سيرة الإمام أحمد جرى وفتوح الحبشة(2)

  • رقم الخبر 2246
  • المصدر: کتاب «الصومال قديماً وحديثاً»

المخلص خرج الإمام من هرر في اتجاه الأراضي الحبشية لنشر الدعوة الإسلامية بين الوثنيين والكفرة، وكان على ‏رأس جيش قوى مدرب على أحسن وجه، ودخل مدينة زيفه الإسلامية فرحب به الجرادوين ابن آدم ‏باسم الله العلي القدير.


بدء الجهاد في سبيل الله والوطن:‏

خرج الإمام من هرر في اتجاه الأراضي الحبشية لنشر الدعوة الإسلامية بين الوثنيين والكفرة، وكان على ‏رأس جيش قوى مدرب على أحسن وجه، ودخل مدينة زيفه الإسلامية فرحب به الجرادوين ابن آدم ‏باسم الله العلي القدير، وتسبيح بحمد الله، واستقر بها فترة حتى وضعت زوجة الإمام (دولنبرة) غلاما ‏سماه محمدا، ثم تركه مع امه في زيفه عند مؤنسة أخت الإمام وتابع سيره قاصدا ملك الحبشة، وكانمن ‏عادة الإمام أن يصطحب معه في مؤخرة الجند المجاهدات المسلمات.‏

وصل الإمام إلى أرض بادتي التي اجتمع فيها الأحباش حول كنيستها قائلين... (لايصل الإمام إلى الكنيسة ‏حتى نقتل عن أخرنا)... وكان تعداد الجنود الأحباش المرابطن في أرض بادتي نحو ستة عشر ألف فارس ‏ونحو مائتي ألف راجل، لذلك طالت وقائع الحرب بين الصوماليين والأحباش في معركة شيزكوره، ‏فكانت هناك أيام نصر للصوماليين المسلمين وأخرى قليلة للنصارى الأحباش، ولما طالت المعارك بين ‏الطرفين قام الإمام بتنظيم صفوف المجاهدين المسلمين على هيئة نصف دائرة أو كما نسميها في العصر ‏الحديث على صورة كماشة، جاعلا جناحا للميمنة وجناحا للميسرة وفي مركز القلب من الهجوم وضع ‏قواته الرئيسية وأعيان الفرسان وأبطالها العظام أمثال الأمير حسين الجزائري والأمير زحرموي محمود وقد ‏حشد الإمام في مركز الهجوم خمسمائة فارس ممن لهم دراية بفنون الهجوم السريع وانضم إليهم ثلثمائة ‏فارس من قبيلة هرتي الصومالية وأربعمائة من قبيلة يبرى لشدة بأشهم،ومن أهل السيوف ثلثمائة، ومن ‏أهل القسى أربعمائة.‏

وحدث حينما عبر المسلمون نهر سموما أن وقع الرعب في قلب رجلين من المسلمين فانهزما أمام ‏جيوش الحبشة وانهزمت بانهزامهما جميع الفرق،وعبرت النهر على غير اهدى، عند ذلك وقف الإمام في ‏وجه الهاربين وصاح قائلا: (أين تفرون من الجنة ؟ وما هو إلا أجل قد كتب). فقال له أحد أعوانه: ‏‏(اضرب ضحيتك هنا ونحن نقاتل دونك) فقال عرب فقية: (أبشر فذلك واقعة أحد) فضرب ضحيته ‏واجتمع المسلمون حوله وثبتوا في أماكنهم وقد خسروا بعض رجالهم.‏

ثم رأى الإمام أحمد أن هذه البقعة ضيقة ولا تصلح للقتال فرحل بعساكره متقهقرا وتبعهم عساكر الحبشة ‏حتى لحقوا بهم عند (صمبر كورى). فلما رأى المسلمون أن الأحباش لاحقون بهم استشار الإمام أصحاب ‏الرأي في عساكره فقالوا، (أما نحن فالقتال يقيننا ومنانا ولا نزال نصر لهم على الضرب والطعن والقتال ‏حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، ففرح بهم ودعا لهم،وباتوا يعدون العدة للصباح. فلما أصبحوا ‏خطب فيهم الفقيه أبو بكر المكني (بارشونة) وبشرهم بالجنة،وحذرهم من الفرار، وتلا عليهم قوله تعالى ‏‏(يا أيها الذين آمنوا أصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون).‏

وقام الإمام يخطب في المسلمين ويدفعهم إلى الجهاد في سبيل الله وقرأ قوله تعالى (ان الله اشترى من ‏المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة ‏والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم).‏

وحينئذ قال له المسلمون دعنا نحمل عليهم فمنعهم الإمام من الحمل وقال لهم: (أثبتوا مكانكم ولا ‏تبدءوهم بالقتال حتى يبدءوكم به، وأشرعوا الرماح، واستتروا بالدرق، ولا تخطوا بأرجلكم خطوة واحدة ‏إلا وأنتم تذكرون الله، اذكروا الله ولا تنظروا إليهم، وانظروا إلى الأرض واستعينوا بالله عليهم، وصابروا ‏والله معكم وناصركم).‏

ولما اقترب الأحباش من جيش المسلمين كانت سحابة من فوقهم تظللهم والمسلمون في حر الشمس ‏فتضرع الإمام ودعا وقال في دعائه – (يا الله يا حي يا قيوم، يا بديع السموات والأرض ويا ذا الجلال ‏والإكرام، إن هؤلاء أعداء نبيك وأعداء رسلك يأكلون رزقك ويعيدون سواك تظللهم ونحن المسلمين في ‏حر الشمس).. فما استتم الإمام كلامه حتى زالت تلك السحابة على رؤوس الأحباش إلى رؤوس ‏المسلمين، وقد حمل الأحباش على جيش المسلمين من جهة الميمنة، حملة رجل واحد قصار إليهم ‏السملمون ولكنهم عادوا فحملوا على الميسرة بعنف وشدة وقتلوا منهم الكثير فانحازت الميمنة للميسرة ‏إلى القلب واندفعوا جميعا بقوة وعزيمة وإيمان من الضحى حتى العصر، فارتد الأحباش إلىداخل أرض ‏بادتي وتبعهم الإمام أحمد وقتل منهم ألوفا وامتلأت الأرض بجثث القتلى في معركة شيزكوه لأول رجب ‏عام 935 هجرية، وجهر المسلمون بالتهليل والتكبير، وولى الأحباش الأدبار، والمسلمون وراءهم يكبرون ‏بصوت جهوري (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر والنصر للإسلام).‏

في هذه المعركة الخالدةفي تاريخ الانتصارات الصومالية على الأحباش قتل البطريق روبيل بطعنة سيف من ‏يد الإمام أحمد فاخترق السيف صدر روبيل الذي كان من أشد أعداء المسلمين لا يفرق في تعذيبه ‏وقسوته بين الطفل والشيخ والرجل والمرأة فكان جزاءه النار خالدا فيها أبدا. ‏

ومن البطارقة الذين قلتوا في هذه المعركة البطريق شيري شوم، والبطريق زبيجان والبطريق محفظي. وكان ‏أول من قتل بسهم رماه أحد الأبطال الصوماليين هو البطريق زونجبيل وتلاه البطريق البنين والبطريق عمد ‏وغيرهم وكلهم من كنيسة بادتي الشهيرة في التعصب المسيحي. وقتل من الأحباش نحو عشرة آلاف وغنم ‏المسلمون ستمائة فرس وغنائم كثيرة من سلاح وعتاد ومؤن، واستشهد من المسلمين نحو خمسة آلاف ‏ختم لهم بالشهادة وكان من الأسرى البطريق تخلى موجن صهر الملك ففدى نفسه بخمسمائة أوقية من ‏الذهب.‏

وبعد هذا الانتصار الرائع للقوة الصومالية المسلمة عاد المجاهدون الأبطال إلى مدينة هرر للراحة طوال ‏منتصف شهر رجب وشهر رمضان المعظم ونصف شوال ثم العودة إلى أرض الحبشة لنشر الإسلام فيها. ‏وخلال فترة إقامتهم في هرر قاموا بإعداد أراضيهم لإنتاج حبوب الطعام وإعداد قوات أكبر لمعارك كبرى ‏داخل أرض النصارى، وقد وصلتهم أسلحة ومواد تموينية من الجنوب العربي المسلم تبرع بها أهالي ‏حضرموت واليمن وكان الشيوخ والمعلومن قد تكفلوا برعاية البلاد أثناء جهاد الجنود في خارج الحدود.‏

 

حالات التحول إلى الإسلام:‏

زحف الإمام أحمد بجيوشه إلى أرض إمارة دوارو المسلمة من الجهة العليا لنهر شبيلي، وقد تصدى له ‏بطريق جواثر ويدعى أول مبرق وقام نزاع خفيف بين جيوش الإمام ورجال بطريق جواثر، وأنهى النزاع ‏رجل صومالي يدعى فكيه بأن دبر حيلة قبض بها على البطريق رغم أن هذا الصومالي كان مقطوع اليد ‏اليمنى بحق الله تعالى بواسطة حكم القضاء ومجلس الإمام، غير انه لم يعتكف في داره بل خرج مع جيش ‏الإمام لنصرة دين الله.‏

وبعد مدينة جواثر استمر القتال حتىمدينة مي فلج التي كان عليها رجل يدعى راجح أصله مسلم نصره ‏الحطى ملك الحبشة وأعطاه ملكا بعدها صار يغير على بلاده المسلمين وأسر من الصوماليين أعدادا لا ‏حصر لها، فأرسل الإمام رسالة إلى راجح يدعوه إلى الإسلام والكف من إيذاء المسلمين، قال فيها (أنت ‏مسلم وابن مسلم ومجاهد ابن مجاهد من أول الزمان، وكان قدر الله ماكان، فتب، وارجع إلى الإسلام، ‏وكن أخانا، ولا تقنط من رحمة الله).‏

ولما وصلت الرسالة إلى راجح قال للرسول.. (كم قتلت ونهبت من المسلمين الصوماليين، وأخشى إذا ‏رجعت أن تأخذوني بما فعلته).. فعاد الرسول إلى الإمام برسالة راجح فأرسله الإمام مرة ثانية قائلا له.. ‏‏(قد عفونا عنك).. فاطمأن راجح وقال للرسول ابعثوا إلي أميرا على رأس جيش كبير حتى أدلكم على ‏مواضع كنوز العدو وطرق سيرهم.‏

أرسل الإمام جيشا قويا تحت زعامة صديقه في الكفاح وفي حياة الصبي وزميله في رفع راية الإسلام وهو ‏القائد الكبير الأمير عدولي الذي قابله راجح بكل ترحاب وخرجا معا إلى مناطق تجمع الأعداء ونشبت ‏معارك كان الانتصار فيها للهلال على الصليب. وبلغ عدد القتلى من البطارقة الكبار 130 ومن الفرسان ‏نحو ألف، وغنم المسلمون خمسمائة فرس.‏

وعادت الجيوش الإسلامية إلى هرر للراحة وتوزيع الغنائم على الفقراء، وتحسين أحوال البلاد، ‏واستجلاب السلاح من بلاد العرب وبناء عمارة هرر.‏

وقد حدثت حالات كثيرة من التحول إلى الإسلام نذكر منها مدينة أنطاكية التي خربت كنائسها وخضعت ‏لحكم المسلمين، قد تحول كل شعبها إلى الإسلام حتى أن بطريق شرخا دخل الإسلام هو وزوجته ‏وأولاده وحسن إسلامهم. ومن البطارقة العظام، بطريق مرجاي الذي أشهر إسلامه بعد أن حرقت أعظم ‏كنائس غندرة وانضم إلى صفوف المجاهدين المسلمين وشهد معارك كثيرة أظهر فيها حسن سلامه.‏

 

تصدى ملك الحبشة وكبير البطارقة الأحباش لقوات المسلمين:‏

بعد أن سيطرت الجيوش الإسلامية الصومالية على البلاد، وبعد ما حدث من تحولات كبيرة إلى الإسلام ‏وجد الإمام أن يدخل في حرب مع ملك الحبشة مباشرة إذا لم يقبل الدخول في الإسلام، فخرج على ‏رأس جيش يضم كافة أبناء الأمة الصومالية ووصل بهم حتى نهر هواش إلى الغرب من خليج تاجورة، ثم ‏عبر النهر إلى أرض المايه وبها كنيسة ضخمة أحرقها المسلمون، وكان ملك الحبشة لبناء دنجل على ‏مسيرة يومين من أرض المايه فاضطر الملك إلى الهروب إذ كان هدف الإمام هو أسر الملك كما وصلت ‏الأخبار إلى الملك الحبشي، فكان هروبه على صورة تنكرية فاعتقد الإمام أن الملك خشي الحرب وأنه ‏اتجه إلى بادتي فزحف إليها الإمام بجنده ووقفوا على مشارف المدينة منتظرين خروج جيش الملك ولكن ‏الجند شاهدوا نيرانا لافحة تتصاعد إلى السماء من وسط أرض بادتي فاستفسر الإمام عن سبب النيران، ‏فأجابه بطريق حبيب الذي أعلن إسلامه وانضم لجيش المسلمين في بادتي، أن هذه القرى التي تندلع منها ‏النيران هي قرى الملك.

وهنا أقبل تاجر مسلم منناحية الحريق فسأله الإمام عن سبب الحريق فقال التاجر ‏أنا لملك لبناء دنجل كان بأرض جيرجي حينما علم بوصول جيش الصوماليين إلى ما بعد نهر هواش، ‏فاستدعى الملك بطريقا حبشيا وقال له سر الآن إلى بادتي وأحرق مساكنها كلها ومساكن أخواتي قبل أن ‏يسبقك المسلمون الصوماليون إليها فهم يحرقونها ويقولون حرقنا بيت الملك، أما الكنيسة فلا تحرقوها إذ ‏لا يحل حرقها في كتبنا.‏

فاتجه الإمام بجنوده إلى اندونته وهي قرية الملك وحرقها المسلمون وكان الملك قريبا من قريته فشاهد ‏النيران تأكل قريته كما شاهدالهزائم المتتالية على يد الصوماليين فرأى أن لا يتصدى للقوات الإسلامية وقرر ‏الهروب متنكرا للمرة الثانية دون أن يفصح عن شخصيته وسط جنده المشتتين واتجه الملك إلى الشمال ‏ليستجمع قواه استعدادا للحرب ضد المسلمين.‏

تمكن ملك الحبشة من أن يجمع جيشا كبيرا وأن يحشد جموعهم على الضفة الشمالية مننهر هواش منتظرا ‏قدوم الإمام وجنده، وما أن وصل جيش المسلمين حتى توقف على الضفة الثانية للنهر لأن مياه النهر كانت ‏مرتفعة، وعسكر الطرفين عدة أيام وشهر على ضفتي النهر لأن أسلحتهما أضعف من أن يكون لها تأثير ‏متبادل على جانبي النهر وتنابذوا بالكلام دون أن يصل أحدهما إلى الآخر ولم تحدث حوادث قتل أو أسر ‏‏.‏

وحين انخفض منسوب مياه النهر قليلا اندفع الإمام بجنده مرة واحدة فعبروا النهر إلى أرض جيرجى ‏فدهش الملك وجنده لهذا التيار الجارف من المسلمين في أرض الحبشة ولم يتمكن الملك من صد ‏قوات الإمام فولى الأدبار إلى نزار جح من أرض الدانوت.‏

واتجه الملك الحبشي إلى الاستنجاد بكبير بطارقة الحبشة في نزار جح وكان يدعى وسن سجد وابا ‏المساكين وكان معظما لدى سائر الأحباش يخشون قوته أكثر مما يخشون الملك نفسه وقد عرض عليه ‏الملك أنباء تقدم الصوماليين في أرض الحبشة لنشر الإسلام وتحطيم النصرانية. فخرج البطريق إلى الجنود ‏الأحباش قائلا لهم.. (كيف ترضون أن يفعل بكم المسلمون هذه الكوارث كلها، وقد مات منها آباؤكم ‏وأجدادكم ؟ ما فعل أحدمن لمسلمين مثل ما فعل هذاالرجل (يقصد به الإمام أحمد جرى الصومالي).. وما ‏هذا إلا من ظلمكم وجوركم فسلط الله عليكم هؤلاء المسلمين، خربوا عليكم بلادكم، دوارو وفطجار ‏وبادتي ونزار حج وحرقوا الكنيسة التي بها بطريقكم والتابوت الذي فيه جسد البطريق الأكبر).. فقالوا: ‏‏(مر بما شئت، فنحن نقاتل المسلمين، ونموت بين يديك). فقال لهم (نترك ما مضى ونكون بعد الآن ‏رجالا).‏

وأرسل البطريق وسن سجد رسالة إلى الإمام أحمد جاء فيها.. (أنتم المسلمون ونحن النصارى وقد كنا ‏نسير إلى بلادكم ونخربها والآن قد أدلاكم الله علينا، والنصر لا يدوم كل يوم، والآن يكفيك ما فعلت ‏فارجع إلى بلادك، وأنت تقول في نفسك هزمت الملك في صمبر كورى وتقول فعلت في أنطاكية ‏وفعلت في أزرى فلا تغتر بنفسك فإن الملك صارت عنده جيوش كثيرة ما رأيت مثلها وما سمعت هبا، ‏فارجع إلى بلدك لتفوز بنفسك وذهبك وإلا فالميعاد بيننا وبينك يوم السبت فأن الذي قتلت أخاك الجراد ‏أبون ابن الجواد ابراهيم وهو أكبر منك، وهزمت جيشه وفعلت ذلك مرارا، ولا تظن أنني مثل من لقيت ‏من البطارقة)..

وصلت الرسالة السابقة إلى معسكر الإمام مع رسول خاص غير ان الإمام كان يعاني مرضا ‏شديدا فلم يتمكن الرسول من مقابلة الإمام، فتسلم الكتاب أمراء المسلمين وأدركوا ما به، وعقدوا مجلس ‏الشورى وتباحثوا في الأمر وقرروا مواصلة الزحف المقدس، وقالوا لرسول البطريق وسن سجد. أخبره ‏‏(إن ما خوفتنا به من لقائنا يوم السبت هو منيتنا ومرادنا وهذه البلاد لسنا بتاركيها حتى نأخذ الحبشة بأسرها ‏بإذن الله).‏

وما أن سمع البطريق وسن سجد بقرار أمراء المسلمين حتى داخله الخوف والفزع من شدة بأس المسلمين ‏وإيمانهم العميق برسالتهم وأنهم لا بد منفذون رغبتهم لاعتقادهم فيما يقومون به من أعمال، لذلك أرسل ‏وسن سجد رسولا آخر إلى الإمام أحمد ومعه رسالة ثانية جاء فيها.. (إنني ما تكلمت بكلامي الأول إلا ‏خوفا من الملك والبطارقة، وقد أعلمني الرهبان أنني سأقع في يدك، فإذا وقعت فارحمني ولا تقتلني). ‏وكان الإمام أحمد قد شفاه الله واستقبل رسول (وسن سجد) ورسالته باسما وقال للرسول بلغ البطريق ‏‏(وسن سجد) أنه إذا صار في أيدينا رحمناه.‏

 

قتل كبير البطارقة الأحباش:‏

قام الإمام في 23 رمضان عام 937 هجرية – وقد عوفي الإمام تماما من مرضه – على رأس الجيوش ‏الإسلامية إلى أرض دانوت للقضاء عل الملك الحبشي وقواته، وسار جيش المسلمين في أرض دالوت، ‏وعسكروا في بلدة زرارة وهي بلدة كبيرة يسكنها بعض النصارى التجار من مصر والشام لطيب هوائها ‏وكثرة خيراتها، وأرسل الإمام فرق الاستطلاع والتجسس لمعرفة مكان الملك وقواته، وبلغته الأخبار فيا ‏ليوم التالي أن الملك وقواته مرابطون في أرض الدانوت وأن كبير البطارقة (وسن سجد) قد تراجع إلى ‏أرض (وج) فقام الإمام إلى أرض الدانوت حيث حاصر الملك وقواته في جبل عظيم الارتفاع، كثير ‏الوديان العميقة، وعر التضاريس، لذلك تسلق بعض المسلمين الجبل ولكن الملك الحبشي (لبناء دنجل) ‏استطاع للمرة الثالثة أن يهرب ومعه أربعون شخصا من الأجانب (الإفرنج) إلى حيث يجدون الحماية ‏والأمن عند كبير البطارقة (وسن سجد) الذي حصن نفسه وجنده في أرض (وج).‏

وقرر الإمام ومجلس شورى المسلمين متابعة جهادهم حتى يتم القضاء على رأس الفساد في الحبشة، ‏فسار جيش المسلمين إلى أرض شوا وضموها إلى الممتلكات الإسلامية الصومالية، وقدم أهالي ورب ‏الجزية. ورغم غزارة الأمطار واشتداد العواصف ودعورة الطرق فإن الفرسان الصناديد من المسلمين تابعوا ‏مسيرهم دن أن يستقروا للراحة حتى وصلوا إلى مشارف أرض (وج) حيث خرج إليهم البطريق (وسن ‏سجد) على رأس جيش كبير، ومعه الملك وأربعون رجلا من الإفرنج يخططون لهم أساليب الهجوم ‏والدفاع ووسائل النجاح.

وعلى أية حال تقابل جيش المسلمين وجيش النصارى في (وج) ودارت ‏المعركة عدة ساعات وقام البطريق وسن سجد بمبارزة أمير صومالي هو الجراد عابد وقد سدد البطريق ‏طعنة قوية للأمير عابد حتى دخل السيف في يد الأمير الصومالي بعد أن كسر طوفه الأمامي فما كان من ‏الأمير الصومالي إلا أن ضربه ضربة مميتة على رأسه ثم أسقطه عن جواده..

فقال البطريق (لات تقتلني أن ‏وسن سجد) فصاح الجراد عابد (أيها المسلمون.. لقد سقط وسن سجد ) وصاح المسملون في الأحباش ‏أن وسن سجد وقد قتل.. فانهزموا وتقهقروا.. وقال البطريق وهو غريق في دمائه (لا.. لا.. أنا حي) ‏فأجهز عليه الجراد عابد فكان أن عاتبه الإمام فيما بعد قائلا له: (لم قتلته قبل أن أنظره وقد أعطيناه الأمان) ‏فأجاب الأمير الصومالي: قلت له (أريد أن أوصلك إلى الإمام ولكنه قال اقتلني في مكاني هذا.. وشتمني ‏وأهان شرفي فقتلته)..‏

وكان عدد الأسرى في هذه المعركة نحو ثلاثين بطريقا واستطاع شاب من عائلة متان أن يصرع أكثر ‏البطارقة تعصبا ضد الملمين وهو البرطيق قاسم الذي كان في الأصل مسلما ونصره الحطى وولاه على ‏التيجرى والعنقوت وقد تلى وفاة البطريق قاسم أن تحول كل اتباعه من كهان وجنود وغيرهم إلى الإسلام ‏جملة واحدة.‏

ويحدثنا شهاب الدين أحمد الملقب بعرب فقيه صاحب كتاب فتوح الحبشة عن معارك كثيرة وعن الأثر ‏الكبير الذي أحدثه قتل وسن سجد والبطريق قاسم، ويقول (إن فتح البلاد كان سهلا ودون مقاومة، وزاد ‏التحول غلى الإسلام بأعداد ضخمة ومن المدن التي دخلت الإسلام باجمعها جان زلق، ورقاله، ولال، ‏وبلادهواش، وطيعوا انطيط ومن أشهر البطارقة الذين أسلموا البطريق ولوويلي وجيز وقد حسن إسلامهم ‏.‏

 

الزحف الإسلامي نحو عاصمة الحبشة:‏

بعد أن انهزم الأحباش في أرض (وج) تمكن الملك من الهروب إلى بيت أمحرا وهي عاصمة الحبشة وأن ‏يجمع حوله مابقى من جنده وبحشدهم جميعا لحماية قاعدة الملك من أيدي المسلمين. وبعد أن قطع ‏الملك (لبناء دنجل) كل أمل في استرجاع الأراضي التي دخلتها الجيوش الإسلامية بعد أن تحول سكانها ‏إلى الإسلام، وأصبحوامن الدعاة له مثل مدينة أيونة التي أسلم أهلها دون مقاومة وأصبح بطريقها المدعو ‏اسلامومن من دعاة الإسلام المتحمسين.‏

وكانت أمحرا في ذلك الوقت عاصمة الحبشة ومركز الثقل فيها من الناحية السياسية والاقتصادية وبها ‏كنيسة أمحرا التي وضع أساسها والدا لملك لبناء دنجل وكان طولها مائة ذراع وعرضها مائة ذراع وارتفاعها ‏مائة وخمسين ذراعا، وكانت مبطنة بصفائح المذهب الخالص، ومرصعة بخصوص الجواهر واللؤلؤ ‏والمرجان كإنما هي متحف للنفائس والمجوهرات.‏

وقام لبناء دنجل بزيارة الكنيسة ومعه كبار رجال الحبشة وكبار القواد، وما أن دخلها حتى أخذ ينظر يمينا ‏وشمالا.. ثم بكى وبكى.. وقال لمرافقيه: (إن هؤلاء المسلمون يريدون حرق كنيسة أمحرا بعد أن حرقوا ‏الكثير من الكنائس، ولكن امحرا هي دار ملكي ودار الملوك المتقدمين) فقال له رجال حاشيته: (إن ‏المسلمين لا يصلون إلى هنا أبدا. ونحن نقاتل دونها حتى الموت).‏

وأمر الملك بترك فرق من الجنود البارعين بخير سلاح لحراسة أبواب الكنيسة، وأمر أن تحصى مدينة ‏أمحرا بكل أسباب القوة والمناعة، وخلال هذه الفترة التي يجري فيها الملك وقواد جيشه عمليات تحصين ‏أمحرا، وينادون بدعوة البلاد إلى الحرب المقدسة ضد المسلمين، كانت بلدة جن قد أعلنت إسلامها ‏وانضمامها إلى الفرق الإسلامية، كما انضم إلى قوات المسلمين البطريق وسن جان ومعه خمسمائة من ‏أهل الدرق الأبيض وأعلنوا إسلامهم جميعا وأنهم سيحاربون بجانب المسلمين لنصرة الرسالة المحمدية في ‏أرض الحبشة.‏

وكانت قوات المسلمين تزداد عددا يوما بعد يوم، وإيمانا برسالتهم فأمر الإمام في اليوم السادس عشر من ‏شهر ربيع الأول عام 938 هـ بأن يسير جيش المسلمين في طلب ملك الحبشة، وتحركت الجيوش ‏الإسلامية ودخلت معارك عديدة ضد جنود الملك الحبشي حتى إذا ما أحسن الملك بالهزيمة وخذلان ‏جنده، وانتصار المسلمين في كل معركة هرب للمرة الرابعة وحيدا شريدا متنقلا في الغابات والأحراش.. ‏وقد شوهد وهو يسير على أقدامه ومعه خمس حقائب على بغال في طريق وعر للغاية وهو ينهر البغال ‏للسير سريعا، وهو من خلفها حافي القدمين. وحينما دخل المسلمون أرض المعركة وجدوا خيمة الملك ‏في وسطها وذلك حينما دخل المسلمون أرض المعركة إذ وجدوا خيمة الملك في وسطها وهي فارغة ‏تماما ماعدا سريره وسلاحه وبعض ملابسه، فنادى الإمام في الجند بطلب السير غلى كنيسة أمحرا، واتجه ‏جيش المسلمين إلى لاكنيسة بعد هزيمة فرق الحرس.. ودخل الإمام ومعه كبار القواد من المسلمين إلى ‏صالة الكنيسة، ودهشوا جميعا مما شاهدوه من روعة المسلمين إلى صالة الكنيسة، ودهشوا جميعا مما ‏شاهدوه من روعة البناء وبدائع الصنع وجمال النقش ووفرة الكنوز، في الوقت الذي كانوا يرون فيه طبقات ‏الشعب الكادحة تعيش من اليد إلى الفم، والأمراض تنتشر بينهم بشكل مخيف، فلا طعام ولا كساء.‏

استدعى الإمام من كان معه من التجار المصريين والعرب وسألهم: هل رأوا مثل هذا في بلاد مصر أو الروم ‏أو الهند أو غيهرا ؟. فأجابوه: لا نظن ف الدنيا كلها مثل هذه الكنيسة.‏

وقام الجنود بحمل ما بها من كنوز ونزعوا جدرانها الذهبية ومحتوياتها الثمينة، وتحول أحد القصور ‏الضخمة الثلاثة التي كانت للملك إلى مسجد يسبح فيها بحمد الله، والقصر الثاني مقرا للإمام وكبار ‏المجاهدين، والقصر الثالث لرؤساء الفرق الإسلامية.‏

وكان من عادة ملوك الحبشة أن يرسلوا بأبنائهم إلى جبل العنبا القريب من أمحرا للحياة بعيدا عن الناس ‏وأن يتعلموا في كنيستها المرتفعة على قمة الجبل فإذا مات الملك أنزلوا من الجبل من يحل محله في ‏حكم البلاد، ولذا كان طابع ملوك الحبشة الجفاء، وغلاظة القلب، وشدة التعصب للمسيحية، والتعالي ‏على الشعب ليظهروا بمظهر الآلهة العظام، ووكلاء الرب في توزيع الرزق على العباد.‏

وحينما عرف الإمام بهذه العادة، أرسل خيرة قواده، وهو القائد الصومالي الذي حقق انتصارات إسلامية ‏كبيرة في أرض الحبشة، وذلك هو البطل القائد الجراد متان صهر الإمام أحمد، على أن يقوم على رأس ‏جيش إلى جبل العنبا ويحضر أولاد الملك إلى مقر الإمام أحمد.‏

وكان احتلال جبل العنبا من المسائل الصعبة فلا توجد طرق معبدة للصعود إلى الجبل لأنه وعر، شديد ‏الانحدار، فاضطر القائد الجرادمتان أن يتجه ناحية الشرق من الجبل رغم أنه طريق ضيق لا يتسع إلا لفرد ‏واحد دون آخر وهكذا سار الجيش على صورة طابور مفرد وسار الجراد في هذا الطريق على رأس الجند ‏وانتهزت الحامية الحبشية الموجودة في أعلى الجبل الفرصة السانحة وأخذوا يلقون بالحجار الصغيرة ‏والكبيرة وزادت حركة المفتتات الصخرية والانهيارات الشديدة حتى استشهدت الفرقة كلها وقائدها البطل ‏في 24/ ربيع الآخر عام 938 هجرية.‏

وأراد الإمام أن يعاقب الجنود الذين تراجعوا عن متابعة الجراد في صعوده إلى الجبل، غير أن العلماء ‏والشيوخ تدخلواف ي الأمر لعلمهم أنه من الصعب فتح جبل العنبا، وحتى إذا فتح الحصن فلن يكون ‏هناك إلا أبناء الملك.. فخضع الإمام لمشورة الفقهاء والعلماء وعفا عن الجنود كما عدل عن فكرة القيام ‏بحملة واسعة لفتح حصن جبل العنبا.‏

یستمر...

المصدر: الصومال قديماً وحديثاً، تأليف حمدي السيد سالم