سيرة الإمام أحمد جرى وفتوح الحبشة(3)

  • رقم الخبر 2251
  • المصدر: کتاب «الصومال قديماً وحديثاً»

المخلص بعد أن تحطمت القوى الحبشية في أمحرا عاصمة الحبشة، وأحرقت كنائسها ومدنها عادت الجيوش ‏الإسلامية إلى هرر لتوزيع الغنائم على المسلمين من ذهبوفضة وتحف وجواهر وللعمل على تعمير البلاد ‏فيالمجال العمراني والزراعي وغيره من ضروب الاقتصاد والاجتماع.‏


عودة الجيوش الإسلامية المنتصرة إلى هرر:‏

بعد أن تحطمت القوى الحبشية في أمحرا عاصمة الحبشة، وأحرقت كنائسها ومدنها عادت الجيوش ‏الإسلامية إلى هرر لتوزيع الغنائم على المسلمين من ذهبوفضة وتحف وجواهر وللعمل على تعمير البلاد ‏فيالمجال العمراني والزراعي وغيره من ضروب الاقتصاد والاجتماع.‏

وخلال سير الجنود في أرض فطجار طلب الوزير عدولي من الإمام أن يقوم الجيش باستعراض عام في ‏أرض الفطجار لمعرفة متطلباته وتنفيذها عقب الوصول إلى هرر، فاستجاب الإمام لطلب الوزير وخاصة ‏أنهم في أواسط أرض الحبشة، وقد آل إليهم أكثر من نصف الأراضي الحبشية، وعليهم جواسيس كثيرةمن ‏الأجانب، فكان لا بد من تنظيم أمور الجيش وشئون البلاد الإسلامية الجديدة التي دخلت الإسلام، ووضع ‏قوات حامية في هذه البلاد التي دخلت في الإسلام لحمايتها.‏

ولقد قام القواد المسلمون بتنظيم وحدات الجيش الإسلامي في أرض الحبشة على الصورة التالية: قوة أولى ‏‏: وهي بمثابة قوى الطلائع والهجوم، وتتألف من العناصر الصومالية الخالصة، وهي أكثرها عددا وأعظمها ‏قوة.‏

قوة ثانية: وتتكون من مواطني الفطجار والماية وشوا وغيرهم من العناصر الصومالية والعربية والجالا ومن ‏الأحباش الذين دخلوا الإسلام.‏

الرياسة الأولى: على رأسها قوة الإمام أحمد، وهي من خمسة آلاف فارس يلبسون الدروع.‏

الرياسة الثانية: على رأسها الوزير عدولي وهي من ثلاثة آلاف فارس يلبسون الدروع.‏

رؤساء الفرق الإسلامية: وهم من الأمراء المسملين وعددهم خمسون أميرا.. ويتقدم كل فرقة إسلامية ‏رأيتها (شعارها)، ويتبع كل أمير خمسون وحدة إسلامية محاربة.‏

وفي نهاية العرض عشرون ألفا من أصحاب التروس، وثلاثة آلاف فارس يلبسون عدة الحرب، ومن أهل ‏العصى الغليظة نحو عشرين ألفا.‏

وبعد أن وصف المؤرخ (عرب فقيه) مواضع الجند وقلاعهم، قال أن الإمام سر من القوى الإسلامية النامية ‏بشكل مثير، وقام بتوزيع الغنائم على الجند، وحثهم على العمل الصالح في كل خطوة من أجل وطنهم ‏ودينهم الحنيف.. وأمر بتوزيع بعض القوى على المدن التي دخلت الإسلام حديثا لحمياتها من هجمات ‏الأعداء.‏

وبعد الاستعراض والتنظيم عاد المسلمون إلى هرر، وابتهجت المدينة، وأقيمت الأفراح، وأتى المسلمون ‏الصوماليون من كل مكان ليهنئوا الأبطال الصناديد المدافعين عن الوطن والدين، وزاد عدد المدارس ‏والمساجد ما جعل هرر تتزعم الحركة التعليمية والدينية في شرق أفريقيا بلا منازع، وكذا الوافدين إليها من ‏العلماء والأدباء والشيوخ وطلاب العلم، وأصبح التعليم للجميع بعد أن كان حكرا لرجال الدين وتعليم ‏التلاميذ مبادئ الحساب والعلوم، وأصبحت العربية لغة التعليم وقدم معلمون من الحجاز ومصر واليمن ‏لنشر اللغة والدين بين أبناء الأمة وظهرت المصاحف المصرية في الأسواق بعدد السكان وبدأ تدريس ‏التاريخ والأحداث بجانب علم الفقه والسيرة والتشريع مما جعل هرر كعبة للمخطوطات والمدونات التي ‏ليس لها مثيل في شرق أفريقيا كلها.‏

ولكثرة العملات الذهبية والفضية في يد الجنود والمسلمين عامة ارتفع سعر الحاجيات وأصبحت ‏الكماليات ضروريات فوردت الصناعات المصرية والإسلامية وخاصة تلك التي يظهر فهيا الفن الإسلامي ‏وفد ضرب لنا عرب فقيه راوي سيرة الإمام (أنه من كثرة النفوذ أصبح البغل الواحد يساوي أربعين أوقية ‏من الذهب بعد أن كان ثمنه منذ عامين لا يصل إلى ربع الأوقية الواحدة).‏

 

حرب المرتدين:‏

بعد أن استقرت الأحوال في أكثر من نصف الحبشة، وبدأ المسلمون في تنظيم أمور دولتهم في هرر، ‏وإرسال البعوث إلى كافة اتجاه الصومال لإدماج القوى الصومالية في دين الله الحنيف، والعمل الجماعي ‏من أجل الوطن. وبعد هذا كله وزردت أبناء بأن أهل (وج) و (رب) قد ارتدوا عن الإسلام، وأن الملك ‏الحبشي توجه بقواته إلى إمارة (أوفات) المسلمة ناحية زيلع للقيام بنثورة ضد الإمام وجنده وامتدت الفتن ‏إلىب قاع مختلفة من صنع عملاء الملك الحبشي.‏

فاجتمع الإمام بقواد الجيوش، وعرض عليهم الحالة الثورية التي يديرها الملك وأعوانه، وضرورة قيام ‏وحدة عسكرية بصفة دائمة في إمارة أوقات المسلمة لمنع تسلل جنود النصارى ناحية شمال الصومال. غير ‏أن مجلش الشورى من قواد الإمام عبروا عن وجهة نظرهم بأن يكون الاتجاه نحو تدعيم أركان الإسلام في ‏المنطقة المحصورة من أعالي نهر شبيلي ونهر هواش، وكذلك في مناطق (بالي) (الجينز) و (وج) بترك ‏حاميات صغيرة مع فريق من الشيوخ والدعاة إلى الإسلام.‏

فأصدر الإمام تعليماته على الوجه التالي: 1- إعداد جيش برياسة القائد عبدالناصر إلى أرض جينز ولبقائهم ‏حتى يعلنوا إسلامهم أو يدفعوا الجزية. 2- إعداد جيش برياسة القائد الوزير مجاهد إلى أرض وج ‏وجيرجي وأن يقاتلهم، ولا يخشى شيئا، ويتبعه الإمام على رأس جيش قوي. 3- إعداد جيش برياسة ‏القائد الوزير المجاهد إلى أرض (وج) و (جيرجي).‏

وتحركت الجيوش الإسلامية نحو أهدافها لتحقيق رسالتها السامية. وتقدم شعب (وج) و(جيرجي) بدون ‏مقاومة إلىق ائد قوات المسلمين بإعلانهم الطاعة ودفع الجزية وأشهر بطريقهم إسلامه كما أسلم ابنه ومن ‏معه من الأتباع وتقدم أهل جائر إلى الوزير عدولي والأمير حسين وأعلنوا إسلامهم كما أن القائد يعقيم ‏الصومالي هزم أهل (ورب) وفرض الجزية على سكانها.‏

وحدث أن جاء صاحب هدية (إمارة هدية الإسلامية) وهو مسلم وكان عليه أن يدفع جزية سنوية لملك ‏الحبشة بالإضافة إلى تقديمه بنتا بكرا جميلة تكون محظية للملك بعد أن ينصرها. ولما دخل صاحب ‏هدية إلى أرض جيرجي ومعه جنده تقدم إلى الإمام قائلا له: (أنا مسلم وأنتم مسلمون).. وكان هذا كفيلا ‏بالأمان له، وقد رحب به الإمام وأكرمه في دار الضيافة وطلب الإمام من صاحب هدية أن يصف حالهم في ‏إيجاز، وما كانوا يفعلون.. قال صاحب هدية: (إنه حكم على آبائنا الأولين وحكم علينا ألا نلبس عدة ‏الحرب ولا نمسك السيف ولا نركب الخيل بالسروج وحكم أن نصطفى له بنتا كل عام، وكنات نفعل ‏ذلك مخافة أن يقتلنا ويخرب مساجدنا، وكنا إذا جاء الذي يريد أخذ البنت غسلناها وكفناها بثوب، ‏وحسبنا أنها ميتة وأعطيناه إياها، فكما وجدنا آبائنا يفعلون ذلك فعلنا، والآن أتانا الله بكم وقد هزمتم الذي ‏يحكم علينا وقتلتم جيشوه فنحن نجاهد معكم). وتأثر الإمام من حالهم وقال له: (ديننا الحنيف لا يسمح ‏بهذا، فنحن أخوة، وقد سوى الدين بيننا، ومنع السخرة والاستعباد، وجعل الحرية شعارنا، وهو بإذن الله ‏ناصرنا على القوم الفاسدين).‏

وفي ذلك الوقت أيضا وصلت الأنباء أن الوزير عدولي بجد مقاومة شديدة في أرض (بالي) لمتانة ‏تحصينها، وكثرة الحباش فيها بالإضافة إلى قوات الملك الحبشي الذي استنجد به صاحب بالي، فأمر ‏الإمام أن يتحرك القائد عبدالناصر وجنوده، وأن يكون اتجاههم جميعا نحو أرض بالي ومساعدة الوزير ‏عدولي في نشر الإسلام بها كما عين الإمام الدليل إلى غزو أرض (بالي) وهو أن يصطحبوا معهم (صبر ‏الدين) البطريق سابقا الذي أشهر إسلامه حتى يرشدهم إلى أقصر الطرق وأنجع الوسائل إلى غزو أرض ‏‏(بالي) بأقل خسائر في الأرواح.‏

وصلت الجيوش الإسلامية السابقة إلى مشارف أرض (بالي) وانضمت إلى قوى الوزير عدولي وبعثوا ‏برسالة إلى بطريق بالي ينصحونه بالتسلمي والدخول في الإسلام أو دفع الجزية.. ولكنه رفض كلا الأمرين ‏، فكانت المعارك الحامية في بلدة (زله) حيث قتل البطريق وفر الأحباش إلى خارج البلاد يطلبون الحياة ‏في الغابات والأحراش، كما كانوا يعيشون منذ غابر العصور، وقد تبعهم جيوش المسلمين وقتل من ‏الأحباش الآلاف.‏

والجدير بالذكر ان المرأة الصومالية المسلمة لعبت أكبر دور في هذه المعارك فكانت تقوم بعمليات ‏الإسعاف للجنود المسلمين في صفوف القتال وقد قمن بأسر عدد كبير من الأحباش.‏

وقد بلغ عدد من قتل من الرهبان والبطارقة نحو مائة وأسر نحو مائتين، وما أن بلغ الإمام هذا الانتصار ‏العظيم لقوى المسلمين وانتشار الإسلام في هذه البلاد حتى خرج إلى الخلاء، وصلى ركعتين شكرا لله ‏كعادته في كل انتصار للمسلمين على قوى البطش والطغيان والمستبدين من النصارى.‏

وأمر الإمام بان تقام الأفراح وتدق الطبول ابتهاجا بانتصار الجيوش الإسلامية على أرض (بالي) وانتشار ‏الإسلام في ربوعها، وكان ذلك في يوم الحج الأكبر لعام 938 هجرية وبذلك ظهر نور الإسلام وانتشر في ‏بلاد (دوارو) و(بالي) و(هدية) و(جينز) و (وج) و(رب) و(فطجار) و (أوفات) وما حولها – أي البلاد ‏الجنوبية والشرقية للحبشة – بمقدار ثلثي الحبشة، وقد هزم الإمام وقواد الجيوش الإسلامية على متابعة ‏الفتح الإسلامي حتى يصل الإسلام إلى أرض السودان وبلاد النوبة وبذلك تتكون الكتلة الإسلامية الكبرى ‏في أفريقيا لدول شرق أفريقيا الإسلامية تمهيدا للأجيال القادمة لاستكمال الدعوة في كافة ربوع القارة ‏الإفريقية.‏

والحقيقة التاريخية الصادقة أنه كان من المرجح وجود هذه الكتلة الإسلامية الضخمة لتشمل كل حوض ‏النيل وشرق أفريقيا وخاصة بعد انتشار الإسلام في شبه جزيرة الصومال وثلثي الحبشة من ناحية وامتداد ‏الإسلام من مصر إلى لاسودان،ولكن الظروف كما سنرى غيرت مجرى الأحداث.‏

الزحف الإسلامي الاثني نحو عاصمة الحبشة

قام الجيش الإسلامي بقيادة الإمام أحمد بالغزو الثاني لعاصمة الحبشة لتدعيم الإسلام بها وفتح الممالك ‏الشمالية الغربية للحبشة، وكان هناك رأى يراه الإمام أحمد وهو أن تكون هناك فترة راحة لمدة عام ثم ‏مواصلة الحرب، غير ان مجلس الشورى من القواد وافق على رأي عبدالناصر والوزير عدولي والوزير ‏مجاهد على متابعة الحرب. فوافق الإمام على رأي مجلس الشورى ووصلت الجيوش الإسلامية إلى بيت ‏أمحرا بعد انتصارها على القوات الحبشية في عدة معارك وكانا لملك الحبشي قد حشد جيوش التيجرى ‏كلها حول حصن العنبا الذي سبق أن ذكرناه في الفتح الأول.‏

وقامت معارك طويلة بين المسلمين والنصارى عند قاعدة جبل العنبا وقد دامت نحو شهرين كاملين فتح ‏المسلمون خلالها الحصن الأول عند قاعدة الجبل، غير أن الحصن الثاني كان على ارتفاع كبير من الحبل ‏وهو شديد التحصين، وقد استعمل النصارى الأحجار والصخور الضخمة التي انهارت فوق الجنود بكثرة ‏فاستشهد عدد كبير من المسلمين.‏

وكانت القوات الحبشية تستخدم الأسلحة الحديثة الضخمة والبنادق التي وصلتهم من القوى البحرية ‏البرتغالية التي قدمت إلىمياه خليج عدن لمد الأحباش بالسلاح والاشتراك معهم في القضاء على القوى ‏الإسلامية الضاربة في أرض الحبشة والقضاء على القوى الإسلامية العربية لامسيطرة على تجارة شرق ‏أفريقيا والبحر الأحمر وتجارة الهند بصفة عامة.‏

فاضطر الإمام أن يبعث بوفد صومالي إلى اليمن وزيلع لمقابلة أمراء المسلمين والحاكم العثماني على اليمن ‏، والاستنجاد بهم ضد نصارى الحبشة وصلاح البرتغاليين الذي وصل إلى أرض التيجرى.‏

وعاد الوفد ومعه قافلة من الجمال تحمل الأسلحة الحديثة من بنادق ورصاص ومدافع صغيرة وكبيرة، ‏ونظرا لصعوبة المواصلات قام الجنود المسلمون بحمل الأسلحة من جندبله حتى أمحرا، ونصبت المدافع ‏على الهضبة ووزعت البنادق على الجنود وأرادوا غزو الحصن الثاني لجبل العنبا غير أن فرق الاستكشاف ‏والطلائع أبلغت الإمام أن الملك وجنوده قد ارتحلوا إلى قراره، وفي أرض أرعده سمع الإمام من مسلمي ‏بلاد التيجري من قبيلة بلوان أن الأحباش مجتمعون في قرقاره فأمر الإمام بأن يتحرك المسلمون إلى أرض ‏التيجرى لفتح قرفاره على أن يسيروا في طريقين ليتجمعوا جملة واحدة على مشارف قرقاره ودارت ‏معارك بين الطرفين أسفرت عن فناء أكثر الأحباش على سهول قرقاره وغنم المسلمون غنائم لا تحصى ‏مما دعا الملك (لبناء دنج) أن يتجه إلى أكسوم عاصمة الملك، حيث قام فيها ليحشد كل قواه، وجمع ‏كافة البطارقة الأحباء ودخل بهم كنيسة أكسوم، وأخرج الصنم الأكبر من الكنيسة، وهو من الحجر الأبيض ‏المرصع بالذهب والجواهر الثمينة، واتجه الصنم الأكبر إلى حصن تابر خشية أني قع في يد المسلمين ‏الذين حرقوا كنيسة أمحرا في الفتح الأول. ولم يستقر الملك كثيرا في أكسوم إذ أن القوات الإسلامية ‏دخلت المدينة ومعه الصنم الأكبر إلى أرض مزجه.‏

وصول الصوماليين إلى بلاد النوبة

أثناء القتال بين الصوماليين المسلمين والأحباش في أكسوم وصلت أخبار عن أحوال المسلمين في أرض ‏النوبة (جنوب مصر) بأنهم يعاونون من قسوة الأحباش، كما وصلت رسالة من أمير مزجة ويدعى مكنز ‏وهو مسلم من أهل النوبة – يقول في رسالته (أدركني قبل أن يقتلوني) فنادى الإمام على الجنود المسلمين ‏إلى أرض مزجة لنصرة سلطانها مكنز المسلم، وحماية إخواننا النوبيين من الأحباش.‏

أسرع الفريق الأول من المسلمين برياسة الإمام أحمد إلى أرض مزجة، فقد وردت الأنباء أن الملك لبناء ‏دنجل قد اتجه إليها، وخلال سير السملمين تقابلوا مع قوات حبشية كانت في طريقها إلى أكسوم لمساعدة ‏الملك الحبشي غير أن قوات المسلمين إبادتهم جميعا وتابعت سيهرا حتى أشرفوا على أرض مزجة وقد ‏خرج السلطان رغم ما كان يعانيه من آلام المرض، على رأس جيش من خمسة عشر ألف مقاتل من أهل ‏النوبة البواسل، وتعانق الصومالي والنوبي والمصري على أرض النوبة للعمل من أجل نشر الدعوة الإسلامية ‏وحماية أراضي المسلمين ومكث الإمام وجنوده عشرة أيام في ضيافة سلطان مزجة.. وكان (لبناء دنجل) ‏ملك الحبشة قد ترك مزجة بعد أن وصلها الإمام أحمد واتجه إلي لأرض قجام، فسار الإمام والجنود ‏المسلمون إلى أرض التيجري فدخلها ولكنها كانت في رعب وفزع ومجاعة مخيفة وأمراض فتاكة، وانتشر ‏الدمار بين سكانها حتى أن الجيوش الإسلامية قد تأثرت كثيرا من انتشار الطاعون بين أفرادها وكثرة ‏الوفيات لسوء الصحة والتغذية. ويقول عرب فقيه: (دخلت الجيوش الإسلامية إلى أرض التيجرى، وكان ‏مع كل مسلم خمسون بغلا محملا بالغنائم الثمينة وحينما غادر المسلمون أرض التيجري لم يكن مع كل ‏مسلم إلا بغل واحد أو بغلان على الأكثر).‏

أما الفريق الثاني من جيوش المسلمين فكان تحت قيادة الوزير عباس الذي دخل أرض السراوي بعد أن ‏استنجد بفرقة إسلامية من الجيوش المسلمة المرابطة في أرض التيجري بقيادة الوزير عدولي، وكان ‏للوزيرين أثر كبير في تحويل أهل السراوي كلهم إلى الإسلام.‏

واستمر الوزير عدولي في كفاح عنيف مع البطريق تسفولو الذي يدافع عن حصن السراوي وقد تمكن ‏البطريق أن يسحب المسلمين إلى مكان كثيف النبات والغابات بين جبلين عظيمين ولا يتسع الطريق به إلا ‏لمرور فارس واحد يتبعه الآخر.. وهكذا يمتد الوزير عدولي وفرقة من المسلمين على طول الطريق خلف ‏البطريق وجنوده.. وفي الثلث الأخير منالطريق رمى أحد النصارى بسهم مسموم من أعلى الجبل فأصاب ‏الوزير عدولي في باطن الوادي، فتراجع المسلمون وأخذ النصارى رأس الوزير عدولي وبعثوا بها إلى ‏الملك الجديد جلاديوس.‏

علم الإمام أحمد بما جرى في أرض السراوي فبكى بكاء شديدا على وفاة الأمير عدولي الذي قاد ‏المسلمين في معارك كثيرة نحو النصروله الفضل في حالات كثيرة من التحول غلى الإسلام كما أنه زميله ‏الذي اعتاده والده ليكون أخا له في كفاح الحياة.‏

وقد دق الأحباش الطبول ثمانية أيام وأمرهم الملك باللهو والمرح وشرب الخمر ثمانية أيام نخب الانتصار ‏على الوزير عدولي وجنوده البواسل..‏

 

ولم يدم فرح النصارى إذ بعث الإمام بالوزير عباس إلى أرض السراوي وانتصر على قوات البطريق ‏‏(تسفولو) وأرسل رأسه إلى الإمام مع رؤوس أولاده وقواده جميعا، أخذا بالثأر ففرح الإمام بالنصر.‏

 

العودة ونهاية السيرة الخالدة للإمام أحمد جرى:‏

وجد الإمام أحمد جرى أن قوات المسلمين تعاني أزمات حادة في بلاد التيجري وقد كثرت الوفيات بين ‏الجنود بسبب الطاعون فقرر العودة إلى أرض بقى مدر لكثرة واعتدال جوها، فاتجه أولا إلى مزجة ومكث ‏بها شهر رمضان المعظم لعام 941 هجرية ثم ارتحل إلى أرض بقي مدر واستقر الجنود بها وبدأ العمران ‏للمساجد والمدن وأقام الإمام عدة مشروعات زراعية بهدف التشجيع على الاستيطان وفلاحة الأرض. ‏واستمر الإمام محتفظا بالقوى الإسلامية كقوى مسيطرة على ثلثي الحبشة نحو عشر سنوات.‏

وحوالي عام 1551 كان الإمام يعاني من الحزن الشديد لوفاة الوزير المقدام والصديق المجاهد عدولي ومن ‏قبله الوزير القائد الجراد عبدالناصر وامرأته المسلمة المجاهدة بلقيسة ووفاة ابنه المجاهد محمد ووفاة ‏زوجته دلونبرة.. وفي الوقت نفسه كان الإمام أيضا متخوفا من علاقته بحلفائه العثمانيين يخشى أن يتحول ‏إلى حرب معهم بعد الحرب مع الأحباش ولذا انتهز فرصة انتصاراته على النصارى الأحباش وموت الملك ‏القاسي لبناء دنجل وقطع علاقته مع مسلمي اليمن والعثمانيين معا، وفي هذا الوقت أرسلت البرتغال قوة ‏عسكرية مؤلفة من 450 جنديا بالسلاح الحديث لمناصرة وتأييد مطالب الملك الحبشي جلاديوس. فكان ‏حصار بحري من نصارى البرتغال وكان حصار بري من نصارى الحبشة بالإضافة إلى الأزمات الداخلية التي ‏كان يعانيها الإمام أحمد مما أضعف من قوته الحربية، ومع هذا قام بعدة معارك انتهت بأن أطلق عليه ألف ‏طلقة نارية ذهبت فيها روحه الطاهرة إلى ربها في عام 1553 م وقد استطاع ابن أخته الأمير نور الدين الذي ‏تولى حكم هرر والذي سماه الصوماليون (صاحب الفتح الثاني) أن يقتل الملك جلاديوس الحبشي سنة ‏‏1559 وأخذ بثأر الإمام أحمد الذي سجل على الأرض أروع سيرة إنسانية لدعاة الإسلام في القرن السادس ‏عشر.‏

وقد ذكر كتاب فتوح الحبشة أن الإمام أحمد قام بحروبه في الحبشة ثلاثة عشر عاما من 937 إلى 950 ‏هجرية الموافق 1540 إلى 1553 ميلادية.‏

 

المصدر: الصومال قديماً وحديثاً، تأليف حمدي السيد سالم