا عن طريق القائد التركي، حاكم زبيد وشريف مكة بمعاونة الصوماليين ‏في كفاحهم ضد نصارى الحبشة.

14- وفي الوقت الذي كانت الإغارات البرتغالية على لاسواحل الصومالية ‏قد بلغت ذروتها، كانت الصلة بين الإمام أحمد جرى والحلفاء الثعمانيين قد بدأت تسوء، ورفض الإمام ‏المعونة العسكرية التي قدمها له العثمانيون. ويظهر أن الإمام أحمد كان متخوفا من علاقته بالعثمانيين، فقد ‏ظن أنه بعد الحرب الحبشية، سيضطر أن يدخل في حرب أخرى مع هؤلاء الحلفاء، ولهذا النتهز الإمام ‏أحمد جرى فرصة انتصاراته الرائعة وتضخم مكاسبه البشرية والمادية في الحبشة ليقطع علاقته بالعثمانيين.‏

ولم يستمر في جهاده طويلا، إذ وصل إلى خليج عدن قوى حربية برتغالية بأحدث الأسلحة النارية مكونة ‏من 450 جنديا من خبرة جنود البرتغال برياسة القائد البرتغالي كريستو مود جاما ومعه بعثة دينية برياسة ‏الأسقف جان برمودز!!..‏ وبات الأمير بين قوى الأحباش برا، وقوى البرتغال بحرا، في الوقت الذي قطع فيه علاقته بالقوى العثمانية ‏في اليمن، علاوة على أن سلاح البرتغاليين كان أحدث وأقوى مما يملكه الصوماليين، وقد دفع به ذلك ‏إلى حرب مميتة انتهت بوفاة الإمام أحمد جرى حوالي عام 1553 بعد أن سجل على الأرض وفي السماء ‏أروع دور قام به داع صومالي للإسلام في شرق أفريقيا بل أكبر دعاة الإسلام عامة في أفريقيا.‏

‏15- وخلف الإمام أحمد جرى في حكم البلاد، أخوه الأمير نور الدين ابن مجاهد الذي سماه الصوماليون ‏صاحب الفتح الثاني، وقد هاجم الملك جلاديوس،واستطاع أن يأخذ بتأثر الإمام أحمد، فقتل الملك ‏الحبشي في عام 1559.

16- وتعرضت الحبشة لصراع ديني داخلي عقب موت الملك جلاديوس، فقد ‏كان البرتغاليون الذين استنجد بهم الملك، ضد مسلمي الصومال قد جاءوا بمذهب جديد هو المذهب ‏الكاثوليكي، فثار بعض قواد الجيش، وأعلنوا صراحة كما يقول أرنولد تونبي (إنه من الخير للأحباش أن ‏يخضعوا لحكم المسلمين من أن يستمروا في مجالسة البرتغاليين)، ولم يستمر بقاء البرتغاليين فترة طويلة ‏إذ قام الأحباش أخيرا في عام 1632 بطرد البرتغاليين من البلاد.

17- وحينما تولى حكم الحبشة الملك ‏يوهانس الأول (1667-1682)، أعلن التعصب الديني مرة أخرى، فقد عقد الملك مجلسا في العام الثاني ‏من حكمه وقضى بمنع المسلمين من أن يعيشوا بجانب المسيحيين، وأمرهم أن يسكنوا في أماكن نائية ‏عن المسيحيين، ثم تجدد هذا المنع مرة أخرى في عام 1678، ونتيجة لذلك قامت حروب دامية بين ‏سملمي الصومال والحبشة، وفي الوقت نفسه أدت هذه الحروب إلى انقراض عشائر إسلامية كثيرة في ‏قلب الحبشة.

18- وفي عهد الرأس على ملك الحبشة (1855-1868) كانت العلاقات طيبة بينا لصومال ‏والحبشة، فقد كان الرأس علي يفضل المسلمين على المسيحيين، فاعطى المناصب الحكومية للمسلمين ‏،وجعل لهم غنائم في الكنائس، حتى قيل أنه في فترة حكمه قد دخل في الإسلام إلى فناء عشائر إسلامية ‏كثيرة في قلب الحبشة.

19- وحينما تولى عرش الحبشة الملك كاسا الذي غير اسمه إلى ثيودور أي ‏المحبوب من الإله أعلن الحرب الصليبية، وأحرق الكثير من أحياء المسلمين في الحبشة نفسها، وأقام ‏عهد الإرهاب والتنكيل بالشيوخ المسلمين، وطرد المبشرين البرتستنت وغيرهم، مما دفع بريطانيا لأن ‏ترسل حملة بقيادة سير روبرت نابير قائد القوات البريطانية في الهند لتأديب (المحبوب من الإله) ولكن ‏حينما أحسن ثيودور أن الهزائم قد اشتدت أمام القوات البريطانية الزاحفة على الحبشة قرر الانتحار، ومات ‏منتحرا في عام 1868.

20- في عهد الملك يوحنا الثاني (1868-1889) تقرر في عام 1878 بناء على قرار ‏أعضاء الكنيسة الحبشية وجوب الاقتصار على دين واحد في كافة أنحاء المملكة وإنذار المسلمين بالجلاء ‏عن أوطانهم على دين واحد في كافة أنحاء المملكة وإنذار المسلمين بالجلاء عن أوطانهم إذا لم يقبلوا ‏التعميد (التنصير) في مدى ثلاثة أشهر! وأرغم نحو 55 ألفا من المسلمين على التعميد في عام 1880، ‏ولكن كما يقول أرنولد تونبي أن المسلمين في الوقت الذي تظاهروا فيه بالقبول والأذعان كانوا في الخفاء ‏يكتمون ولاءهم للدين الإسلامي، وقد شوهد بعض الصليبيين يخرجون من الكنيسة التي يعمدون فيها ‏قاصدين شيخا مباركا من رجال دينهم ليمحوا عنهم مالحقتهم من التعميد الذي أجبروا على فعله.‏

ولم تستمر سياسة التعصب للمسيحية كما أراد يوحنا إذ تعرض لغزو المسلمين من الشمال فقام على رأس ‏جيش في عام 1889 لمهاجمة الدراويش في القابلات، ولكنه فوجئ بقدوم جيش من المصريين ‏المسلمين آت من الشمال للانضمام إلى الدراويش السودانيين وتمكن القائد المصري فرج الله من قتل ‏يوحنا، وأرسل رأسه إلى التعايشي في أم درمان ففرح الصوماليون لانتصار إخوانهم المسلمين في الشمال ‏على الملك الحبشي.

21- وخلال ثورة المهدي في السودان، ووقوع مصر تحت الاحتلال البريطاني عام ‏‏1884 أن أجبرت مصر على جلاء الإدارة المصرية في بربره وزيلع وهرر في عام 1884، وكان على ‏الحبشة ملك يدعى منليك الثاني قد استعان بالقوى الغربية (بريطانيا وإيطاليا وفرنسا) لتحقيق آماله في ‏التوسع والاستيلاء على أراضي جديدة في شبه جزيرة الصومال، وفي هذه الفترة كان الأمير عبدالله علي ‏حاكم هرر، قد أرسل إلى منليك ملك شو.. سجادة صلاة وكوزا وطستا للوضوء ودعاه إلى الإسلام وهدده ‏بالمسير إذا لم يجب طلبه. فرد منليك يلاطفه بكلام لين، حتى استجمع منليك كل قواه وتسلح بأسلحة ‏الغربيين واستعان بالخبراء العسكريين الغربيين، ودخل عدة معارك مع الأمير عبدالله في عام 1886 وانتهت ‏بانتصار منليك واحتلال هرر التي اتخذت كقاعدة حبشية للتوسع واحتلال أراضي جديدة في الأوجادين ‏وغرب الصومال وضعها للحبشة بمساعدة الأوروبيين.

22- حينما تولى حكم الحبشة الملك ليج اياسو ‏‏(1913-1916) أنكر الدين المسيحي، وزعم أنه ليس من سلالة سليمان ولا مملكة سبأ، وإنما هو من ‏سلالة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وأعاد بناء المساجد التي تهدمت في هرر وغيهرا ودعا الصوماليين ‏للجهاد ولرفع راية الإسلام وارتدى ملابس المسلمين، وتزوج منهم وكتب على علم الحبشة (لا إله إلا الله ‏محمد رسول الله)، ولعل هذه النزعة القوية لدى الملك ليج أياسو مصدرها أنه من مواليد طنطا بمصر، وأنه ‏تلقى العلوم الإسلامية في مدارس مصر، لذا شب مؤمنا بالله ورسوله محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.‏

وكان من أثر هذا الاتجاه الجديد في سياسة الحبشة أن قامت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا بمناورات لإعادة ‏المسيحية إلى الحبشة، وقامت عدة معارك حتى فر الملك ليج أياسو إلى واحة أوسا، وقام الغربيون ‏بمساندة الأميرة زوديتو خالة ليج ياسو وابنة منليك لتولي عرش الحبشة، وأصبح الرأس تفرى الذي سمى ‏نفسه عند اعتلاء عرش الحبشة باسم هيلاسلاسي وليا لعهد الملكة، وعمت البلاد فتنة عمياء، فأهل المشال ‏ومعظمهم من الأمهارا المسيحيين يلتفون حول زوديتو، وأهل الجنوب جلهم من المسلمين يناصرون ‏الإمبراطور المخلوع. وقامت حرب أهلية. وفر ليج أياسو إلى واحة أوسا ولكن تمكن أهل الشمال ما ‏القبض عليه في عام 1921 وسجن فترة قصيرة ثم صدرت الأوامر بذبحه. ومات ليج أياسو في معتقله ولم ‏تلبث زوديتو أن تبعته وخلصت الحبشة للرأس تفرى (1916) وتوج علهيا امبراطورا، باسم هيلاسلاسي ‏وأضفى اللقب التقليدي (الأسد القاهر من سبط يهوذا، المختار من الله، ملك ملوك أثيوبيا) وذلك في ‏حفل كبير لم تشهد الحبشة مثله.‏

ولكن إيطاليا لم تنس هزيمتها في عدوة، كانت لها بالمرصاد، فهاجمتها واستولت عليها بل تجاوزت ‏الحمالات الحربية الإيطالية في الحبشة.. حدود الحبشة نفسها.. فوصلت إلى كسلا وبعض جهات ‏السودان (يوليو 1940) وإلى الصومال البريطاني (الإقليم الشمالي من الجمهورية الصومالية – حاليا) ‏واستولوا على بربره عصامته في أغسطس 1940.‏

 

المصدر: الصومال قديماً وحديثاً، تأليف حمدي السيد سالم