الدولة الفاطمية(الجزءالرابع)

  • رقم الخبر 2308
  • المصدر: ويكيبيديا الموسوعة الحرة

المخلص قسّم المقريزي المجتمع الفاطمي اجتماعيًا إلى طبقة الأغنياء وتضم رجال الدولة وكبار التجار، وطبقة متوسطة وتضم متوسطي الحال من التجار وأصحاب المحال والمزارعين، وطبقة الفقراء وتشمل الفقهاء وطلاب العلم والأجراء والحرفيين وذوي الحاجات من المساكين.


مع الدولة السُلجوقيَّة

بعد أن أسقط السلاجقة السنيون دولة بني بويه الشيعية، سادت حالة من الاستياء في مصر الفاطمية، واتجهت سياسة الفاطميين لدعم ثورة أبي الحارث أرسلان البساسيري ماديًا،[176] فتمكن من هزيمة جيش العباسيين في سنجار عام 449 هـ، ثم دخل بغداد عام 450 هـ مستغلاً خروج طغرل بك إلى الموصل لإنهاء تمرد أخيه إبراهيم ينال.[177] حينئذ، أجبر البساسيري الخليفة العباسي القائم بأمر الله على كتابة عهد يقر بأحقية الفاطميين في الخلافة دون العباسيين، وخُطب للخليفة الفاطمي المستنصر بالله في بغداد. لم يطل الأمر كثيرًا، فبمجرد عودة طغرل بك من قتال أخيه، حتى هزم البساسيري وقتله وأعاد للخليفة العباسي مكانته.[178]

وفي عام 463 هـ، قرر السلطان ألب أرسلان غزو حلب، فرأى أميرها الشيعي محمود بن مرداس الموالي للفاطميين خلع طاعة الفاطميين، وأقام الخطبة للخليفة العباسي القائم بأمر الله والسلطان ألب أرسلان. غير أن ألب أرسلان أصر على أن يكون الأذان على مذهب أهل السنة، فامتنع ابن مرداس عن ذلك، فضرب ألب أرسلان الحصار على حلب، إلى أن يأس ابن مرداس وسلّم لألب أرسلان، ليخسر بذلك الفاطميون ظهيرًا شيعيًا حال بينهم وبين السلاجقة.[179] وفي العام نفسه، استطاع أتسز بن أوق الخوارزمي ضم الرملة وبيت المقدس من أيدي الفاطميين، بينما صمدت دمشق أمام حصار السلاجقة.[180]

وفي عام 468 هـ، استطاع أتسز الخوارزمي دخول دمشق،[181] وعيّن السلطان ملكشاه أخاه تتش حاكمًا عليها لتتأسس دولة سلاجقة الشام، وتدخل المواجهة المباشرة مع الفاطميين.[182] وفي عام 491 هـ، نجح الأفضل شاهنشاه في استعادة بيت المقدس إلى مُلك الفاطميين،[183] غير أن لم يدم طويلاً، ففي العام التالي سقطت المدينة في أيدي الصليبيين[182] لتنتقل المواجهة المباشرة مع الفاطميين هذه المرة إلى عدوهم الجديد الصليبيين.

 

مع الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة

دخلت العلاقات البيزنطيَّة - الفاطميَّة مرحلة التأزُّم مُنذ أن فتح الفاطميّون جزيرة صقلية، وتمكنوا من دحر الروم وبسط سيطرتهم على البحر المُتوسِّط، فانزوى الروم في موقفٍ دفاعيٍّ ضد الفاطميين. وحاول الخليفة عُبيد الله المهدي أن يدعم موقفه في مُواجهة البيزنطيين عبر عقد تحالفٍ مع البلغار، خُصوم بيزنطة، فزارت بعثة دبلوماسيَّة بِلاط الخليفة في مدينة المهديَّة، ولكن سفينتهم، وبرفقتها السُفراء الفاطميّون، وقعت في أسر الروم أثناء رجوعها إلى بلادها، فأُجهض مشروع التحالف.[184]

وفي منتصف القرن الرابع الهجري، تزامنت توسعات البيزنطيين على حساب الحمدانيين جنوبًا مع توسعات الفاطميين في الشام شمالاً والتي بلغت دمشق. وفي سنة 384هـ، حاصرت قوات العزيز بالله الفاطميّ عاصمة الحمدانيين حلب لمُدَّة 13 شهرًا، فلجأ أميرها أبو الفضائل بن سعد الدولة الحمداني للاستنجاد بالإمبراطور باسيل الثاني البيزنطي فأمده بجيش، إلا أنه هُزم أمام جيش الفاطميين،[185] فأثار ذلك باسيل، فتوجه بنفسه للشام لقتال الفاطميين. كان جيش الفاطميين قد انسحب قبل ذلك إلى دمشق لنقص المؤن، فاكتسح البيزنطيون الأراضي حتى بلغوا طرابلس ثم قفلوا عائدين إلى القُسطنطينيَّة. غضب العزيز وخرج بجيشه يريد قتال البيزنطيين، إلا أنه توفي في الطريق سنة 386هـ..[186]

وفي عهد الحاكم بأمر الله، دارت معركتان بين الفاطميين والبيزنطيين، الأولى بحرية في صور سنة 388هـ، والثانية برية بالقرب من أنطاكية، انتهتا بانتصار الفاطميين، مما دفع البيزنطيين إلى طلب الصلح، وعقدت هدنة لعشر سنين بين الدولتين.[187] وفي عهد الظاهر لإعزاز دين الله الفاطمي، دبت الفوضى في الشَّام، فأغار البيزنطيون على الشَّام، فلجأ الظاهر إلى إبرام هدنة مع الإمبراطور قسطنطين الثامن يعيد الظاهر بموجبها بناء كنيسة القيامة التي هدمها الحاكم بأمر الله الفاطمي، ويُجدد قسطنطين الثامن بناء جامع القسطنطينية الذي كان مُسلمة بن عبدُ الملك قد بناه سنة 96هـ المُوافقة لِسنة 714م بعد حصاره للقُسطنطينيَّة، وأن تقام الخِطبة في الجامع للخليفة الفاطمي.[188]

وفي سنة 446هـ أثناء الشدة المستنصرية، أرسل المُستنصر الفاطمي إلى ثيودورا الثالثة إمبراطورة بيزنطة يدعوها إلى إسعاف مصر بالغلال، فاشترطت أن يكون مُقابل ذلك أن يدعمها المُستنصر بالجند في حالة تعرضت لثورة داخلية، وهو ما رفضه المُستنصر، ولم يتم الاتفاق. غضب المُستنصر وجرّد جيشًا أغار على أعمال أنطاكية، فبعثت بيزنطة بثمانين سفينة هزمت الفاطميين، وأُسر قائد جيشهم،[189] فطلب المُستنصر الهدنة. ومع بدأ الحروب الصليبية، انقطعت الصلات المباشرة بين الدولتين، بعد أن تباعدت مناطق نفوذ الدولتين بعد تكوّن الإمارات الصليبية.[190]

 

مع مملكة بيت المقدس

وصلت جيوش الحملة الصليبية الأولى إلى مدينة القدس عام 492 هـ (1099م) في وقتٍ كانت المدينة فيه تحتَ سلطان الدولة الفاطميَّة، وقد خاضت جيوش الفاطميين معركةً قويَّة للدّفاع عن المدينة، إلا أنَّ المعركة انتهت بهزيمة ساحقة ومذبحة راح ضحيَّتها عشرات الآلاف من المقاتلين وسكان المدينة المسلمين على حدّ سواء. وفقد الفاطميون بعد سقوط بيت المقدس آخر أملاكهم في بلاد الشام، ممَّا جعل سلطانهم ينحصر في مصر وحدها تقريبًا لمعظم ما تبقَّى من عصرهم.[95]

بعد سقوط القدس بشهور، خاض الفاطميُّون معركةً أخرى للدّفاع عن مدينة عسقلان، وقاد الجيش الفاطمي وزير الدولة الفاطمي الملك الأفضل بنفسه، إلا أنَّه خسر المعركة خسارةً ساحقة. عادت عسقلان فيما بعد إلى سلطان الفاطميِّين لمدة قصيرة، دامت حتى عام 548 هـ (1153م)، عندما تمكَّن الصليبيون من انتزاعها مرَّة أخرى.[191] رغم أنَّ فلسطين ظلَّت تحت سيطرة مملكة بيت المقدس خلال معظم ما تبقَّى من العصر الفاطمي، إلا أنَّ الخلفاء الفاطميِّين كانوا يحاولون باستمرارٍ استرداد بعض المدن منها، واستمرُّوا بتسيير الحملات العسكريَّة إلى فلسطين مرارًا وتكرارًا، مع أنَّ الصليبيين كانوا ينجحون بصدِّها.[192]

مع مرور الوقت، أخذت الدولة الفاطميَّة تضعف وتنهار من الداخل، أما على الجانب الآخر من الأملاك الصليبيَّة في الشام، فقد انبثقت دولة الزنكيين التي نجحت بتوحيد المنطقة تحت سلطةٍ قويَّة ومتماسكة، وبدأت بإضعاف النفوذ الصليبيّ في المشرق باستمرار. توجَّهت أنظار الصليبيين نتيجة هذه التغيرات إلى مصر، لأنَّها أصبحت الحلقة الأضعف بالمشرق،[193] وكانت من نتائج ذلك سقوط عسقلان سنة 1153م، إلا أنَّ أمد الدولة الفاطمية لم يطل بعد ذلك، فتابع صلاح الدين الأيوبي الحرب مع مملكة بيت المقدس حتى زوالها.[194]

 

المُجتمع والثقافة

الحياة الاجتماعيَّة

قسّم المقريزي المجتمع الفاطمي اجتماعيًا إلى طبقة الأغنياء وتضم رجال الدولة وكبار التجار، وطبقة متوسطة وتضم متوسطي الحال من التجار وأصحاب المحال والمزارعين، وطبقة الفقراء وتشمل الفقهاء وطلاب العلم والأجراء والحرفيين وذوي الحاجات من المساكين.[195] أما عرقيًا فقد كان المجتمع المصري قبل وصول الفاطميين يتكون من الأقباط واليهود وأهل السُنَّة، ثم دخل البربر والروم والصقالبة مع دخول المُعز لدين الله إلى مصر، ثم التُرك والديلم في عهد العزيز بالله، فالسود والأرمن في عهد المُستنصر بالله.[196]

شهد العصر الفاطمي عددًا من مظاهر العظمة والأبهة في أوساط الخلفاء والوزراء وكبار رجال الدولة كأماكن الاستجمام التي كانوا ينتقلون إليها وقت الفيضان ومواكب الاحتفالات التي كان لها مواعيد محددة من كل عام.[197] وقد استحدث الفاطميون عددًا من الأعياد كرأس السنة الهجرية ومولد النبي[198] والاحتفال بقافلة الحج،[199] إضافة إلى المناسبات الشيعية كعاشوراء[198] ومولد الحُسين ومولد السيدة فاطمة ومولد الإمام علي ومولد الحسن ومولد الإمام الحاضر[200] وعيد غدير خم،[199] كما كانوا يحتفلون بالاحتفالات المصريَّة كرأس السنة القبطية،[200] وأعيادٌ أُخرى كعيد النيروز.[201]

وسنَّ الفاطميّون عدَّة سُنن أصبحت جُزءًا لا يتجزّأ من الثقافة الإسلاميَّة عمومًا والمصريَّة خصوصًا، وما زال المُسلمون المصريّون تحديدًا وغيرهم من المُسلمين في الدُول والأقاليم المُجاورة يُحيون هذه السُنن، ولعلَّ أبرزها هو فانوس رمضان، فقد أعطى الفاطميّون هذا الشهر اهتمامًا خاصًّا، فإلى جانب المغزى الديني الكبير، حصل أن وقعت خلاله عدَّة أحداث بارزة في التاريخ الفاطمي، كفتح مصر قُبيل حلوله بأيَّام، ووضع حجر الأساس للجامع الأزهر (14 رمضان 359هـ) وإقامة الصلاة فيه لأوَّل مرَّة (7 رمضان 361هـ)، ووُصول الخليفة المُعز لدين الله للفسطاط مساء يوم 7 رمضان سنة 362هـ، حيثُ تجمَّع الناس وهم يحملون الفوانيس لكي يُنيروا له الطريق. ونقل العامَّة عن الخاصَّة وأهل الحُكم الاهتمام برمضان، ولمَّا كان السهر يحلو خلال ذلك الشهر، كان لابد من الفوانيس.[202]

وكانت الفوانيس سالِفة الذِكر أيضًا تُنير المساجد في الليالي، وتُغلَّف بالزُجاج المُلوَّن لتُعطي تأثيرًا بهيجًا للناظر، وكان الاهتمام بتزين المساجد يصل أقصى درجاته خلال شهر رمضان. كما كانت الفوانيس والقناديل تُضيئ الشوارع الرئيسيَّة المسقوفة، وإلى جانبها البيوت المؤلَّفة من عدَّة طبقات. وكان يُفرض على أصحاب الحوانيت أسعار مُحددة للبيع، فإذا غشَّ أحد الباعة عوقب على الشكل الآتي: يُطاف به على جمل أو على حمارٍ أو بغلٍ في الأسواق ويُجبر على أن يُنادي هو بذنبه، وعُرفت هذه العُقوبة لاحقًا باسم «الجُرصة».[203] وكان الأمنُ سائدًا في أكثر الأحيان، إلى حدِّ أنَّ الحوانيت كانت تُترك مفتوحة ليلًا.[203]

 

الحياة الفكريَّة والعلميَّة

شهدت الحياة الفكرية في العصر الفاطمي تنوعًا في الإسهامات، فشملت عددًا من الرسائل الأدبية النثرية كرسالة الغفران التي كتبها أبو العلاء المعري في إطار خيالي خصب ردًا على رسالةٍ لابن القارح تخيّل فيها المعري رحلة للرجلين في الجنة والجحيم، إضافة إلى الرسالة المصرية لأمية بن أبي الصلت الداني الذي تناولت مصر والمصريين، ذكر فيها محنته في سجن الأفضل شاهنشاه.[204] واهتموا بلون آخر من الكتابة، وهو كتابة السير الذاتية. من أمثلة هذه السير، سير كافور الإخشيدي والعزيز بالله الفاطمي لأحمد بن عبد الله الفرغاني، وسير أحمد بن طولون وابنه خمارويه ومحمد بن طغج الإخشيدي وسيبويه وكافور الإخشيدي وجوهر الصقلي والمعز لدين الله الفاطمي والعزيز بالله لابن زولاق وسيرة المعز لدين الله للقاضي النعمان[205] والاعتبار لأسامة بن منقذ وهو سيرة ذاتية لكاتبه.[206]

وقد برز من أدباء وكُتّاب ذاك العصر الوزير المغربي أبو القاسم الحسين بن علي الذي اختصر كتاب «إصلاح المنطق» لابن السكيت وأسماه «المنخّل»، وكتاب «أدب الخواص» الذي احتوى على قديم الشعر وأخبار القدماء وأنسابهم وبعض المواضيع في علوم اللغة،[207] وأبي سعد محمد بن أحمد العميدي الذي ألّف عدد من الكتب في البلاغة والعروض والقوافي[208] وابن الصيرفي الذي صنّف بعض الكتب مثل «منائح القرائح» الذي كتبه مدحًا في الخلفاء الفاطميين و«الإشارة إلى من نال الوزارة» الذي ذكر فيه من تولى الوزارة في مصر إلى عصره[209] والرُقيّق القيرواني الذي صنّف كتابًا في تاريخ إفريقية والمغرب منذ الفتح الإسلامي وحتى القرن الخامس الهجري.[210]

وقد أرخ للدولة الفاطمية الكثيرون كالمسبحي الذي كان له تاريخ يدون به الأحداث والمشاهدات اليومية، إضافة إلى وصف لمصر وأبنيتها وعجائبها وأطعمتها ونيلها وأشعار الشعراء وأخبار المغنين ومجالس القضاة والحكام والأدباء. إضافة إلى غيره من المؤرخين كابن زولاق وأبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي.[211] أما اللغويين، فبرز منهم علي بن أحمد المهلبي و ابن بابشاذ وأبو عبد الله محمد بن جعفر القيرواني وابن القطاع الصقلي وأبي بكر الإدفوي.[212]

لعب الشعر أيضًا دورًا هامًا في الحياة الفكرية عند الفاطميين، حيث كان الشعر أحد أدوات دعوتهم السياسية، فخصصوا لهم ديوانًا يتولى أمورهم،[213] واستخدموهم في مدح مذهبهم الديني وعقائدهم وأصولهم وحقهم السياسي في الخلافة، كما اتخذهم الخلفاء والوزراء أداه للمباهاة بالسلطان. وقد تنوعت موضوعات الشعر عند الفاطميين بين مديح للخلفاء والقادة، والتركيز على الأمور السياسية كإبراز أفضلية الفاطميين على العباسيين وأحقيتهم بالخلافة، والدينية كالحديث عن وصاية علي وفضل يوم الغدير.[214]

ومن أشهر شعرائهم الرسّيون وهم من الأشراف العلويين وينتسبون إلى الشريف الرسيّ الذي دخل مصر في عهد كافور الإخشيدي،[215] وابن وكيع التنيسي والشريف العقيلي وابن أبي الجوع[216] وابن مكنسة.[217] وقد شجعت عطايا الفاطميين للشعراء الكثيرين على الوفود على بلاطهم طمعًا في عطاياهم كابن هانيء الأندلسي وابن الرقعمق الأنطاكي والرقيق القيرواني وعبد المحسن الصوري وصريع الدلاء البغدادي[218] وأبي الفتيان بن حيوس[219] وأمية بن أبي الصلت وابن القطاع الصقلي[220] وعمارة اليمني.[221] ولم يقتصر قرض الشعر على الطامعين في الهبات، بل برز من الفاطميين ووزرائهم من يحسن قرض الشعر كتميم بن المعز[222] والوزير طلائع بن رزيك.[223]

وفي إطار سعي الفاطميين لنشر المذهب الإسماعيلي، أنشأ الحاكم بأمر الله دار الحكمة في 10 جمادى الآخرة 395 هـ، وأجلس فيه الفقهاء والقرّاء والمنجمين وعلماء اللغة والنحو والأطباء، وخصص للدار قائمين عليها وخدم وفرّاشين، كما نُقلت لها الكتب من خزائن القصور. ظلت الدار مفتوحة للعوام حتى أغلقها الأفضل شاهنشاه في ذي الحجة 516 هـ، خوفًا من فتنة دينية، إلى أن أمر الخليفة الآمر بأحكام الله وزيره المأمون البطائحي بإعادة فتحها بعد وفاة الأفضل.[224]

لم يكن ذلك هو الاهتمام الفكري الوحيد من جانب الحكام الفاطميين، فقد استهواهم جمع الكتب، فكانت لهم خزانة كتب في القصر الشرقي الكبير احتلت أربعين غرفة منه،[225] واحتوت على مليون وستمائة ألف مجلد منها 2,400 نسخة مزخرفة وملونة من القرآن ومنها بضع وثلاثين نسخة من كتاب العين للخليل بن أحمد منها نسخة بخط الفراهيدي، وعشرين نسخة من تاريخ الطبري منها نسخة بخطه، ومائة نسخة من كتاب الجمهرة لابن دريد. وقد احتوت المكتبة على الآف الكتب في الفقه على سائر المذاهب والنحو واللغة والحديث والتواريخ وسير الملوك والتنجيم والروحانيات والكيمياء.[226] رغم ذلك، لم تسلم محتويات المكتبة من السلب والنهب، فتعرضت لنهب جنود الدولة نفسها في فترات الفوضى وضعف هيبة الخلفاء، فيحملون منها ما أمكنهم ويبيعونه في السوق، بل واستخدموا جلودها أحيانًا لصنع خفافًا لأحذيتهم.[227]

لعب الأزهر والمساجد في العصر الفاطمي دورًا هامًا في الحركة العلمية الدينية، حيث اتخذها الفاطميون قواعد لنشر المذهب الشيعي الإسماعيلي، فأجلسوا فيه دعاة مذهبهم لشرح قواعد الفقه الإسماعيلي للحاضرين. لم يقتصر دور الأزهر الفاطمي على نشر المذهب الإسماعيلي، بل ضم حلقات علمية للمذاهب الأخرى، فكانت به خمس عشرة حلقة للمالكية ومثلها للشافعية وثلاث حلقات لأصحاب أبي حنيفة.[228] لم يقتصر نشر العلوم على المساجد فقط، بل وكانت قصور بعض الوزراء كيعقوب بن كلس الذي كان محبًا للعلم، فكان يجمع العلماء يكتبون القرآن والحديث والأدب والطب، ويُشكّلون المصاحف ويُنقّطونها. بل وألّف ابن كلس بنفسه كتبًا في القراءات والأديان وآداب الرسول والطب.[229]

وفي مجال العلوم، فبرز عددًا من الأسماء كابن رضوان الذي برز اسمه في الطب والفلك، وابن يونس الذي برع في الرياضيات والفلك ، ووضع زيجًا فلكيًا أسماه الزيج الحاكمي وابن الهيثم رائد علم البصريات وابن النفيس مكتشف الدورة الدموية الصغرى، وعلي بن عيسى الكحال صاحب كتاب تذكرة الكحالين وابن المقشر وماسويه المارديني وابن بطلان[230] وهم من الأطباء البارزين.[231]

 

الحياة الاقتصاديَّة

كان الإمام عُبيد الله المهدي أوَّل من نظَّم ماليَّة الدولة تنظيمًا دقيقًا، فقد وضع جميع الأموال المجموعة في الأمصار تحت تصرُّفه جاعلًا لها بيت مالٍ مُوحَّدٍ، فلمَّا وصل الإمام إلى بلاد كتامة وحلَّ في إيكجان، أمر بإحضار الأموال التي كانت عند الدُعاة وأُمراء القبائل والمشايخ، فأحضروها إليه فقبضها، وبعد ذلك نظَّم الجباية والضرائب والمُكوس، ثُمَّ شدَّ المال أحمالًا سيَّرها معه حيثُ استُخدمت لصالح الدولة. وقد أقام ديوانًا للماليَّة يُشرفُ على تسيير أُمورها، فانتعشت الدولة وبدأ فيها الرفاه.[232]

اعتنى الفاطميّون بالزراعة لأنَّها مورد مصر والشَّام الأوَّل. ومن أهم ما أنتجتهُ ضِفَّتا النيل الخصبتان: القمح، والذُرة، والقُطن، وقصب السُكَّر.[203] واشتهرت سواحلُ الشَّام بالحمضيَّات على أنواعها، كما اشتهرت سُفوحُ جبالها بالتُفَّاح، وكثُرت في سُهولها الداخليَّة أنواع العنب. كما عُرفت ألبانُ الشَّام وعسلها بالجودة.[233] وأهمُّ الصناعات الفاطميَّة كانت صناعة البناء، وصناعة الحفر على العاج والخشب، وصناعة التماثيل من البرونز والنُحاس. والمنسوجات صناعةٌ فاطميَّةٌ مشهورة، وقد كثُرت فيها صُور الحيوانات كالغزلان والأرانب والسِّباع، كما كانت تُزخرف بالخط العربي.[233]

ويُلاحظ أنَّ الفاطميين في هذا المجال خالفوا دُول الخِلافة السَّابقة عليهم، فقد استباحوا تصوير الكائنات والأشخاص على مُنتجاتهم وحرفيَّاتهم على عكس أهل السُنَّة، الذين كثيرًا ما تجنَّبوا ذلك خوفًا ممَّا جاءت به الأحاديث النبويَّة من مُعاقبة المصورين يوم القيامة، ولكن نظرًا لاختلاف تأويل بعض الأحاديث بين أهل السُنَّة والشيعة، ومُعارضة الفاطميين لعددٍ من التعاليم الفقهيَّة السُنيَّة، فقد زاولوا مهنة التصوير، وتأثَّرت مصنوعاتهم تأثُرًا كبيرًا بالمصنوعات الفارسيَّة الساسانيَّة القديمة.[234]

من أبرز الصناعات الفاطميَّة التي شاعت في الشَّام أيضًا: صناعة الثياب المُقصَّبة وصناعة الطنافس. وتفوَّقت مدينة صور بصناعة الخرز والزُجاج واستخراج السُكَّر، كما اشتهرت طرابلس بصناعة الورق للكتابة. وكانت مرافئ السَّاحل اللُبناني سوقًا رائجة لكُل المُنتجات الزراعيَّة والصناعيَّة، كما كانت مركزًا لتصديرها إلى مُدن حوضُ البحر المُتوسِّط.[233] ومن الصناعات الرائجة الأُخرى خلال العهد الفاطمي: صناعة الخزف وتجليد الكُتب والرسم على الأطباق المعدنيَّة. وقد نشطت هذه الصناعات بفعل رواج الحركة التجاريَّة، فقد كان التُجَّار يتنقلون بين مصر والشَّام شرقًا إلى العراق وفارس وخُراسان والهند والصين، وبين مصر والمُدن الأوروپيَّة، وخاصَّةً جنوة والبُندقيَّة في إيطاليا.[233]

أُصيب الازدهار الاقتصادي الفاطمي بنكسةٍ عظيمة زمن المُستنصر بالله، فأُصيبت البلاد بقحطٍ مُروعٍ أتى على الأخضر واليابس فعمَّت المسغبة البلاد وتضوَّر الناسُ جوعًا وقد أطلق المؤرخون على هـذا القحط اسم الشدَّة العُظمى لفظاعته وهوله، و«الشدَّة المُستنصريَّة» كونها وقعت في عهد المُستنصر. وآل الأمر إلى أن باع المُستنصر كُلَّ ما في قصره من ذخائر وثياب وأثاث وسلاح وغيره وصار يجلس على حصيرٍ، وتعطَّلت دواوينه وذهـب وقاره وكانت نساء القصور تخرجن ناشرات شعورهن تصحن «الجوع ! الجوع!» تردن المسير إلى العراق فتسقطن عند الُمصلى وتمتن جوعًا. واضطرَّ المستنصر إلى بيع حلية قبور آبائه حتَّى، واستمرَّ الوضع هكذا حتَّى انتهى القحط وتساقطت الأمطار وعاد النيلُ للجريان.[234]

 

مراجع:

176.‏ ابن تغري بردي ج5 1992, ‏p. ‏13‏

‏177.‏ ابن تغري بردي ج5 1992, ‏p. ‏9‏

‏178.‏ العبادي -, ‏p. ‏354‏-‏356‏

‏179.‏ الكامل في التاريخ - ابن الأثير - أحداث سنة 463 هـ (1) نسخة محفوظة 08 أغسطس 2014 ‏على موقع واي باك مشين.‏

‏180.‏ الكامل في التاريخ - ابن الأثير - أحداث سنة 463 هـ (2) نسخة محفوظة 08 أغسطس 2014 ‏على موقع واي باك مشين.‏

‏181.‏ الكامل في التاريخ - ابن الأثير - أحداث سنة 468 هـ نسخة محفوظة 04 مارس 2016 على ‏موقع واي باك مشين.‏

‏182.‏ العبادي -, ‏p. ‏357‏

‏183.‏ الحياري 1994, ‏p. ‏25‏

‏184.‏ تاريخ أفريقيا العام، المُجلَّدُ الثالث: أفريقيا من القرن السَّابع إلى القرن الحادي عشر. صفحة: ‏‏362 نسخة محفوظة 10 أغسطس 2014 على موقع واي باك مشين.‏

‏185.‏ ابن تغري بردي ج4 1992, ‏p. ‏122‏

‏186.‏ ابن تغري بردي ج4 1992, ‏p. ‏124‏-‏125‏

‏187.‏ العبادي -, ‏p. ‏330‏-‏331‏

‏188.‏ المقريزي ج1 1987, ‏p. ‏355‏

‏189.‏ المقريزي ج1 1987, ‏p. ‏335‏

‏190.‏ العبادي -, ‏p. ‏333‏

‏191.‏ انتصار الصليبيين في معركة عسقلان بفلسطين. صحيفة الجزيرة. تاريخ الولوج 26-07-2014. ‏نسخة محفوظة 08 مارس 2016 على موقع واي باك مشين.‏

‏192.‏ د. سعيد عبد الفتاح عاشور، الحركة الصليبية. القاهرة - مصر (2002)، صفحة 55.‏

‏193.‏ Jonathan Phillips, The Second Crusade: Extending the Frontiers of Christendom (Yale University Press, ‏2007‏), pp. ‏216‏‏227.‏

‏194.‏ عصر الوزراء العظام الفاطمي، تاريخ مصر، 12 آب 2011.‏

‏195.‏ إغاثة الأمة 2007, ‏p. ‏147‏-‏150‏

‏196.‏ أيمن فؤاد 1992, ‏p. ‏365‏-‏366‏

‏197.‏ أيمن فؤاد 1992, ‏p. ‏369‏-‏370‏

‏198.‏ المقريزي ج1 1987, ‏p. ‏490‏

‏199.‏ المقريزي ج1 1987, ‏p. ‏492‏

‏200.‏ أيمن فؤاد 1992, ‏p. ‏371‏

‏201.‏ جحا/البعلبكي/عثمان ج6 1992, ‏p. ‏34‏

‏202.‏ جريدة الوفد: فانوس رمضان.. له تاريخ! بقلم: عبَّاس الطرابيلي. تاريخ النشر: 29 يونيو 2014 ‏نسخة محفوظة 08 مارس 2016 على موقع واي باك مشين.‏

‏203.‏ جحا/البعلبكي/عثمان ج6 1992, ‏p. ‏38‏-‏39‏

‏204.‏ زغلول سلام ج1 -, ‏p. ‏259‏-‏294‏

‏205.‏ زغلول سلام ج1 -, ‏p. ‏295‏

‏206.‏ زغلول سلام ج1 -, ‏p. ‏298‏

‏207.‏ زغلول سلام ج1 -, ‏p. ‏425‏-‏426‏

‏208.‏ زغلول سلام ج1 -, ‏p. ‏451‏

‏209.‏ زغلول سلام ج1 -, ‏p. ‏473‏

‏210.‏ زغلول سلام ج1 -, ‏p. ‏503‏

‏211.‏ زغلول سلام ج1 -, ‏p. ‏203‏-‏205‏

‏212.‏ زغلول سلام ج1 -, ‏p. ‏207‏-‏209‏

‏213.‏ زغلول سلام ج2 -, ‏p. ‏37‏

‏214.‏ زغلول سلام ج2 -, ‏p. ‏10‏-‏16‏

‏215.‏ زغلول سلام ج2 -, ‏p. ‏87‏

‏216.‏ زغلول سلام ج2 -, ‏p. ‏97‏-‏123‏

‏217.‏ زغلول سلام ج2 -, ‏p. ‏196‏

‏218.‏ زغلول سلام ج2 -, ‏p. ‏125‏-‏157‏

‏219.‏ زغلول سلام ج2 -, ‏p. ‏247‏

‏220.‏ زغلول سلام ج2 -, ‏p. ‏328‏-‏341‏

‏221.‏ زغلول سلام ج2 -, ‏p. ‏479‏

‏222.‏ زغلول سلام ج2 -, ‏p. ‏45‏

‏223.‏ زغلول سلام ج2 -, ‏p. ‏391‏

‏224.‏ المقريزي ج1 1987, ‏p. ‏458‏-‏459‏

‏225.‏ زغلول سلام ج1 -, ‏p. ‏163‏

‏226.‏ المقريزي ج1 1987, ‏p. ‏408‏-‏409‏

‏227.‏ زغلول سلام ج1 -, ‏p. ‏164‏

‏228.‏ مصر الفاطمية.. الجامعة الإسلامية الكبرى نسخة محفوظة 05 مارس 2016 على موقع واي باك ‏مشين.‏

‏229.‏ زغلول سلام ج1 -, ‏p. ‏175‏

‏230.‏ الفاطمية في مصر... دولة علوم ومعارف نسخة محفوظة 15 يونيو 2017 على موقع واي باك ‏مشين.‏

‏231.‏ العلم والعلماء أيام الفاطميين نسخة محفوظة 05 مارس 2016 على موقع واي باك مشين.‏

‏232.‏ أمين، محمود حُسين (1418هـ - 1998م). بنو ملاعب في التاريخ (الطبعة الأولى). بيروت - ‏لُبنان: دار الروضة. صفحة 40 - 41.‏

‏233.‏ جحا/البعلبكي/عثمان ج6 1992, ‏p. ‏45‏

‏234.‏ المُسافر: الـحالـة الاقتصـادية في عهـد الفـاطمييـن نسخة محفوظة 27 مايو 2017 على موقع ‏واي باك مشين.‏

 

استمر...