الدولة الفاطمية(الجزءالثانی)

  • رقم الخبر 2302
  • المصدر: ويكيبيديا الموسوعة الحرة

المخلص انفجر الصراع بين الأغالبة والدَّاعي أبي عبد الله بسبب موقف حاكم مدينة ميلة من الدعوة الإسماعيليَّة في أرض كتامة. وكانت ميلة تحت حُكم موسى بن عيَّاش الذي اشتهر بعدائه لأبي عبد الله الشيعي، خشيةً على مركزه، وشارك في جميع المؤامرات التي حاكها الأغالبة للتخلُّص منه.


قيام الدولة

انفجر الصراع بين الأغالبة والدَّاعي أبي عبد الله بسبب موقف حاكم مدينة ميلة من الدعوة الإسماعيليَّة في أرض كتامة. وكانت ميلة تحت حُكم موسى بن عيَّاش الذي اشتهر بعدائه لأبي عبد الله الشيعي، خشيةً على مركزه، وشارك في جميع المؤامرات التي حاكها الأغالبة للتخلُّص منه. وكانت ميلة المذكورة تُشكِّلُ مركزًا عربيًّا في قلب بلاد كتامة البربريَّة،[48] وكانت الأُسر الحاكمة العربيَّة في المغرب تُوالي السُلطة المركزيَّة في بغداد،[49] لذلك كانت أوَّل عائق أمام انطلاق الدعوة إلى الخارج، ولا بُدَّ من تذليلها، فشنَّ عليها الداعي حربًا وانتصر على حاميتها العسكريَّة، ودخلها خلال شهر ذي القعدة من سنة 289هـ، المُوافق فيه شهر تشرين الأوَّل (أكتوبر) سنة 902م، وولّى عليها أبا يُوسُف ماكنون بن ضُبارة الأجاني. وهكذا سقطت أوَّل مدينة أغلبيَّة مُحصَّنة في يد الدَّاعي.

لكن سُرعان ما استعادها الأغالبة مُجددًا، بعد أن هزموا جيش الدَّاعي في بلدة «ملوسة».[50] وخلال شهر رجب سنة 290هـ المُوافق فيه شهر حُزيران (يونيو) 903م، اشتبك الأغالبة مع الإسماعيليين في معركةٍ قاسية حالف النصر فيها أبا عبدُ الله، وتراجع الجيش الأغلبيّ بعد الهزيمة إلى سطيف، وفي أوائل سنة 291هـ، المُوافقة لأواخر سنة 903م، استأنف الدَّاعي عمليَّاته العسكريَّة، فاستولى على سطيف، وهي أقرب مدينة مُحصَّنة من إيكجان بعد ميلة، وكانت مدينةً مُعرقلةً لتحرُّكاته العسكريَّة، وتُمثِّلُ قاعدةً لقوَّات العدو.[51] وفي آخر شهر ذي الحجَّة سنة 293هـ، المُوافق فيه شهر تشرين الأوَّل (أكتوبر) سنة 906م، استولى أبو عبد الله على مدينة «طُبنة» في طرف إفريقية، وهي قاعدة نهر الزَّاب الكبير، وإحدى أكبر وأغنى المُدن الأغلبيَّة بعد القيروان، وعيَّن عليها عاملًا شيعيًّا هو يحيى بن سُليمان، كما فتح بلزمة.[52]

وبسقوط هاتين المدينتين، نجح الإسماعيليّون في فتح ثغرة في الحُصون الغربيَّة التي تحمي إفريقية، ولم يبقَ منها سوى حصن باغاية في أقصى إفريقية بين مجَّانة وقسنطينة،[53] الذي يؤدي إلى داخل البلاد، ولا بُدَّ من مُهاجمته. وفي سنة 296هـ المُوافقة لِسنة 908م، هاجم الدَّاعي وجُنوده وأتباعه الحصن المذكور واستولوا عليه، ثُمَّ تحرَّكوا قاصدين الأربس وهزموا الجيش الأغلبيّ هزيمةً قاصمة ودخلوا المدينة عنوةً، فاستولى الهلع على أمير إفريقية أبو مُضر زيادة الله الثالث وكِبار رجال دولته وأصحاب الدواوين والموالي والعبيد، فانسحبوا إلى القيروان وسوسة وبعض المُدن الأُخرى.[54] ولمَّا وصلت أخبار هروب زيادة الله الثالث، وما حصل في دولته من الفوضى، إلى مسامع أبي عبد الله الشيعي، تحرَّك بسُرعةٍ باتجاه القيروان ورقَّادة واستولى عليهما، وأبطل ذِكر اسم الخليفة العبَّاسي في خِطبة الجُمعة. وبهذا زالت الدولة الأغلبيَّة وبالتالي سُلطة العبَّاسيين الإسميَّة والفعليَّة عن هذه البلاد، ودخلت إفريقية في مرحلةٍ جديدةٍ من تاريخها.[55]

نجح الدَّاعي أبو عبد الله بالقضاء على دولة الأغالبة في إفريقية سنة 296هـ الموافقة لِسنة 908م، بعد حربٍ شديدة دامت خمس سنوات.[56] ثُمَّ التفت بعد هذا النجاح إلى العمل على إصلاح النظام السياسي في إفريقية بعد الفوضى التي نجمت عن إنهيار الدولة الأغلبيَّة، فحرص على إقامة نظامٍ جديدٍ وإضفاء الصبغة الشيعيَّة على مؤسسات الدولة الجديدة، وتركيز السُلطة في يده. فأمَّن الناس على حياتهم وأرزاقهم ومُمتلكاتهم، وأقرَّ عدَّة إجراءات لتهدئة وتأمين كُل خائفٍ كان يتولّى منصبًا في الدولة الأغلبيَّة، فاطمأنَّ إليه الكثير من الرجال ودخلوا في خدمته، وأوصى دُعاته الكتاميين أن لا يُكرهون أهل السُنَّة على التشيُّع، وأن يستعملوا معهم الإقناع عوض ذلك، وكان يُردد قولهُ المعروف: «إنَّ دَوْلَتُنَا دَوْلَةُ حُجَّةٍ وَبَيَانٍ، وَلَيْسَتْ دَوْلَةَ قَهْرٍ واستِطَالَةٍ، فَاتْرُكُوا النَّاسَ عَلَى مَذَاْهِبِهِم، وَلَا تُلْزِمُوْهُم بِاتِّبَاعِ الدَّعْوَةِ الهَادِيَةِ المَهْدِيَّة».[57]

وعاش حياةً مُتواضعةً بعيدةً عن أُبَّهة المُلك، فشعر النَّاسُ أنه قريبٌ منهم، وأضاف عدَّة علامات عقائديَّة شيعيَّة على نمط الحياة اليوميَّة، فأمر بأن تتضمَّن خِطبة الجُمعة الصَّلاة على الرسول مُحمَّد وعلى آله وعلى أميرُ المؤمنين عليّ بن أبي طالب وولداه الحسن والحُسين، وزوجته فاطمة الزهراء، وأن يُزاد في الآذان عِبارة «حيَّ على خيرِ العمل».[58] وأنفذ أبو عبد الله الدَّاعي الرُسل إلى سلميَّة، يُخبرُ الإمام المستور (عُبيد الله المهدي) بما فُتح من المُدن والأقاليم، ويدعوه للحُضور إلى إفريقية. وفي الأساس، حدثت عدَّة تطوُّراتٍ سياسيَّةٍ خِلال تلك الفترة دفعت الإمام عُبيد الله المهدي إلى مُغادرة مركز الدعوة في سلميَّة(5)، فخرج في شهر رجب سنة 289هـ المُوافق فيه شهر حُزيران (يونيو) سنة 902م مُصطحبًا معه القائم وعددٌ من أتباعه، ويمَّم وجهه صوب المغرب.[58]

ولمَّا وصلت هذه الجماعة إلى سجلماسة أقامت في ضيافة واليها حينًا من الزمن قبل أن يُلقي القبض عليها بعد أن اكتشف أمرها.[51] وفي يوم الخميس 15 رمضان سنة 296هـ المُوافق فيه 7 حُزيران (يونيو) سنة 909م، خرج الدَّاعي أبو عبد الله على رأس جيشٍ كبيرٍ لاستقدام عُبيد الله المهدي وتنصيبه على العرش، ففتح بطريقه تاهرت وقضى على الإمارة الرُستميَّة، ثُمَّ تابع زحفه ووصل إلى سجلماسة يوم السبت في 6 ذو الحجَّة المُوافق فيه 6 آب (أغسطس) من السنة سالِفة الذِكر.[59]

اشتبك الجيش الإسماعيلي مع قوَّات والي سجلماسة وأنزل بها هزيمةً فادحة، وفي اليوم التالي دخل الدَّاعي المدينة وأطلق سراح المهدي ورجاله.[60] مكث عُبيد الله المهدي مُدَّة أربعين يومًا في سجلماسة،[61] توجَّه بعدها إلى إيكجان وأقام فيها. ثُمَّ خرج من إيكجان إلى رقَّادة فوصلها يوم الخميس 20 ربيع الآخر سنة 297هـ المُوافق فيه 6 كانون الثاني (يناير) سنة 910م، واستقرَّ في قصر الصحن الذي كان الدَّاعي قد أقام به من قبل، وذُكر اسمه على المنابر يوم الجُمعة، وتلقَّب «بالمهدي أمير المؤمنين»، وأبطل ذِكر اسم الخليفة العبَّاسي في الخِطبة.[62] وهكذا نجح الشيعة الإسماعيليّون في إقامة دولتهم في شمالي أفريقيا بأقسامها الثلاثة: طرابلس الغرب وإفريقية والزَّاب.

 

التوسّع والفُتوحات

بعد أن استقرَّت أمور الفاطميين في إفريقية، أرادوا توسيع دولتهم لتضمَّ المغرب الأقصى (مُرَّاكش)، وقد تمكنوا من بسط سيطرتهم على معظم أنحائه بعد نزاعٍ مع حكَّامه الأدارسة، إذ تمكن القائد الفاطمي «موسى بن أبي العافية» من هزيمتهم سنة 312هـ. وقد تمرَّد بن أبي عافية على الفاطميّين بعد فتح المغرب، وحوَّل ولاءه إلى عبدُ الرحمٰن الناصر لدين الله أمير الأندلس الأمويّ، لكن عُبيد الله المهدي أرسل ابنه «أبا القاسم» سنة 315هـ فتمكَّن هذا الأخير من استعادة سيطرة الفاطميّين على المغرب.[63]

اضطرَُ الفاطميون لاحقاً لخوض حروبٍ كثيرة مع الخوارج بالمغرب، فقد ثار عليهم خارجيٌّ يدعى «أبا زيد» انتشرت ثورته انتشارًا كبيرًا، وتوفيَّ خلال أيام هذه الثورة عبيد الله، فورث عنه حكم دولة الفاطميين ابنه أبو القاسم مُحمَّد القائم بأمر الله، واستمرَّ بمحاربة الخوارج، لكنه توفي سنة 334هـ دون تمكِّنه من هزيمتهم. فخلفه ابنه المنصور بالله[63] الذي تمكَّن أخيرًا من القضاء على ثورة أبي يزيد في سنة 336هـ،[64] وأسَّس مدينة «المنصوريَّة» بإفريقية ليجعلها عاصمة الفاطميين. توفي الخليفة المنصور سنة 341هـ، فخلفه ابنه المعز لدين الله، رابع الخلفاء الفاطميّين وأحد أهم حُكاَّم الدولة الفاطمية.[63]

خريطة توضِّح مسار الفتوحات الفاطمية، انطلاقاً من إفريقية (حالياً تونس) إلى مراكش غرباً ومصرًا ثم بلاد الشام والحجاز شرقًا، وقد اصطدم الفاطميُّون خلال هذه الغزوات بالإخشيديين بمصر والقرامطة والحمدانيين بالشام والحجاز.

كانت تحكم مصر في زمن ظهور الفاطميين الدولة الإخشيدية، ومنذ بداياتهم حاولوا عدَّة مرة الاستيلاء على مصر، فأرسلوا إليها حملاتٍ عسكريَّة في سنوات 302 و307 و321 و322 و332هـ، وقد تمكَّنت بعض هذه الحملات من السيطرة على أجزاءٍ كبيرة من البلاد، بل إنَّ بعضها نجحت بالاستيلاء على الإسكندرية،[64] إلا أنَّ الفاطميين كانوا يضطرُّون للانسحاب في كلِّ مرَّة أمام جيوش محمد بن طغج الإخشيدي. رغم ذلك، كان هناك دعاةٌ منتشرون في مصر طوال العهد الإخشيديّ، يدعون الناس لاتباع الدولة الفاطميَّة.[65]

إلا أنَّ الدولة الإخشيدية قد شهدت مع موت أحد آخر حكامها أبي المسك كافور الإخشيديَّ (سنة 357هـ) انحدارًا كبيرًا وانهيارًا اقتصاديًا شديدًا، فانتشر الغلاء والمجاعات والأمراض، وكثر الموت بين الناس.[66] أدَّت هذه الأحوال المتردية إلا سخط أهل مصر على الإخشيديين، ووصلت أنباء هذه الحال إلى معز الدين الفاطميّ، فبادرَ على الفور باستغلال الفرصة بإرسال جيشٍ فاطمي على رأسه جوهر الصقلي لضمِّ مصر إلى دولته.[67]

لم يبدي المصريُّون أيَّ مقاومة تذكر للفتح الفاطمي نتيجة هذه الأوضاع، وقد استبشروا بقدوم حكامٍ جددٍ لهم عوضًا عن الإخشيديين، خصوصًا بعد خطبة قالها جوهر الصقلي باسم معزّ الدين الفاطمي عندما دخل مصر، فقد قدَّم في هذه الخطبة وعوداً عديدة بينها تجديد سكَّة النقود لتجنُّب الغش فيها، وتخفيف الضرائب الشديدة التي فرضها الإخشيديون، وحماية المصريّين من خطر دولة القرامطة بالمشرق، ومنح أهل السنَّة الحرية بممارسة مذهبهم على طريقتهم.[68][69]

جهَّز الفاطميون جيشًا من 100,000 جندي لأخذ مصر بقيادة جوهر الصقلي، وقد كان هذا الجيش متعددًا عرقيًا بدرجةٍ كبيرة، إذ اشتمل على رجالٍ من الأمازيغ والصقالبة والروم والسودان، وصرف معزُّ الدين الفاطمي عليه ملايين الدنانير.[70] وصل جوهر الصقلي أول دخوله مصر إلى بلدةٍ تسمَّى «منية الصيادين» تقع قربَ الإسكندرية، فاستقبله وفدٌ من أهلها على رأسه وزيرٌ إخشيديٌّ بارز يُدعَى «جعفر بن الفرات»، فسلَّموا له وقبلوا بأخذه بلادهم دون مقاومة.[71]

إلَّا أنَّ الحاكم الإخشيدي «أبا الفوارس بن الإخشيد» رفض الاستسلام، وبدأ بجمع جيشٍ لالتقاء الفاطميين، فسارعَ جوهر بالذهاب إلى قاضٍ معروف بالإسكندرية يدعى «أبا الطاهر محمد بن الأحمد» واستشاره بما يفعله مع الإخشيديين متذرِّعاً بالجهاد قائلًا: «مَا تَقُوْلُ فِيْمَن أرَادَ العُبُوْرَ إلى مِصْرَ لِيَمْضِيَ إلى الجِهَاد لِقِتَالِ الرُّوْمِ، فَمُنِعَ، أَلَيْسَ لَهُ قِتَالِهِمُ؟»، فوافق القاضي، وأصدر فتوى تحلُّ له قتال الإخشيديين.[72] قاد ابن الإخشيد جيشًا إلى وراء النيل في جهةٍ قريبةٍ من الجيزة، والتقى هناك بجيش جوهر، إلا أنَّ الفاطميين سرعان ما انتصروا انتصارًا كبيرًا، ودخلوا الفسطاط بسهولة،[70] ثم فتحوا ما تبقَّى من مصر دون مقاومةٍ تذكر، وقد فرح الناس بهزيمة ابن الإخشيد بعد ما عانوه بسببه، ونهبوا قصور الإخشيديين بعد أن فرَّ هؤلاء إلى بلاد الشام.[73]

أمر جوهر الصقليُّ فور ضمِّ مصر ببناء مدينةٍ جديدةٍ ليستقرَّ فيها جنوده، وذلك تجنُّباً لأيّ مشاكل أو توترات قد تنجم عن اختلاط العساكر بأهل البلاد. وقد قسَّم المدينة الجديدة إلى أقسامٍ ليفصل كل مجموعةٍ عرقيَّة عن الأخرى، فكان هناك حيٌّ خاص بالأمازيغ، وواحد للصقالبة، وآخر للروم، وهلُمَّ جرًا. وبعد أن استقرَّت الأمور في مصر، قرَّر معز الدين نقل عاصمة دولته من المهديَّة بإفريقية إلى هذه المدينة الجديدة، وهكذا تأسَّست مدينة «القاهرة المعزِّيَّة» في 17 شعبان سنة 358 هـ(6)[74] ودخل معز الدّين الفاطمي مصر في سنة 362هـ المُوافقة لسنة 972م، لتصبح مقرَّ حكم الفاطميين حتى نهاية دولتهم.[75]

قبل أن يرحل المعزّ لدين الله عن إفريقية لينتقل إلى عاصمته الجديدة في مصر، عيَّن بلكين بن زيري واليًا عليها مكانه، وكان ذلك في سنة 362هـ المُوافقة لسنة 972م. وقد استولى أبناؤه من بني زيري على مجمَل شمال أفريقيا فيما بعد، وانقسموا بعد بعض الخلافات الداخلية إلى قسمَين اثنين: «بنو زيري» في إفريقية، و«بنو حماد» في المغرب الأوسط (الجزائر حاليًّا). لكن الزيريِّين استقلوا لاحقًا عن الدولة الفاطميَّة، وحوَّلوا ولاءهم عوضًا عنها إلى الخلافة العبَّاسيَّة في المشرق.[76]

بعد أن استقرَّت الأمور في مصر للفاطميِّين، انتقل صراعهم إلى دولة القرامطة في الشَّرق. فقد غزا القرامطة بدعمٍ بويهيٍّ مصر عدَّة مرات، وكادوا يصلون إلى القاهرة، لكنَّ جوهر الصقلي نجح بصدّ هجماتهم.[74] وخلال السنوات الآتية أخذ الفاطميُّون بالتوسُّع تدريجيًّا على حساب القرامطة وباقي الدول الأخرى في المنطقة، فتمكَّنوا من انتزاع بلاد الشام في سنة 363هـ المُوافقة لسنة 973م من الحُسين بن أحمد القرمطي حاكم القرامطة،[77] وضمُّوها حتى مدينة حلب شمالًا بعد القضاء على دولة الحمدانيّين، واستولوا على الحجاز بعد هزيمة أشرافها، فباتت رقعة الدولة الفاطميَّة ممتدّة من المغرب إلى مشارف العراق.[78]

 

العصر الذهبي للدولة

بلغت الدولة الفاطميَّة ذُروة عزِّها وكمالها في عهد الخليفة الخامس، أبو منصور نزار العزيز بالله، وإليه يُعزى تمكين السيطرة الفاطميَّة على مصر والشَّام، ونشر السلام والرَّخاء في مُختلف أرجاء الدولة، التي بلغت في عهده أقصى اتساعها.[79] كان العزيز مسؤولًا عن إرساء الدولة الفاطميَّة وتشكيل هويَّتها، إذ يمكن تشبيه دوره بدور أبي جعفر المنصور في الدولة العبَّاسيَّة،[80] وقد بدأ عهده في سنة 365 هـ الموافقة لِسنة 975م.[81] من بين 270 سنة تقريبًا عاشتها الدولة الفاطميَّة من صعودها إلى سقوطها، يُعتبر أنَّ عصر قوتها الحقيقيَّة استمرَّ لنحو 115 سنةً منها، بعدها قرابة 70 سنةً عاشتها في ازدهارٍ حضاري لكن بضعفٍ سياسي، قبل أن تبدأ بالانحطاط والسُّقوط.[78]

شهد عهد العزيز إنجازاتٍ إدارية وتنظيميَّة متنوعة. فقد رُتِّبت الدواوين بدقَّة لتسهيل الإجراءات الإدارية. وأحاط العزيز نفسه بمظاهر الترف وأغدق الأموال على قصوره وممتلكاته. واستحدث منصب الوزراء، فعمل على اختيار رجالٍ كفؤين لشغل هذا المنصب، إلا أنَّه اختارهم من الطائفتين اليهوديَّة والنصرانيَّة، لكي لا يكون لهم نفوذٌ كبير يسمح لهم بالانقلاب عليه (وقد كان أوَّلهم وأحد أشهرهم يعقوب بن كلس). وكذلك عدَّل تركيبة الجيش العرقية، فقد كان الجيش الفاطمي بأكمله تقريباً مؤلَّفا من الأمازيغ، فخشي أن يتكاتفوا معًا عليه إذا ما اضطَّربت الأمور، لذا شكَّل جيشًا جديدًا خاصًا به من الجنود التُرك والأكراد والسُّودان، وكلَّف هذا الجيش بإدارة معظم ولايات دولته عوضًا عن الجيش الأمازيغي. وقد وقعت نتيجةً لذلك فتنةٌ في الجيش بين المغاربة والأعراق الأخرى.[80]

وقد أراد العزيز أن يكون مذهب الدولة الرسميُّ هو المذهب الإسماعيليّ، فعمل على نشره في دولته بكلُّ ما استطاع، وسمح بسبِّ صحابة محمَّد.[82] شهد عصره بعض الإنجازات العسكريَّة أيضًا، فقد قاد جوهر الصقلي عدَّة حملاتٍ على الشام والعراق، تمكَّن خلالها من ضمّ مدن شيزر وحمص وحماة، بل وقد نجح ببلوغ الموصل وإجبار جوامعها على الدعاء للخليفة الفاطمي لفترةٍ قصيرة. توفّي العزيز نتيجة مرض في القولون سنة 386هـ الموافقة لسنة 996م.[81]

خلف العزيز ابنه الحاكم بأمر الله، فاتَّبع أباه في بداية عهده، ونجح بتثبيت أركان الدولة وتهيئة أمورها،[82] وحسَّن علاقته مع أهل السُنَّة، فجالس علماءهم وبنا لهم دور علم. وقد كان متديِّنًا كثيرًا لحدّ المُغالاة، حتى أنه حظر زراعة العنب خشية استعماله بصناعة الخمر، ومنع النسوة من المشي في الشوارع، واضطَّهد المسيحيّين واليهود. إلا أنَّ شخصيته تقلَّبت فيما بعد، فغيَّر منهجه مع أهل السُنَّة، ولم يعد شديد التديُّن، بل إنَّه أصيب بالغرور حتى شبَّه نفسه بالإله وسمح لأتباعه بوصفه بأوصافٍ إلهية، ممَّا أساء لسمعته وسمعة الإسماعيليَّة في مصر والعالم الإسلامي، وأثار سخط النَّاس عليه،[83] فثاروا عليه وكرهوه، وانتشرت الفوضى بمصر، فوقعت اشتباكاتٌ بين السكان وجيش الحاكم بأمر الله، ودبَّت الفوضى.[84]

وأخيراً قرَّر الحاكم الخروج من القاهرة، وكان ذلك في شوَّال سنة 411هـ الموافقة لِسنة 1021م، واختفى اختفاءً غير مفسَّرٍ بعد خروجه منها بفترةٍ قصيرة. وهناك العديد من الروايات والنظريات حول سبب اختفائه، لكن الأرجح أنَّه اغتيل. منذ نهاية عهد الحاكم، أخذت قوَّة الفاطميين السياسيَّة بالانحدار شيئا فشيئًا، وكان معظم الحكام الذين تبعوه صغارًا لم يبلغوا سنَّ الرُّشد بعد، لذا فقد افتقروا إلى السُّلطة، وأصبحت الدولة فعليًّا في أيدي الوزراء الفاطميّين أو أقارب حكامها صغار السِّن.[85]

خلف الحاكم بقيادة الدولة الفاطميَّة ابنه الظاهر لإعزاز دين الله، إلا أنَّه كان حدثًا لم يبلغ سنَّ الرشد، فأصبحت عمَّة له تُدعَى «ست الملك» الحاكمة الفعليَّة للدولة، وتمكَّنت من إدارة شؤون الدولة بصورةٍ جيِّدة، إلا أنَّها توفّيت في منتصف عصره[85] سنة 415هـ. وقد سار عهده بهدوءٍ في البداية، إلى أن بدأت الثورات ضدَّه، فخرج صالح بن مرداس في الشام وانتزع منه حلب، ثمَّ جاء حاكم الرملة «حسان بن المفرج البدوي» فانتزع معظم أنحاء الشام.[86] وقد دام حكم الظاهر لخمسة عشرة سنة، ثم توفِّي صغيرًا.

تولَّى ابنه معد المستنصر بالله الخلافة وهو لا يزال في السَّابعة من العمر، وقد دام حكمه نحو 60 سنة، ليكون أطول الخلفاء الفاطميِّين عهداً على الإطلاق.[87] في بداية عهده، كانت أمُّه وبعض وزرائه هم الحكام الفعليِّين للدولة.[85] كان النصف الأول من خلافة المستنصر مزدهرًا ازدهارًا عظيمًا، فوصلت فيه الدولة الفاطميَّة أوج قوَّتها واتّساعها، وامتدَّت حدودها من المغرب إلى العراق، بل وقد تمكَّن سنة 450هـ الموافقة لسنة 1058م رجلٌ من حلفاء الفاطميّين يدعى «أبا الحارث البساسيري» من الاستيلاء على بغداد والقبض على الخليفة العباسي، فأقام الخطبة فيها للخليفة الفاطمي المستنصر، وكانت تلك أوَّل وآخر مرَّة في التاريخ تقام بها الخطبة ببغداد للفاطميين.[88]

إلا أنَّ الأمور بدأت بالاضطَّراب فيما بعد، فأصيبت مصر بمجاعةٍ هائلة استمرَّت سبع سنوات من سنة 457 إلى 464هـ (الموافقتين لسنتي 1065 إلى 1071م)، وهي تُعرَف باسم «الشدَّة العظمى» و«الشدَّة المستنصريَّة». وبدأت العديد من أقاليم الدولة بالتمرُّد على الفاطميّين، فانقطعت الخطبة عن المستنصر في مكة والمدينة سنة 462 هـ الموافقة لسنة 1070م ليُخطَب عوضاً عنه للخليفة العباسي مجدَّدًا، وكانت الحال نفسها في المغرب، فقطع أمير بني زيري المعز بن باديس علاقته بالفاطميِّين وحوَّل ولاءه إلى الخلافة العباسيَّة، أمَّا بغداد التي كانت قد انضمَّت للفاطميين حديثًا، فقد قتل حاكمها البساسيريُّ على يد سُلطان السلاجقة طغرل بك القادم من الشرق، لتنتهي سلطة الفاطميِّين عليها حتى نهايتهم.

ولم يتوقَّف السلاجقة عند هذا الحدّ، بل تابعوا التقدُّم غربًا ليصطدموا بالدَّولة الفاطمية مرة أخرى في بلاد الشام، ونجح سلطانهم جلال الدولة ملك شاه بانتزاع معظم بلاد الشام من الفاطميين - بما فيها القدس وفلسطين - سنة 463 هـ (1070م). وتسبَّب عجز المستنصر عن السيطرة على هذه الأحداث بانهيار هيبته تمامًا في الدولة.[88][89][90] وعلاوةً على هذه الخسارات الكبيرة، فقد وقعت الفتنة سنة 466 هـ بالجيش بين المغاربة أولاً، والتُرك ثانيًا، والسُّودان ثالثًا، ووقعت معاركة كبيرةٌ بينهم وكثر القتل.[85][91]

بدأت الدَّولة تخرج تمامًا عن السَّيطرة، وأخذ التُرك يصبحون الحكَّام الفعليِّين للدولة عوضًا عن الخليفة نفسه، فقرَّر المستنصر الاستعانة بحاكم عكا الأرمنيّ بدر الدين الجمالي،[92] وهو أشبه بدكتاتورٍ يُعرَف بشدَّته وقدراته الإدارية والتنظيميَّة العالية. استدعى المستنصر بدر الجمالي ليتسلَّم منصب وزراة الدولة الفاطمية وقيادة جيشها، فوافق هذا الأخير، وجاء إلى مصر، وكان وزيرًا قويًّا ومهيبًا، فأعاد للدَّولة قوَّتها واستقرارها وثبَّت أركانها من جديد. ووصلت الدولة في عهده أوج قوَّتها وازدهارها، فشيِّدت القصور وازدهر العلم والحضارة[89] وعادت الأموال الكثيرة إلى مصر، فارتفع الخراج من مليوني دينارٍ في سنوات المجاعة إلى أكثر من ثلاثة ملايين.[93]

من جهةٍ أخرى، فشل بدر الجمالي في بعض النواحي العسكريَّة، إذ لم يستطع حماية بلاد الشام من تقدُّم السلاجقة التُرك شرقًا والصليبيّين الأوروپيَّين شمالاً، فخسر الفاطميُّون كُل الشَّام ما عدا مدينة عسقلان.[89] لم يكن مجيء بدر الجماليِّ جيِّدًا تمامًا للمستنصر، فقد بدأ ينازعه على السُّلطة، وتنامى نفوذه بدرجةٍ كبيرةٍ جدًّا، حتى أصبح أقرب إلى الحاكم الفعلي للدولة الفاطميَّة، واستمرَّت الحال هكذا حتى وفاة المستنصر سنة 487 هـ الموافقة لسنة 1094م، فبدأ بذلك «العصر الفاطمي الثاني»، الذي كان الوزراء فيه هم الحكَّام الفعليِّين للدولة.[93]

 

الانحسار

حسب النظام المتبَّع في الدولة الفاطمية، كان أكبر أبناء الخليفة هو الذي يُعيَّن وليَّا للعهد، ولذا كان من المفترض أن تؤول الخلافة بعد وفاة المستنصر إلى ابنه الأكبر نزار المصطفى لدين الله.[88] إلا أنَّ المستنصر كان - بعد ضغوطاتٍ وجهودٍ حثيثة من وزيره الملك الأفضل شاهنشاه - قد قرَّر عوضًا عن ذلك نقل ولاية العهد إلى ابنه الأصغر أحمد المستعلي بالله، وأدَّى هذا الخلاف إلى وقوع شقاقٍ في المذهب الإسماعليّ لا زال موجودًا حتى الآن، حيث انقسم الإسماعيليُّون بين مؤيّدي خلافة نزار بناءً على أحقيَّته (النزارية) ومؤيدي خلافة المستعلي بناءً على توصية والده (المستعلية).[93]

وكان الملك الأفضل (وهو ابن الوزير الفاطمي الشهير بدر الجمالي وقد ورث عنه منصب الوزارة) قد رفض خلافة نزار بسبب خلافٍ وقع بينهما، وكانت هذه واحدةً من ملامح نفوذ الوزراء الشَّديد بالدولة الفاطمية وسيطرتهم عليها، التي استمرَّت منذ وفاة المستنصر وحتى نهاية الدَّولة.[94] حصل في حين وقوع هذه الأحداث أن الحسن بن الصباح جاء إلى مصر لتحصيل علوم المذهب الإسماعيلي، فشهد الخلاف الذي وقع بين الإسماعيليَّة والنزاريَّة، ودعا بأحقيَّة نزار بالخلافة، فغضب عليه الملك الأفضل وسجنه. وقد تمكَّن حسن الصباح من الفرار لاحقًا، فرحل إلى بلده أصبهان ليدعو بإمامة نزار وأسَّس هناك جماعة الحشَّاشين.[93]

حدث في عهد المستعلي أن وصلت الحملة الصليبية الأولى إلى المشرق، وغزا الصليبيُّون سواحل بلاد الشام وأسَّسوا فيها إمارتي الرها وأنطاكية. عندما وصل الصليبيون إلى الشام كان يحكمها السلاجقة، إلا أنَّ السلاجقة أنفسهم كانوا قد انتزعوها من الفاطميين قبل نحو ثلاثين سنة، وعندما رأى الملك الأفضل أنَّهم هزموا أمام الزَّحف الصليبي، طمعَ بأن يعيد هذه الأراضي إلى سلطان الدولة الفاطمية مجدَّدًا، فحشد جيشًا وحاصر القدس وأخذها من السلاجقة، وبسط سيطرته على كامل فسلطين حتى منطقةٍ قريبة من بيروت.[90] إلا أنَّ الجيوش الصليبية سرعان ما وصلت، وكان قوامها نحو 40,000 رجل، فضربت الحصار على القدس لمدَّة شهر، ثم تمكَّنت من دخول المدينة، ووقعت مذبحةٌ عظيمةٌ في جيوش الفاطميّين راح ضحيَّتها عشرات الآلاف، وسقطت القدس بذلك في شهر يوليو سنة 1099م (492 هـ).[95] وقد فقد الفاطميُّون إثر هذه المعركة آخر أملاكهم في بلاد الشام، وأصبحت دولتهم تقتصر تقريبًا على مصر وحدها.[96]

لم تدم خلافة المستعلي طويلاً، فقد توفي خلال سبع سنين، فخلفه ابنه البكر الآمر بأحكام الله ذي الخمس سنوات، بناءً على رغبة وزير الدولة الملك الأفضل.[97] كان الآمر خليفةً قويًّا، فما إن بلغ سنَّ الرشد حتى بدأ بفرض ثقله في الدَّولة، وقد أحسَّ بنفوذ وزيره الشَّديد في دولته، فدبَّر لاغتيال الملك الأفضل، وعيَّن مكانه المأمون البطائحي.[94] إلا أنَّه رغم ذلك لم يحسن السِّيرة، فساءت أوضاع الدولة في عهده. وقد قتل اغتيالاً سنة 524 هـ (1130م).[97]

وفي حين مقتله، كان قد عهد الآمر بالخلافة من بعده لابنه الطيب أبو القاسم والذي لم يكن قد ولد حتى، بل كان لا يزال رضيعًا في رحم أمُّه، ولم يكن للآمر ابنٌ آخر يتولَّى الخلافة، فعُيِّن أخوه الحافظ لدين الله نائبًا للخليفة ليتولَّى شؤون الحكم حتى بلوغ الطيّب سنَّ الرشد. وأخطأ الحافظ باختيار أحمد بن الملك الأفضل وزيرًا له،[98] فما إن تولَّى هذا الوزارة حتى قبض على الحافظ وزجَّ به في السجن، واستبدَّ الوزير بالدولة ولم يعد للخليفة المسجون كلمةٌ فيها. لكنَّ هذه الحال لم تَطُل، فسُرعَان ما اغتال الإسماعيليُّون أحمد بن الأفضل، وحرَّروا الحافظ لدين الله من سجنه، فعاد لتولّي شؤون الخلافة سنة 526 هـ.[97] لكنَّ الحافظ ظلَّ بعد ذلك يعاني من نفوذ الوزراء الشديد في دولته، فكان وزراءه هم الذين يحكمون الدَّولة طوال عصره.[99] ففي سنة 529 هـ أراد «بهرام الأرمنيّ» (أحد ولاة الدولة الفاطميَّة) أن يصبح وزيرًا، فسار بجيشٍ إلى القاهرة وضرب عليها الحصار، حتى اضطرَّ الحافظ للرضوخ وتعيينه وزيرًا، رغم أنَّه لم يكن مسلمًا حتى.

وقد جاء من بعده «رضوان بن ولخشي»، إذ سار إلى القاهرة سنة 530 هـ فنجح بإزاحة بهرام،[97] وأجبر الحافظ على تعيينه وزيرًا جديدًا، لكن نشب فيما بعد خلافٌ بينهما، فزجَّ رضوان بالحافظ في السِّجن مجدَّدًا وسيطر على الدولة الفاطمية لسبع سنين،[99] وأخيرًا نجح الحافظ بطرده وقتله سنة 542 هـ.[97] ونصَّب الحافظ فيما بعدُ ابنه الحسن وزيرًا، فأفسد في الدولة وقتَّل العديد من الأمراء، ثمَّ تمرَّد على والده وخاض معه حربًا، لكن الحافظ فاز بالنِّهاية، وظلَّ خليفةً حتى وفاته سنة 544 هـ (1149م).[99]

في سنة 558 هـ - خلال عهد الخليفة الثاني عشر الظافر بدين الله - حدث أن طُرِدَ وزير للدَّولة الفاطميَّة يُدعَى شاور بن مُجير السعدي من مصر، فلجأ هذا الوزير إلى نور الدين محمود الزنكي حاكم دمشق، وطلب منه عونًا عسكريًّا يمكنِّه من استعادة السيطرة على مصر، شريطة أن يعطيه ثلث خراجها. ووافق نور الدين، فأرسل حملةً بقيادة أسد الدين شيركوه تمكَّنت من السيطرة على الدولة الفاطمية سنة 559 هـ. إلا أنَّ شاور نقض اتفاقه مع نور الدين، ولم يدفع له شيئًا من خراج مصر، فأرسلت حملةٌ جديدةٌ بقيادة شيركوه تمكَّنت من استعادة مصر سنة 562 هـ، وكان ممَّن شاركوا في هذه الحملة صلاح الدين الأيوبي.[100] ولأنَّ نجم صلاح الدين برز أثناء هذه الحملات وحروبٍ أخرى في الشام، فقد ضغط الزنكيون لتعيينه وزيرًا بالدولة الفاطميَّة، وكان لهم ما أرادوه، فأصبح صلاح الدين وزيرًا للخليفة الفاطمي الرَّابع عشر والأخير العاضد لدين الله.[101]

 

خاتمة الدولة

بِتولّي صلاحُ الدين منصب الوِزارة في مصر، كآخر وزيرٍ سُنيٍّ في الدولة الفاطميَّة، وصل المدُّ السُنيّ الذي بدأهُ السلاجقة قبل نحو مائة سنة، وأكمله ورثتهم الزنكيّون، إلى مصر.[102] وجرى من الأحداث في مصر، بعد تولية صلاحُ الدين منصب الوزارة، أنَّ البلاد كانت تجتاز مرحلةً خطيرةً في تاريخها. فالدولة الفاطميَّة لا زالت موجودة يُساندها الجيش الفاطميّ وكبار رجال الدولة، والخطر الصليبي لا يزالُ جاثمًا على مقربة من أبواب مصر الشرقيَّة، فكان عليه أن يُثبِّت أقدامه في الحُكم، ليتفرَّغ لِمُجابهة ما قد ينشأ من تطوراتٍ سياسيَّةٍ. ولم يلبث أن أظهر مقدرةً كبيرةً في إدارة شؤون الدولة، وهو عازمٌ على الاستئثار بكافَّة الاختصاصات حتّى التي تخصُ منصب الخِلافة، ونفَّذ عدَّة تدابير كفلت له الهيمنة التامَّة، فاستمال قُلوب سُكَّان مصر بما بذل لهم من الأموال والإصلاحات، فأحبوه، وأخضع مماليك عمّه أسد الدين شيركوه، وسيطر بشكلٍ تامٍّ على الجُند، بعد أن أحسن إليهم، وقوّى مركزه بما كان يمُدُّه به نورُ الدين محمود من المُساعدات العسكريَّة، وقد وصل أخوهُ شمسُ الدين توران شاه بن أيّوب مع إحدى هذه المُساعدات.[103]

وقد أدَّت التدابير التي نفَّذها صلاحُ الدين إلى تقوية قبضته على مُقتدرات الدولة، وزادت من تراجع نُفوذ الخليفة العاضد لدين الله، وبالتالي مركز الإمامة، وأثارت استياء كبير الطواشيَّة، مؤتمن الخِلافة، وهو نوبي، وقائدُ الجُند السودان، وقد أدرك أنَّ نهج صلاح الدين في الحُكم سوف يقضي، في حال استمراره، على الدولة الفاطميَّة إن عاجلًا أو آجلًا، فحاول الاتصال بعمّوري الأوَّل، ملك بيت المقدس، لتحريضه على مُهاجمة مصر، آملًا، في حال الاستجابة، أن يخرج صلاحُ الدين إلى لقائه، فيقبض هو على من يبقى من أصحابه في القاهرة، ويثب على منصب الوِزارة. غير أنَّ صلاح الدين علم بِخيوط المؤامرة، فقبض على مؤتمن الخِلافة وترقَّب الفُرصة للتخلُّص منه، غير أنَّ أنباء اهتزاز مركزه في مصر شجَّعت الصليبيين على القيام بمُحاولةٍ أُخرى لمُهاجمة البلاد.[104]

أدرك عمّوري الأوَّل خُطورة الوضع بعد أن تمكَّن نور الدين الزنكي من توحيد الشَّام ومصر تحت سُلطانه، وشعر الصليبيّون أنَّهم وقعوا فعلًا بين فكيّ الكمَّاشة، فحاول الملك عمّوري الاستعانة بالغرب الأوروپي، فراسل مُلوك وأباطرة أوروپَّا الغربيَّة يطلب منهم الإسراع بالقيام بحملةٍ صليبيَّةٍ جديدةٍ تُنقذُ الموقف الصليبيّ المُتدهور في المشرق.[105] على أنَّ الأوضاع السياسيَّة في غربيّ أوروپَّا، آنئذٍ، لا سيَّما فيما يتعلَّق منها بالنزاع بين البابويَّة والإمبراطوريَّة الرومانيَّة المُقدَّسة، حالت دون تحقيق السفارة الصليبيَّة أهدافها، فاضطرَّ عمّوري الأوَّل إلى الالتفات نحو الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة طالبًا مُساعدة قيصر الروم الإمبراطور عمانوئيل الأوَّل كومنينوس.

وكان الإمبراطور سالف الذِكر أشد حماسًا من الصليبيين لغزو مصر، ولم يكن أقل انزعاجًا لاتحاد الشَّام ومصر تحت راية الزنكيين، ما أدّى إلى انقلابٍ خطيرٍ في توازن القوى بالمشرق، فعرض على عمّوري الأوَّل تعاون الأسطول البيزنطي في الحملة التالية،[105] فوافق الملك على هذا الاقتراح، وتمَّ إعداد أسطولٌ عظيم مُدجج بالرجال والسلاح، وأبحر من القُسطنطينيَّة مُتجهًا إلى دُمياط. كان صلاحُ الدين قد تلقَّى تحذيرًا مُبكرًا بالغ الكفاية عن الحملة، فاستعد لمُواجهتها بأن حصَّن الإسكندريَّة والقاهرة وشحن بلبيس بالعساكر اعتقادًا منه أنَّ هذه الحملة سوف تسيرُ على درب الحملات السَّابقة، وبقي في القاهرة خشية قيام مؤامرةٍ فاطميَّة ضدَّه، وحتَّى يكفل الأمن لنفسه، أمر بإلقاء القبض على مؤتمن الخِلافة وإعدامه، ثُمَّ عزل موظفي القصر من السودان المعروفين بولائهم للخليفة الفاطمي العاضد لدين الله، وأحلَّ مكانهم رجالًا من أتباعه.[104]

عزَّ على الجُند السودانيين استبعادهم وضياع نُفوذهم، كما غضبوا لمقتل مؤتمن الخِلافة، فثاروا على صلاح الدين، لكنَّه تمكَّن من قمعهم وكسر شوكتهم، فاضطرّوا إلى طلب الأمان منه فأجابهم إلى ذلك.[106] تراوح موقف العاضد لدين الله الذي شهد هذه الأحداث بين الإحجام عن مُساعدة صلاحُ الدين وتأييد خطوته، وفقًا لتطوّر الأحداث. ذلك أنَّهُ ظنَّ في بادئ الأمر أنَّ الجُند السودانيين سوف ينتصرون، ويُنقذونه من قبضة صلاح الدين، فأمر من في القصر أن يقذفوا العساكر الشاميَّة بالنشَّاب والحجارة. ولمَّا هدَّد توران شاه، أخو صلاح الدين بإشعال النار بالقصر، لم يسعه إلَّا أن يُغيِّر موقفه.[106]

وفي يوم 1 صفر 565هـ المُوافق فيه 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 1169م، وصل الصليبيّون والبيزنطيّون إلى دُمياط، وما أن علم صلاحُ الدين بوصول القوَّات المُتحالفة إلى المدينة سالِفة الذِكر حتّى أرسل إليها الرجال والسلاح والمؤن، كما أرسل عددًا من السُفن الحربيَّة اتخذت طريقها نحو الشمال في فرع دمياط من نهر النيل، وبعث في الوقت نفسه رسالة إلى نورُ الدين محمود الزنكي في دمشق يُخبره بما حدث، ويلتمس منه المُساعدة، فسيَّر إليه نورُ الدين العساكر تباعًا، كما قام بالإغارة على مواقع الصليبيين في الشَّام لتخفيف الضغط عن دُمياط.[107]

وعلى الرُغم من الاستعدادات الكثيرة والتحضيرات الكثيفة، فشلت الحملة المُشتركة في تحقيق أي هدفٍ من أهدافها لعدَّة عوامل، فقد دافعت حامية دُمياط عن المدينة بشراسة، وتراجع مخزون المؤن البيزنطي بسبب طول الرحلة من القُسطنطينيَّة، وفشل الأُسطول في دخول فرع دُمياط بقدرٍ يسمح له بمُهاجمة المدينة، فعجز عن تقديم المُساعدة العسكريَّة المطلوبة للقوَّات الصليبيَّة البريَّة،[108] وهبَّت عاصفة شديدة مصحوبة بأمطارٍ غزيرة أغرقت المُعسكر الصليبي وحوَّلتهُ إلى مُستنقع، فاستغلَّ المُسلمون هذا وانقضوا على الأُسطول وأنزلوا به خسائر فادحة، فاضطرَّ الملك الصليبي وقيصر الروم أن يطلبا الصُلح، وانسحبا عائدين إلى بلديهما يوم 28 ربيع الأوَّل 565هـ المُوافق فيه 12 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1169م، أي بعد أن مكثا بجيوشهما أمام دُمياط أكثر من خمسين يومًا.[109]

بعد هذا النصر، أرسل نورُ الدين الزنكي إلى صلاحُ الدين يطلب منه أن يقطع الخِطبة للفاطميين فورًا ويُرجعها للخليفة العبَّاسي، فاعتذر له بالخوف من وثوب أهل مصر وامتناعهم عن الاستجابة إلى ذلك لميلهم إلى العَلَويين، إذ أنَّ المؤثرات الشيعيَّة في مصر كانت قويَّةً في ظل الحُكم الفاطميّ الذي استمرَّ قرنين من الزمن.[110] لكنَّ نورُ الدين أصرَّ على تابعه أن يفعل ذلك في سبيل تحقيق الوحدة الإسلاميَّة والاستفادة من إمكانات مصر الاقتصاديَّة والبشريَّة في الجهاد ضدَّ الصليبيين، وأرسل إليه إنذارًا نهائيًّا في شهر ذي الحجَّة سنة 566هـ المُوافق فيه شهر آب (أغسطس) سنة 1171م يأمُرهُ بإسقاط الخِطبة للخليفة الفاطميّ العاضد، وإقامتها للخليفة العبَّاسيّ أبو مُحمَّد الحسن بن يُوسُف المُستضيء بأمر الله، وألزمهُ إلزامًا لا فُسحة له في مُخالفته.[111]

ورأى صلاحُ الدين أن يستجيب لطلب سيِّده في دمشق نظرًا لأنَّ الغالبيَّة العُظمى من سُكَّان مصر لم تتشيَّع، ولأنَّ الدولة الفاطميَّة أصبح من الواضح أنها تلفظ أنفاسها الأخيرة، ولم يعد لديها القدرة على التحرُّك بعد القضاء على الجُند السودان. وجاءت الخُطوة الحاسمة يوم 7 مُحرَّم سنة 567هـ المُوافق فيه 10 أيلول (سپتمبر) سنة 1171م، عندما قطع صلاحُ الدين الخِطبة بمصر للخليفة الفاطمي وأقامها للخليفة العبَّاسي، وأعاد السَّواد شعارُ العبَّاسيين.[111] وقد تمَّ هذا التحوّل بهُدوء تام، وبذلك عادت مصر إلى كنف الدولة العبَّاسيَّة، وأُعيدت الوحدة المذهبيَّة في الشرق الأدنى. وكان العاضد لدين الله أثناء ذلك مريضًا يحتضر، فلم يشأ صلاحُ الدين إزعاجه ومُضاعفه همّه، فأمر رجاله بألَّا ينهوا إليه بالأنباء.[112] ولم تكد تمضي أيَّام على قطع الخِطبة للفاطميين حتّى توفي الخليفة العاضد لدين الله، فكانت تلك نهاية الدولة الفاطميَّة فعليًّا، فزالت من الحياة السياسيَّة بعد أن دامت 262 سنة.

 

48.‏ الطالبي 1995, ‏p. ‏706‏

‏49.‏ الدشراوي، فرحات؛ ترجمة: حمَّادي السَّاحليّ (1994). الخلافة الفاطميَّة بالمغرب 296-365هـ / ‏‏909-975م (الطبعة الأولى). بيروت - لُبنان: دار الغرب الإسلامي. صفحة 99.‏

‏50.‏ القاضي النعمان 1970, ‏p. ‏137‏-‏138‏

‏51.‏ القاضي النعمان 1970, ‏p. ‏154‏-‏156‏

‏52.‏ القاضي النعمان 1970, ‏p. ‏163‏-‏165‏

‏53.‏ الحموي، شهابُ الدين أبو عبدُ الله ياقوت بن عبدُ الله الرومي؛ تحقيق فريد عبدُ العزيز الجُندي ‏‏(2012). مُعجم البُلدان، الجزء الأوَّل (الطبعة الثانية). بيروت - لُبنان: دار الكُتب العلميَّة. صفحة 325. ‏ISBN ‏2745114328.‏

‏54.‏ الدشراوي، فرحات؛ ترجمة حمَّادي الساحليّ (1994). الخلافة الفاطمية بالمغرب 296-365هـ / ‏‏909-975م (الطبعة الأولى). بيروت - لُبنان: دار الغرب الإسلامي. صفحة 157.‏

‏55.‏ ابن عذاري المُرَّاكشي، أبو عبدُ الله مُحمَّد بن مُحمَّد؛ تحقيق ومُراجعة: كولان وليڤي بروڤنسال ‏‏(1995). البيان المُغرِّب في أخبار الأندلس والمغرب، الجزء الأوَّل (الطبعة الخامسة). بيروت - لُبنان: ‏دار الثقافة. صفحة 149.‏

‏56.‏ السرجاني 2005, ‏p. ‏416‏-‏415‏

‏57.‏ حسن، حسن إبراهيم (1981). تاريخ الدولة الفاطميَّة في المغرب، ومصر، وسورية، وبلاد العرب ‏‏(الطبعة الرَّابعة). القاهرة - مصر: مكتبة النهضة المصريَّة. صفحة 52.‏

‏58.‏ طقوش 2014, ‏p. ‏74‏-‏75‏

‏59.‏ ابن الأثير، عزُّ الدين أبي الحسن عليّ بن أبي الكرم مُحمَّد الشِّيباني؛ تحقيق: أبو الفداء عبدُ الله القاضي ‏‏(1407هـ - 1987م). الكامل في التاريخ، الجزء السَّادس (الطبعة الأولى). بيروت - لُبنان: دار الكُتب ‏العلميَّة. صفحة 597.‏

‏60.‏ القاضي النعمان 1970, ‏p. ‏239‏

‏61.‏ الأنطاكي، يحيى بن سعيد بن يحيى؛ تحقيق: عُمر عبد السَّلام تدمُريّ (1990). تاريخ الأنطاكي، ‏المعروف بصلة تاريخ أوتيخا (الطبعة الأولى). طرابلس - لُبنان: جروس برس. صفحة 65.‏

‏62.‏ القاضي النعمان 1970, ‏p. ‏245‏-‏254‏

‏63.‏ السرجاني 2005, ‏p. ‏416‏-‏417‏

‏64.‏ العش 1982, ‏