محمد التیجانی السماوی (الجزء الثالث)

  • رقم الخبر 2360
  • المصدر: ar.rasekhoon.net

المخلص ن أهم الأبحاث التی أعتبرها الحجر الاساسی فی کل البحوث التی تقود إلى الحقیقة، هو البحث فی حیاة الصّحابة وشؤونهم وما فعلوه وما اعتقدوه. لأنهم عماد کل شیء. وعنهم أخذنا دیننا وبهم نستضیء فی الظلمات لمعرفة أحکام الله.


الصحابة عند الشیعة

یقول الاستاذ التیجانی:

"من أهم الأبحاث التی أعتبرها الحجر الاساسی فی کل البحوث التی تقود إلى الحقیقة، هو البحث فی حیاة الصّحابة وشؤونهم وما فعلوه وما اعتقدوه. لأنهم عماد کل شیء. وعنهم أخذنا دیننا وبهم نستضیء فی الظلمات لمعرفة أحکام الله، ولقد سبق لعلماء الإسلام ـ لقناعتهم بذلک ـ البحث عنهم وعن سیرتهم. فألّفوا فی ذلک کتباً عدیدة أمثال: (أسد الغابة فی تمییز الصحابة)، و(الاصابة فی معرفة الصحابة)، و(میزان الاعتدال)، وغیرها من الکتب التی تناولت حیاة الصحابة بالنّقد والتحلیل ولکنّها من وجهة نظر أهل السنّة والجماعة.

وثمة إشکال یتلخص فی أن العلماء الأوائل غالباً ما کانوا یکتبون ویؤرخون بالنحو الذی یوافق آراء الحکام من الأمویین والعباسیین الذین عرفوا بعدائهم لأهل البیت النبویّ، بل ولکل من یشایعهم ویتبع نهجهم، ولهذا فلیس من الانصاف الاعتماد على أقوالهم دون أقوال غیرهم من علماء المسلمین الذین اضطهدتهم تلک الحکومات وشرّدتهم وقتلتهم لأنهم کانوا أتباع أهل البیت وکانوا مصدر تلک الثورات ضد السلطات الغاشمة والمنحرفة.

والمشکل الأساسی فی کل ذلک هو الصحابة، فهم الذین اختلفوا فی أن یکتب لهم رسول الله ذلک الکتاب الذی یعصمهم من الضلالة إلى قیام السّاعة واختلافهم هذا هو الذی حرم الأمّة الإسلامیة من هذه الفضیلة ورماها فی الضلالة حتى انقسمت وتفرّقت وتنازعت وفشلت وذهبت ریحها.

وهم الذین اختلفوا فی الخلافة فتوزعوا بین حزب حاکم وحزب معارض وسبّب ذلک تخلّف الأمة وانقسامها إلى شیعة علی وشیعة معاویة، وهم الذین اختلفوا فی تفسیر کتاب الله وأحادیث رسوله فکانت المذاهب والفرق والملل والنحل، ونشأت من ذلک المدارس الکلامیة والفکریة المختلفة وبرزت فلسفات متنوعة أملتها دوافع سیاسیة محضة تتصل بطموحات الهیمنة على السلطة والحکم...

فالمسلمون لم ینقسموا ولم یختلفوا فی شیء لولا الصحابة وکل خلاف نشأ وینشأ إنما یعود إلى اختلافهم فی الصحابة. فالربّ واحد والقرآن واحد والرسول واحد والقبلة واحدة وهم متّفقون على ذلک، وبدأ الخلاف والاختلاف فی الصحابة من الیوم الأول بعد وفاة الرسول(صلى الله علیه وآله) فی سقیفة بنی ساعدة، واستمرّ إلى یوم الناس هذا وسیستمرّ إلى أن یشاء الله. وقد استنتجت من خلال الحدیث مع علماء الشیعة أنّ الصحابة فی نظرهم ینقسمون إلى ثلاثة أقسام:

فالقسم الأول: وهم الصحابة الاخیار الذین عرفوا الله ورسوله حق المعرفة وبایعوه على الموت وصاحبوه بصدق فی القول وباخلاص فی العمل، ولم ینقلبوا بعده، بل ثبتوا على العهد وقد امتدحهم الله جلّ جلاله، فی کتابه العزیز فی العدید من المواقع، وقد أثنى علیهم رسول الله فی العدید من المواقع أیضاً، والشیعة یذکرونهم باحترام وتقدیس ویترضّون علیهم کما یذکرهم أهل السنّة باحترام وتقدیس أیضاً.

والقسم الثانی: هم الصحابة الذین اعتنقوا الإسلام واتّبعوا رسول الله أمّا رغبة أو رهبة، وهؤلاء کانوا یمنّون اسلامهم على رسول الله، وکانوا یؤذونه فی بعض الأوقات ولا یمتثلون لأوامره ونواهیه بل یجعلون لآرائهم مجالا فی مقابل النصوص الصریحة حتى ینزل القرآن بتوبیخهم مرة وتهدیدهم أخرى وقد فضحهم الله فی العدید من الآیات وحذّرهم رسول الله أیضاً فی العدید من الأحادیث النبویّة والشیعة لا یذکرونهم إلاّ بأفعالهم بدون احترام ولا تقدیس.

أما القسم الثالث من الصحابة: فهم المنافقون الذین صحبوا رسول الله للکید له وقد أظهروا الإسلام وانطوت سرائرهم على الکفر، وقد تقرّبوا لیکیدوا للإسلام والمسلمین عامّة وقد أنزل الله فیهم سورة کاملة وذکرهم فی العدید من المواقع وتوعّدهم بالدرک الأسفل من النار، وقد ذکرهم رسول الله(صلى الله علیه وآله) وحذّر منهم وعلّم بعضاً من أصحابه أسماءهم وعلاماتهم، وهؤلاء یتّفق الشیعة والسنّة على لعنهم والبراءة منهم.

وهناک قسم خاصّ وإنْ کانوا من الصّحابة فهم یتمیّزون علیهم بالقرابة وبفضائل خلقیة ونفسیة وخصوصیات اختصّهم الله ورسوله بها لا یلحقهم فیها لاحق، وهؤلاء هم أهل البیت الذین أذهب الله عنهم الرجّس وطهّرهم تطهیراً(2) وأوجب الصلاة علیهم کما أوجبها على رسوله، وأوجب لهم سهم من الخمس(3) کما أوجب مودّتهم على کل مسلم کأجر للرّسالة المحمدیة(4)، فهم أولوا الأمر الذین أمر بطاعتهم(5) وهم الراسخون فی العلم الذین یعلمون تأویل القرآن ویعلمون المتشابه منه والمحکم(6)، وهم أهل الذکر الذین قرنهم رسول الله بالقرآن فی حدیث الثقلین وأوجب التمسّک بهما(7)، وجعلهم کسفینة نوح من رکبها نجا ومن تخلّف عنها غرق(8)، والصحابة یعرفون قدر أهل البیت ویعظّمونهم ویحترمونهم، والشیعة یقتدون بهم ویقدّمونهم على کل الصحابة [بل لا یقاس بهم أحد]، ولهم فی ذلک أدلّة من النصوص الصریحة.

أما أهل السنّة والجماعة مع احترامهم لأهل البیت وتعظیمهم وتفضیلهم إلاّ أنهم لا یعترفون بهذا التقسیم للصحابة ولا یعدّون المنافقین فی الصحابة، بل الصحابة فی نظرهم خیر الخلق بعد رسول الله. وإذا کان هناک تقسیم فهو من باب فضیلة السبق للإسلام والبلاء الحسن فیه، فیفضّلون الخلفاء الرّاشدون بالدرجة الاُولى ثم الستّة الباقین من العشرة المبشّرین بالجنة على ما یروونه. ولذلک تراهم عندما یصلّون على النبیّ وأهل بیته یلحقون بهم الصحابة أجمیعن بدون استثناء".

 

اختلاف المذاهب الأربعة فی الفقه:

یذکر التیجانی السماوی واقعة جرت له ومنها یتبین للجمیع من أین تستمد المذاهب فقهها بعد ترکهم لمذهب أهل البیت(علیهم السلام) یقول:

"فی إحدى قرى الجنوب التونسی وخلال حفل زفاف کانت النساء یتحدّثن عن فلانة زوجة فلان، واستغربت العجوزة الکبیرة التی کانت تجلس وسطهن وتسمع حدیثهنّ أن تکون فلانة قد تزوجت فلاناً ولمّا سألنها عن سبب استغرابها أخبرتهن بأنها أرضعت الإثنین فهما أخوان فی الرضاعة، ونقل النّسوة هذا النبأ العظیم إلى أزواجهن وتثبّت الرجال فشهد والد المرأة بأن ابنته أرضعتها تلک العجوز المعروفة لدى الجمیع بأنّها مرضعة کما شهد والد الزوج بأن ابنه أرضعته نفس المرضعة، وقامت قیامة العشیرتین وتقاتلوا بالعصی کلّ منهما تتهم الاخرى بأنها سبب الکارثة التی سوف تجرّهم إلى سخط الله وعقابه وخصوصاً وأنّ هذا الزواج مرّ علیه عشرة أعوام وأنجبت المرأة خلالها ثلاثة أطفال وقد هربت عند سماعها الخبر إلى بیت أبیها وامتنعت عن الأکل والشرب وأرادت الإنتحار لأنها لم تتحمّل الصدمة وکیف أنها تزوجت من أخیها وولدت منه وهی لا تعلم، وسقط عدد من الجرحى من العشیرتین وتدخّل أحد الشیوخ الکبار وأوقف المعارک ونصحهم بأن یطوفوا على العلماء لیستفتوهم فی هذه القضیة عسى أن یجدوا حلا.

فصاروا یتجوّلون فی المدن الکبرى المجاورة یسألون علماءها عن حلّ لقضیتهم وکلّما اتّصلوا بعالم وأطلعوه على الأمر أخبرهم بحرمة الزواج وضرورة تفریق الزوجین إلى الأبد وتحریر رقبة أو صیام شهرین إلى غیر ذلک من الفتاوى.

ووصلوا إلى قفصة وسألوا علماءها فکان الجواب نفس الشیء، لأنّ المالکیة کلهم یحرّمون الرضاعة ولو من قطرة واحدة اقتداء بالإمام مالک الذی قاس الحلیب على الخمر إذ أنّ (ما أسکر کثیره فقلیله حرام)، فتحرم الرضاعة ولو من قطرة واحدة من الحلیب، والذی وقع أن أحد الحاضرین اختلى بهم ودلّهم على بیتی قائلا لهم: اسألوا التیجانی فی مثل هذه القضایا فإنه یعرف کل المذاهب وقد رأیته یجادل هؤلاء العلماء عدّة مرّات فیبزّهم بالحجّة البالغة.

هذا ما نقله إلیّ زوج المرأة حرفیّاً عندما أدخلته إلى المکتبة وحکى لی کل القضیّة بالتفصیل من أوّلها إلى آخرها، وقال: "یا سیدی أنّ زوجتی ترید الإنتحار وأولادی مهملین ونحن لا نعرف حلاّ لهذه المشکلة وقد دلّونا علیک وقد استبشرت خیراً لمّا رأیت عندک هذه الکتب التی لم أشهد فی حیاتی مثلها فعسى أن یکون الحلّ عندک".

أحضرت له قهوة وفکّرت قلیلا ثم سألته عن عدد الرضعات التی رضعها هو من المرأة فقال: لا أدری غیر أنّ زوجتی رضعت منها مرّتین أو ثلاث وقد شهد أبوها بأنّه حملها مرّتین أو ثلاث مرات لتلک العجوز المرضعة، فقلت إذا کان هذا صحیحاً فلیس علیکما شیء والزواج صحیح وحلال محلّل، وارتمى المسکین علیّ یقبّل رأسی ویدیّ ویقول: بشّرک الله بالخیر لقد فتحت أبواب السکینة أمامی، ونهض مسرعاً ولم یکمل قهوته ولا استفسر منّی ولا طلب الدّلیل غیر أنّه استأذن للخروج حتى یسرع فیبشر زوجته وأولاده وأهله وعشیرته.

لکنه رجع فی الیوم التالی ومعه سبعة رجال وقدّمهم إلیّ قائلا: هذا والدی وهذا والد زوجتی والثالث هو عمدة القریة والرابع إمام الجمعة والجماعة والخامس هو المرشد الدّینی والسادس شیخ العشیرة والسابع هو مدیر المدرسة، وقد جاؤوا یستفسرون عن قضیة الرضاعة وبماذا حلّلتها؟

وأدخلت الجمیع إلى المکتبة وکنت أتوقّع جدالهم وأحضرت لهم القهوة ورحّبت بهم: قالوا إنّما جئناک نناقشک عن تحلیلک الرّضاعة وقد حرّمها الله فی القرآن، وحرّمها رسوله بقوله: یحرم بالرضاعة ما یحرم بالنّسب، وکذلک حرّمها الإمام مالک.

قلت: یا سادتی أنتم ما شاء الله ثمانیة وأنا واحد فإذا تکلّمت مع الجمیع فسوف لن أقنعکم وتضیع المناقشة فی الهامشیات، وإنّما اقترح علیکم اختیار أحدکم حتّى اتناقش معه وأنتم تکونون حکماً بینی وبینه!

وأعجبتهم الفکرة واستحسنوها، وسلّموا أمرهم إلى المرشد الدینی قائلین بأنّه أعلمهم وأقدرهم، وبدأ السید یسألنی کیف أحلّل ما حرّم الله ورسوله والأئمة؟!

قلت: أعوذ بالله أن أفعل ذلک! ولکنّ الله حرّم الرضاعة بآیة مجملة ولم یبیّن تفصیل ذلک وإنما أوکل ذلک إلى رسوله فأوضح مقصود الآیة بالکیف والکم.

قال: فإنّ الإمام مالک یحرّم الرضاعة من قطرة واحدة.

قلت: أعرف ذلک، ولکن الإمام مالک لیس حجّة على المسلمین وإلاّ فما هو قولک بالأئمة الآخرین؟

أجاب: رضی الله عنهم وأرضاهم فکلّهم من رسول الله ملتمس.

قلت: فما هو إذن حجتک عند الله فی تقلیدک الإمام مالک الذی یخالف رأیه نصّ الرسول(صلى الله علیه وآله)؟

قال محتاراً: سبحان الله أنا لا أعلم بأنّ الإمام مالک إمام دار الهجرة یخالف النصوص النبویّة، وتحیّر الحاضرون من هذا القول، واستغربوا منّی هذه الجرأة على الإمام مالک والتی لم یعهدوها من قبل فی غیری واستدرکت قائلا: هل کان الإمام مالک من الصحابة؟ قال: لا، قلت هل کان من التابعین؟ قال: لا، وإنّما هو من تابعی التابعین. قلت: فأیهما أقرب هو أم الإمام علیّ بن أبی طالب؟

قال: الإمام علیّ أقرب فهو من الخلفاء الراشدین، وتکلّم أحد الحاضرین قائلا: سیدنا علیّ کرّم الله وجهه هو باب مدینة العلم.

فقلت: فلماذا ترکتم باب مدینة العلم واتبعتم رجلا لیس من الصحابة ولا من التابعین وإنما ولد بعد الفتنة وبعدما أبیحت مدینة رسول الله لجیش یزید وفعلوا فیما ما فعلوا وقتلوا خیار الصحابة وانتهکوا فیها المحارم، وغیروا سنّة الرّسول ببدع ابتدعوها، فکیف یطمئنّ الإنسان بعد ذلک إلى هؤلاء الأئمّة الّذین رضیت عنهم السلطة الحاکمة لأنّهم أفتوها بما یلائم أهواءهم.

وتکلّم أحدهم وقال: سمعنا أنّک شیعی تعبد الإمام علیّاً فلکزه صاحبه الذی کان بجانبه لکزة أوجعته وقال له: أسکت أما تستحی أن تقول مثل هذا القول لرجل فاضل مثل هذا وقد عرفت العلماء وحتّى الآن لم ترعینی مکتبة مثل هذه المکتبة، وهذا الرجل یتکلّم عن معرفة ووثوق ممّا یقول!

أجبته قائلا: أنا شیعی هذا صحیح ولکنّ الشیعة لا یعبدون علیّاً وإنما عوض أن یقّلدوا الإمام مالک فهم یقلّدون الإمام علیّاً لأنّه باب مدینة العلم حسب شهادتکم، قال المرشد الدینی: وهل حلّل الإمام علیّ زواج الرضیعین؟ قلت: لا ولکنّه یحرّم ذلک إذا بلغت الرضاعة خمس عشرة رضعة مشبعات ومتوالیات، أو ما أنبت لحماً وعظماً. وتهلّل وجه والد الزوجة وقال: الحمد لله فابنتی لم ترضع إلاّ مرتین أو ثلاث مرّات فقط، وإنّ فی قول الإمام علیّ هذا مخرجاً لنا من هذه الورطة ورحمة لنا من الله بعد أن یئسنا.

فقال المرشد: أعطنا الدلیل على هذا القول حتّى نقتنع; فأعطیتهم کتاب منهاج الصالحین للسید الخوئی، وقرأ هو بنفسه علیهم باب الرضاعة، وفرحوا بذلک فرحاً عظیماً وخصوصاً الزوج الذی کان خائفاً أن لا یکون لدیّ الدلیل المقنع، وطلبوا منّی إعارتهم الکتاب حتّى یحتجّوا به فی قریتهم فسلّمته إلیهم وخرجوا مودّعین داعین معتذرین.

وبمجرّد خروجهم من بیتی التقى بهم أحد المناوئین وحملهم إلى بعض علماء السّوء فخوّفوهم وحذّروهم بأنّی عمیل لإسرائیل وأنّ کتاب منهاج الصالحین الذی أعطیتهم إیّاه کلّه ضلالة وأنّ أهل العراق هم أهل الکفر والنّفاق وأنّ الشیعة مجوس یبیحون نکاح الأخوات فلا غرابة إذن فی إباحتی لهم نکاح الأخت من الرضاعة إلى غیر ذلک من التّهم والأراجیف وما زال بهم یحذّرهم حتّى ارتدّوا على أعقابهم وأنقلبوا بعد اقتناعهم.

وأجبروا الزوج أن یقوم بقضیة عدلیة فی الطلاق لدى المحکمة الإبتدائیة فی قفصة وطلب منهم رئیس المحکمة أن یذهبوا للعاصمة ویتّصلوا بمفتی الجمهوریة لیحلّ هذا الإشکال، وسافر الزوج وبقی هناک شهراً کاملا حتّى تمکن من مقابلته وقصّ علیه قصّته من أولها لآخرها وسأله مفتی الجمهوریة عن العلماء الذین قالوا بحلّیة الزواج وصحته وأجاب الزوج بأنه لیس هناک من قال بحلّیته غیر شخص واحد هو التیجانی السماوی وسجّل المفتی اسمی وقال للزوج: ارجع أنت وسوف أبعث أنا برسالة إلى رئیس المحکمة فی قفصة، وبالفعل جاءت الرسالة من مفتی الجمهوریة واطّلع علیها وکیل الزوج وأعلمه بأن مفتی الجمهوریة حرّم ذلک الزواج.

هذا ما قصّه علیّ زوج المرأة الذی بدا على الضعف والإرهاق من کثرة التعب وهو یعتذر إلیّ لما سبّبه لی من إزعاج وحرج، فشکرته على عواطفه متعجّباً کیف یُبطل مفتی الجمهوریة الزواج القائم فی مثل هذه القضیة، وطلبت منه أن یأتنی برسالته التی بعثها إلى المحکمة حتى أنشرها فی الصحف التونسیة وأبیّن أن مفتی الجمهوریة یجهل المذاهب الإسلامیة ولا یعرف اختلافهم الفقهی فی مسألة الرضاعة.

وقال الزوج بأنّه لا یمکنه أن یطّلع على ملفّ قضیّته فضلا عن أن یأتینی برسالة منه، وافترقنا.

وبعد بضعة أیام جاءتنی دعوة من رئیس المحکمة وهو یأمرنی بإحضار الکتاب والأدلّة على عدم بطلان ذلک الزواج بین (الرضیعین)!، وذهبت محمّلا بعدّة مصادر انتقیتها مسبّقاً ووضعت فی کلّ منها بطاقة فی باب الرضاعة لیسهل تخریجه فی لحظة واحدة، وذهبت فی الیوم والساعة المذکورة واستقبلنی کاتب الرئیس وأدخلنی إلى مکتب الرّئیس وفوجئت برئیس المحکمة الإبتدائیة ورئیس محکمة الناحیة ووکیل الجمهوریة ومعهم ثلاثة أعضاء وکلهم یرتدون لباسهم الخاص للقضاء وکأنّهم فی جلسة رسمیة، ولاحظت أیضاً أن زوج المرأة یجلس فی آخر القاعة قبالهم، وسلّمت على الجمیع فکانوا کلّهم ینظرون إلی بإشمئزاز وإحتقار ولمّا جلست کلّمنی الرئیس بلهجة خشنة قائلا:

ـ أنت هو التیجانی السماوی؟ قلت: نعم.

ـ قال: أنت الذی أفتیت بصحّة الزواج فی هذه القضیة؟

ـ قلت: لا لست أنا بمفت، ولکنّ الأئمة وعلماء المسلمین هم الذین أفتوا بحلّیته وصحّته!

ـ قال: ومن أجل ذلک دعوناک، وأنت الآن فی قفص الإتّهام، فإذا لم تثبت دعواک بالدّلیل فسوف نحکم بسجنک وسوف لن تخرج من هنا إلاّ إلى السجن.

وعرفت وقتها أنّنی بالفعل فی قفص الإتّهام، لا لأننی أفتیت فی هذه القضیة، ولکن لأنّ بعض علماء السّوء حدّث هؤلاء الحکام بأنّنی صاحب فتنة وأنّنی أسبّ الصحابة وأبثّ التشیّع لآل البیت النبوی، وقد قال له رئیس المحکمة إذا أتیتنی بشاهدین ضدّه فسوف ألقیه فی السجن.

أضف إلى ذلک فأنّ جماعة الإخوان المسلمین استغلّوا هذه الفتوى وروّجوا لدى الخاص والعام بأنّنی أبیح نکاح الأخوات وهو قول الشیعة على زعمهم!

کل ذلک عرفته من قبل وتیقنته عندما هدّدنی رئیس المحکمة بالسجن فلم یبق أمامی إلاّ التحدّی والدفاع عن نفسی بکل شجاعة فقلت للرئیس: هل لی أنت أتکلّم بصراحة وبدون خوف.

قال: نعم تکلّم فأنت لیس لک محام...

قلت: قبل کل شیء أنا لم أنصّب نفسی للإفتاء، ولکن ها هو زوج المرأة أمامکم فاسألوه، فهو الذی جاءنی إلى بیتی یطرق بابی ویسألنی، فکان واجباً علیَّ أن أجیبه بما أعلم وقد سألته بدوری عن عدد الرضعات ولمّا أعلمنی بأنّ زوجته لم ترضع غیر مرّتین أعطیته وقتها حکم الإسلام فیها، فلست أنا من المجتهدین ولا من المشرّعین.

قال الرئیس: عجباً، أنت الآن تدّعی أنک تعرف الإسلام ونحن جهله!

قلت: أستغفر الله أنا لم أقصد هذا، ولکن کل الناس هنا یعرفون مذهب الإمام مالک ویتوقّفون عنده، وأنا فتّشت فی کلّ المذاهب ووجدت حلاّ لهذه القضیة.

قال الرئیس: أین وجدت الحل؟

قلت: قبل کل شیء هل لی أن أسألکم سؤالا یا سیدی الرئیس؟

قال: اسأل کل ما ترید.

ـ قلت: ما قولکم فی المذاهب الإسلامیة؟

قال: کلّها صحیحة، فکلّهم من رسول الله ملتمس، وفی اختلافهم رحمة.

قلت: فارحموا إذن هذا المسکین "مشیراً إلى زوج المرأة" الذی قضى الآن أکثر من شهرین وهو مفارق لزوجه وولده بینما هناک من المذاهب الإسلامیة من حلّ مشکلته.

فقال الرئیس مغضباً: هات الدّلیل وکفاک تهریجاً، نحن سمحنا لک بالدفاع عن نفسک فأصبحت محامیاً لغیرک.

فأخرجت له من حقیبتی کتاب منهاج الصالحین للسید الخوئی وقلت: هذا مذهب أهل البیت وفیه الدّلیل وقاطعنی قائلا: دعنا من مذهب أهل البیت فنحن لا نعرفه ولا نؤمن به.

کنت متوقّعاً هذا ولذلک أحضرت معی بعد البحث والتنقیب عدّة مصادر لأهل السنّة والجماعة وکنت رتّبتها حسب علمی فوضعت البخاری فی المرتبة الأولى ثم صحیح مسلم وبعده کتاب الفتاوى لمحمود شلتوت وکتاب بدایة المجتهد ونهایة المقتصد لابن رشد، وکتاب زاد المسیر فی علم التفسیر لابن الجوزی وعدّة مصادر أخرى من کتب (أهل السنّة).

ولمّا رفض الرئیس أن ینظر فی کتاب السید الخوئی سألته عن الکتب التی یثق بها.

قال: البخاری ومسلم.

وأخرجت صحیح البخاری وفتحته على الصفحة المعینة وقلت: تفضلّ یا سیدی اقرأ.

ـ قال: اقرأ أنت؟

وقرأت: حدّثنا فلان عن فلان عن عائشة أم المؤمنین قالت توفیّ رسول الله(صلى الله علیه وآله)ولم یحرّم من الرضعات إلاّ خمسة فما فوق.

وأخذ الرئیس منی الکتاب وقرأ بنفسه وأعطاه إلى وکیل الجمهوریة بجانبه وقرأ هو الآخر وناوله لمن بعده فی حین أخرجت صحیح مسلم وأطلعته على نفس الأحادیث ثم فتحت کتاب الفتاوى لشیخ الأزهر شلتوت وقد ذکر هو الآخر اختلافات الأئمة فی مسألة الرضاعة فمنهم من ذهب إلى القول بأن المحرّم ما بلغ خمس عشرة رضعة ومنهم من قال بسبعة ومنهم من حرّم فوق الخمسة عدا مالک الذی خالف النصّ وحرّم قطرة واحدة ثم قال شلتوت: وأنا أمیل إلى أوسط الآراء فأقول سبعة فما فوق، وبعد ما اطلع رئیس المحکمة على کل ذلک قال: یکفی ثم التفت إلى زوج المرأة وقال له: اذهب الآن وأتنی بوالد زوجتک لیشهد أمامی بأنها رضعت مرتین أو ثلاثة وسوف تأخذ زوجتک معک هذا الیوم...

وطار المسکین فرحاً، واعتذر وکیل الجمهوریة وبقیة الأعضاء الحاضرین للإلتحاق بأعمالهم وأذن لهم الرئیس، ولمّا خلا بنا المجلس التفت إلیّ معتذراً، وقال: سامحنی یا أستاذ لقد غلّطونی فیک وقالوا فیک أشیاءً غریبة وأنا الآن عرفت بأنهم حاسدون ومغرضون یریدون بک شراً.

وطار قلبی فرحاً بهذا التحوّل السّریع وقلت: الحمد لله الذی جعل نصری على یدیک یا سیدی الرئیس.

فقال: سمعت بأنّ عندک مکتبة عظیمة فهل یوجد فیها کتاب حیاة الحیوان الکبرى للدمیری؟

قلت: نعم، قال: هل تعیرنی إیّاه، فقد مضى عامان وأنا أبحث عنه: قلت: هو لک یا سیدی متى أردت.

قال: هل عندک وقت یسمح لک بالمجیء إلى مکتبتی لنتحدث وأستفید منک.

قلت: أستغفر الله فأنا الذی أستفید منک، فأنت أکبر منی سنّاً وقدراً، وعندی أربعة أیام راحة فی الأسبوع وأنا رهن إشارتک.

واتفقنا على یوم السبت من کل أسبوع لأنّه لیس له جلسات للمحکمة فی ذلک الیوم. وبعدما طلب منّی أن أترک له کتاب البخاری ومسلم وکتاب الفتاوى لمحمود شلتوت لکی یحرّر منهم النصّ قام بنفسه وأخرجنی من مکتبه مودّعاً.

وخرجت فرحاً أحمد الله سبحانه على هذا النّصر وقد دخلت خائفاً مهدّداً بالسجن وخرجت وقد انقلب رئیس المحکمة إلى صدیق حمیم یحترمنی ویطلب منّی مجالسته لیستفید منی. إنها برکات طریق أهل البیت الذین لا یخیب من تمسّک بهم ویأمن من لجأ إلیهم.

وتحدث زوج المرأة فی قریته وشاع الخبر فی کلّ القرى المجاورة بعدما رجعت المرأة إلى بیت زوجها وانتهت القضیة بحلّیة الزواج، فأصبح الناس یقولون بأنّی أعلم من الجمیع وأعلم حتى من مفتی الجمهوریة.

وقد جاء زوج المرأة إلى البیت ومعه سیارة کبیرة ودعانی إلى القریة أنا وکل عائلتی وأعلمنی بأنّ کل الأهالی ینتظرون قدومی وسیذبحون ثلاثة عجول لإقامة الفرح واعتذرت إلیه بسبب انشغالی فی قفصة وقلت له: سوف أزورکم مرّة أخرى إن شاء الله.

وتحدّث رئیس المحکمة إلى أصدقائه واشتهرت القضیة ورد الله کید الکائدین وجاء بعضهم معتذرین وقد فتح الله بصیرة البعض منهم فاستبصروا وأصبحوا من المخلصین، ذلک فضل الله یؤتیه من یشاء والله ذو الفضل العظیم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمین وصلّى الله على سیدنا محمّد وعلى آله الطیبین الطاهرین.

 

المصادر :

کتاب ثم اهتدیت للامام السید محمد التیجانی الحلقة الأولى ص 9 ، 10، 11

1- فصلت: 17.

2- الأحزاب: 33.

3- الأنفال: 41.

4- الشورى: 23.

5- النساء: 59.

6- آل عمران: 7.

7- حدیث الثقلین; ومن مصادره، کنز العمال: 1 / 44، مسند أحمد: 5 / 182.

8- حدیث السفینة; المستدرک للحاکم: 3 / 151، تلخیص الذهبی، الصواعق المحرقة لابن حجر: 184 و234.

 

المصدر: راسخون

https://ar.rasekhoon.net