مظاهر الثقافة الإسلامية العربية في تنبكتو وغاوو وجنّي في عهد الأساكي(2)

  • رقم الخبر 2393
  • المصدر: مجلة قراءات

المخلص لقد تأثرت مناهج التعليم في السودان الغربي عموماً بمنهج المغرب، حيث كان العرف الجاري في التعليم أن يبدأ التلميذ بالكتّاب فيتعلم القراءة فقط في أوّل أمره.


المبحث الثالث: مناهج التعليم والمواد الدراسية(44):

لقد تأثرت مناهج التعليم في السودان الغربي عموماً بمنهج المغرب، حيث كان العرف الجاري في التعليم أن يبدأ التلميذ بالكتّاب فيتعلم القراءة فقط في أوّل أمره، فإذا وصل إلى مرحلة يستطيع فيها أن يميز بين الحروف ويستطيع أن يقرأ باجتهاده الشخصي؛ بدأ المؤدّب يعلّمه الكتابة، وهذه هي مرحلة التعليم الأولي، وفيها يحفظ التلميذ القرآن كله أو نصفه، حسب قدرته وذكائه، وقد يتعلم فيها بعض المبادئ الفقهية.

ثم تأتي المرحلة العالية، وتكون الدراسة في هذه المرحلة في الجوامع والمدارس، ففي الجوامع يجلس الطلبة على شكل نصف دائرة حول الشيخ، ويكون من بينهم من يقرأ ويتولى الأستاذ الشرح، وكان هذا الطالب القارئ يُسمى (المسرد), ويمكن لغير طلبة المجلس أن يحضروا لسماع الدرس بلا مانع، بينما تكون المدارس خاصة للمتعلمين.

وفي هذه المرحلة يتعلم الطالب النحو، واللغة، والفقه، وسائر علوم الشريعة، ثم يتدرّج في تعلم العلوم الأخرى حسب ميله، ومعالم نهاية هذه المرحلة غير محددة ولا واضحة، وإنما ذلك راجع إلى الأستاذ، فهو الذي يجيز من يجيز من طلبته، إما إجازة عامة أو خاصة.

وهذا الشيخ أحمد بابا يشير لنا هنا إلى طريقة الأخذ في هذه المرحلة في حديثه عن ملازمته لشيخه محمد بغيوغو، فيقول: (لازمته أكثر من عشر سنين فقرأت عليه بلفظي مختصر خليل، وابن الحاجب قراءة بحث وتحقيق وتحرير ختمتها عليه، أما خليل فمراراً عديدة نحو عشر مرات أو ثمان بقراءتي وقراءة غيري، وحضرت عليه التوضيح كذلك، وختمت عليه الموطأ قراءة تفهم، وحضرته كثيراً في المنتقى والمدونة بشرح المحلى ثلاث مرات، وألفية العراقي في علم الحديث مع شرحها، وحضرتهما عليه مرة أخرى.

وختمت عليه تلخيص المفتاح مرتين بمختصر السعد، وصغرى السنوسي ومع شرح زروق عليه، ونظم ابن مقرعة، والهاشمية في التنجيم مع شرحها ومقدمة التاجوري فيه، ورجز المغيلي في المنطق، والخزرجية في العروض بشرح الشريف، والدماميني، وكثيراً من تحفة الحكام لابن عاصم في الأحكام مع شرح ولده عليه.

وسمعت بقراءته هو كثيراً من البخاري, ودولاً من مدخل ابن الحاج بقراءة غيري، ودروساً من الرسالة والألفية وغيرهما، وسمعت بلفظه جامع معيار الونشريسي كاملاً... وباحثته كثيراً في المشكلات، وراجعته طويلاً في المهمات... وهو شيخي وأستاذي، ما انتفعت بأحد انتفاعي به وبكتبه... وأجازني جميع ما يجوز له ومنه، وكتب لي بخطه في ذلك)(45).

فهذا الكلام المنقول يوضح لنا منهج الأخذ والتعلم في المرحلة العالية، كما استفدنا منه نوع الكتب التي كانت تدرّس في مدارس مملكة سنغاي ومساجدها آنذاك، ونوع العلوم والفنون التي كانت سائدة وقتئذ، فقد كفانا عرض الكتب والفنون التي كانت مقررة والحمد لله.

وأما الإجازة التي تحدّث عنها أحمد بابا هنا، فهي مثل شهادة التخرج اليوم، وهي إقرار الأستاذ بأهلية الطالب وتحصيله التام لفن من الفنون، قال محمد الغربي: (ولقد وجدت في الواقع ثلاث درجات للإجازة، وهي:

شهادة السماع: وتعني أنّ الطالب تتبع أقوال العالم وحفظها.

وشهادة العرض: أي سرد الطالب على أستاذه  مع استذكاره للنصوص ومعرفته بشروحها.

ثم الإجازة الكاملة: وهي أن يصل الطالب إلى المرحلة التي يستطيع معها ذكر الأسانيد وإرجاعها لمصدرها الأول وذكر الفوارق في الروايات بعد الإلمام بفن معين من الفنون، ولكن هذه الإجازة لا تعطى إلا في أحوال نادرة، فلكي تعطى لا بدّ أن يطمئن الأستاذ إلى بلوغ الطالب مرحلة التعليق والمناقشة والاجتهاد، وقد يكون على المُجاز أن يُلقي درساً بمحضر أستاذه؛ لتحصل لديه القناعة بالحكم الذي سيصدره والشهادة التي سيشهد بها (46).

 

المبحث الرابع: الكتب والمكتبات وأثرها في نشر الثقافة الإسلامية العربية في عهد الأساكي:

لقد كان من أهم العوامل التي ساعدت على نشاط الحركة العلمية في مملكة سنغاي توفر الكتب والمكتبات العامة والخاصة، حيث اعتنى أهل سنغاي باقتناء الكتب واستنساخها، واستوى في ذلك العلماء والملوك والتجار(47)، فقد كان التجار يجلبونها من جميع الأماكن, قال الحسن ابن الوزان: (إن تجارة الكتب في هذه البلاد كانت تدر أرباحاً طائلة،  بحيث فاقت الأرباح الناتجة عن العمل في أي تجارة أخرى)(48).

وقد كانت معظم هذه الكتب ترد بلاد السودان الغربي من بلاد البربر، وكان حكام سنغاي يشجعون على تحصيل العلوم الإسلامية العربية، كما كانوا يشجعون على اتخاذ المكتبات واقتناء الكتب، ولا سيما أسكيا داود الذي يبدو أنّه كان أول من اهتم بإنشاء المكتبات العامة من بين الأساكي، فكانت له مكتبة ضخمة رفيعة الشأن، وكان من عادته شراء نسخ من المخطوطات والكتب التي تصل إلى بلاد السودان الغربي، واتخذ مجموعة كبيرة من الكتّاب والنساخ، مهمتهم نسخ هذه المخطوطات والكتب, ثم توزيعها على المعلمين وكبار العلماء والطلاب والمكتبات العامة، وكان يقوم هو نفسه بتوزيعها(49).

وفي اهتمام أسكيا داود بالكتب والمكتبات قال محمود كعت: (كان أسكيا داود سلطاناً مهيباً فصيحاً خليقاً للرئاسة، كريماً جواداً... وهو أول من اتخذ خزائن المال، حتّى خزائن الكتب، وله نسّاخ ينسخون له كتباً، وربما يهادي به العلماء)(50).

ومن الأساكي الذين اهتموا بالكتب والمكتبات أسكيا محمد بان، كانت له مكتبة خاصة, وكان له نسّاخ يرأسهم العالم أحمد بن دنبسل الفلاتي المتوفى سنة 995ه(51).

وقد كان من أهم المكتبات في السودان الغربي تلك التي امتلكتها آل آقيت, وعلى رأسهم أحمد بن عمر بن محمد آقيت، ثم ابنه أحمد بن أحمد بن عمر بن محمد آقيت, قال أحمد بابا : (أنا أقل عشيرتي كتباً، وقد نصب لي ست عشرة مائة مجلد)(52).

ومن أهم المكتبات أيضاً خزانة العالم الفقيه محمد بن محمود بن أبي بكر الونكري، وكانت خزانته عظيمة، تحتوي على كل غريب ونفيس, قال أحمد بابا: (إنه بذل نفائس الكتب الغريبة الغزيرة لأهل العلم)(53).

ومن مميزات هذه الخزانة أنّ صاحبها كان يعير الكتب لطلبة العلم من غير قيد ولا شرط، وإن لم يكن يعرف الطالب، إيثاراً لوجه الله تعالى، قال أحمد بابا: (جئت يوماً أطلب منه كتب نحو, ففتش في داره, فأعطاني كلّ ما ظفر به منها)(54).

هكذا كان حال العلماء في عهد الأساكي، من حيث الجمع بين العلم والورع  والتقوى والإيثار، فانتعش بذلك العلم, وازدادت الحركة العلمية، كما تصدى علماء تنبكتو لشرح أمهات الكتب والتعليق عليها، كما قاموا بالتأليف في جميع المجالات العلمية: في التاريخ, والرحلات، والتراجم، والنحو، واللغة، والفقه، وغيرها، وكانت لأسرة آقيت من ذلك نصيب الأسد.

هذا، ونذيل حديثنا عن اهتمام أهل سنغاي بالكتب والمكتبات بعرض بعض المؤلفات لعلماء السودان الغربي:

تاريخ الفتاش في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس وذكر وقائع التكرور وعظائم الأمور وتفريق أنساب العبيد من الأحرار, للمؤرخ الكبير محمود كعت، ولد في عام 1548م في منطقة غورما غرب غاوو وراء النهر، وقد عاصر هذا المؤرخ أسكيا الحاج محمد الكبير في بدء شبابه، ثم انتقل إلى تنبكتو لطلب العلم, توفي سنة 1593م(55).

تاريخ السودان, للشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن عمران بن عامر السعدي، ولد عام 1596م، تلقى العلم في تنبكتو، واهتم بالتاريخ منذ شبابه, قال في كتابه هذا: (ولما رأيت انقراض ذلك العلم ودروسه، وذهاب ديناره وفلوسه، وإنه كبير الفوائد، كثير الفرائد؛ لما فيه من معرفة المرء بأخبار وطنه وأسلافه وطبقاتهم وتواريخهم ووفياتهم، فاستعنت بالله – سبحانه -  في كتب ما رويت عن ذكر ملوك أهل سغي)(56).

ذكرة النسيان في أخبار ملوك السودان, لمؤلف مجهول، كان يعيش في تنبكتو، وبها تعلم العلم، كلّفه الباشا أبو بكر بوضع كتاب في تاريخ السودان يكمل به عمل السعدي، وقد فرغ من تأليفه في 19 يوليو عام 1751م(57).

نيل الابتهاج بتطريز الديباج, لأحمد بابا التنبكتي، وهو هامش على كتاب الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، لبرهان الدين إبراهيم بن فرحون، وقد جاء هذا الهامش أكبر من الكتاب نفسه، بدأ أحمد بابا تأليفه في تنبكتو, وأتمه في مراكش، ثم وضع له تكملة سماها (تكملة الديباج) في ثمانية عشر جزءاً، اشتملت على تراجم أئمة المذهب المالكي، ثم جعل لتلك التكملة ذيلاً سمّاه (كفاية المحتاج لمعرفة من ليس بالديباج) أو (ذيل الابتهاج بالذيل على الديباج)(58).

وقد فاقت مؤلفات أحمد بابا الأربعين، أضف إليها مؤلفات سائر أفراد أسرته, ومؤلفات شيخه محمد بن محمود بن أبي بكر الونكري المعروف ببغيوغو.

 

خاتمة:

توصلنا من خلال هذا العرض المتواضع لمظاهر الثقافة الإسلامية العربية في تنبكتو وغاوو وجنّي في عهد الأساكي إلى النتائج الآتية:

أولاً: أهمية تنبكتو وغاوو وجنّي، حيث كانت مراكز دينية وثقافية, انطلقت منها الثقافة الإسلامية العربية في السودان الغربي، وهو ما تشهد له دلائل تاريخية عديدة.

ثانياً: الكشف عن جهابذة من علماء سنغاي وغيرهم ممن وردوا على السودان الغربي، وساهموا مساهمة فعالة في رفع مستوى الوعي الديني والثقافي تحت عناية الأساكي، كما ساهموا في إثراء المكتبات الإسلامية بأفكارهم النيرة، وأقلامهم السيالة، فكانت بيوتهم محط رحال العلماء وطلاب العلم الذين أتوا إليهم من كل مكان.

ثالثاً: بيان الدور الرئيس الذي كانت المساجد والمدارس تؤديه في التربية والتعليم، فاشتهرت من المساجد مسجد سنكوري، ومسجد جتغراي بير في تنبكتو، ومسجد جنّي، والمسجد الكبير في غاوو, اشتهرت هذه المساجد كجامعات إسلامية عالمية، ولا سيما جامع سنكوري الذي قل من لم يدرس فيه من مشاهير علماء تنبكتو من أسرة آقيت، وأسرة اندغ محمد.

رابعاً: الكشف عن المناهج التعليمية, والمواد الدراسية, والكتب السائدة آنذاك، ابتداء  من مرحلة تعليم القراءة والكتابة, إلى مرحلة البحث والنظر والمناقشة، كما تطرق البحث إلى كيفية الإجازة ودرجاتها، فوجد أنها كانت تنحصر في ثلاث درجات:

شهادة السماع.

شهادة العرض.

الإجازة الكاملة.

خامساً: بيان أثر الكتب والمكتبات في نشر الثقافة الإسلامية العربية في عهد الأساكي، حيث كثرت المكتبات العامة والخاصة في كل من تنبكتو وغاوو ذجنّي، بفضل تشجيع الأساكي على ذلك، ولا سيما أسكيا داود الذي كلن مولعاً بشراء الكتب ونسخها وتوزيعها على العلماء والمكتبات، وكذلك أسكيا محمد بان الذي سار على نهج أسكيا داود في اقتناء الكتب واستنساخها، فانتعشت  تجارة الكتب في هذه المراكز الثقافية، ونفقت فيها أسواقها، حيث كانت الكتب تدر الأرباح على التجار أكثر من كل بضاعة أخرى.

كما تطرق العرض إلى بعض مؤلفات السودان، كتاريخ الفتاش للمؤرخ الكبير محمود كعت، وتاريخ السودان لعبد الرحمن السعدي، (وتذكرة النسيان في أخبار ملوك السودان) لمؤلف مجهول من أهل تنبكتو، وبعض مؤلفات  العالم الكبير أحمد بابا التنبكتي كالنيل والتكملة.

سادساً: بيان دور الأساكي في نشر الثقافة العربية الإسلامية في السودان الغربي؛ وذلك أنهم كانوا علماء، فأحبوا العلم وأهله، وأعفوا العلماء من كل وظائف السلطنة، كما استعانوا بالعلماء من كل مكان لتأسيس دولتهم على العلم والإيمان، حيث كانوا يحكمون بالكتاب والسنّة، ففتح الله على أيديهم قلوب العباد قبل أبواب البلاد.

وأخيراً، فقد توصلنا إلى نتيجة جديرة بالذكر، وهي أنّ شعب سنغاي رغم تمكن الإسلام في قلوبهم، واستماتتهم في الدفاع عن القرآن ولغته، لم تستطع اللغة العربية أن تسيطر على لغتهم، فقد ظلوا متمسكين بلغتهم الأم، فتجد الواحد منهم يستطيع أن يقرأ القرآن أو غيره ويفسره بلغته المحلية حسبما تلقاه عن شيخه, ولكنّه لا يجيد التحدّث باللغة العربية, فالحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة.

 

المصادر

بداية الحكم المغربي في السودان الغربي, لمحمد الغربي.

تاريخ السودان, للشيخ عبد الرحمن السعدي.

تاريخ الفتاش، للمؤرخ الكبير محمود كعت.

الحياة العلمية في دولة سنغاي خلال الفترة 842 - 100ه / 1464 - 1591م - رسالة ماجستير، نوقشت في جامعة أم القرى بمكة المكرمة سنة 1413 ه / 1993م، إعداد محمد ألفا جالو.

العلاقات بين المغرب الأقصى والسودان الغربي في عهد السلطنتين الإسلاميتين؛ مالي وسنغاي، للشيخ الأمين محمد عوض الله.

نيل الابتهاج بتطريز الديباج, لأحمد بابا التنبكتي.

 

المراجع:

(44)محمد الغربي, ص 549 - 554.

(45)أحمد بابا التنبكتي، نيل الابتهاج بتطريز الديباج, ص 602، والسعدي، تاريخ السودان, ص 46.

(46)محمد الغربي, ص 554.

(47)المرجع السابق, ص 556.

(48)الحسن بن الوزان، وصف إفريقيا, 2 / 167.

(49)محمد ألفا جالو, ص 72 - 75.

(50)محمود كعت، تاريخ الفتاش، ص 94.

(51)محمد ألفا جالو, ص 75.

(52)المرجع السابق,  ص 76.

(53)أحمد بابا، نيل الابتهاج,  ص 600.

(54)المصدر السابق,  ص 600.

(55)محمد الغربي,  ص 531.

(56)السعدي، تاريخ السودان, ص 2.

(57)محمد الغربي, ص 536.

(58)نفسه, ص 540 - 541.

 

المصدر: مجلة قراءات، العدد 3، ذو الحجة 1429هجري سبتمبر 2008 ميلادي

د. محمد حمد كنان ميغا