سلطنة مقديشو الإسلامية من خلال رحلة ابن بطوطة

  • رقم الخبر 2406
  • المصدر: کتاب "رحلة ابن بطوطة"

المخلص تقع مقديشو على الساحل الشرقى الأفريقى، وهى الآن عاصمة لدولة الصومال. وكان الزيديون الشيعة قد نزلوا بساحل الصومال من شرقى أفريقية، قريبا من موقع مدينة مقدشو حوالى سنة 122 هـ / 739 م.


سلطنة مقديشو الإسلامية

تقع مقديشو على الساحل الشرقى الأفريقى، وهى الآن عاصمة لدولة الصومال. وكان الزيديون الشيعة قد نزلوا بساحل الصومال من شرقى أفريقية، قريبا من موقع مدينة مقدشو حوالى سنة 122 هـ / 739 م. وبسطوا مواطنهم بالتدريج على متداد الساحل، واختلطوا بالسكان الأصليين، وصاهروهم، ونشروا الاسلام بينهم. ثم جاءت هجرة عربية أخرى من قبيلة بنى الحارث، يقودها سبعة أخوة، وأنشأوا مقدشو فى سنة 295 هـ / 908م، عندئذ انسحب الزيديون الى داخل الإريقية، وتركوا الساحل لبنى الحارث، وهم من أهل السنة. ثم تحالف بنو الحارث مع أهل الصومال المحليين، وأقاموا مدنا أخرى فى هذه المنطقة. وقد أسس بنو عبد الحارث فى مقدشو مملكة إسلامية قوية ذات شوكة ونفوذ، ومن ثم صارت مقدشو مركزا تجاريا هاما على الساحل الشرقى لقارة أفريقية.

 

رحلة ابن بطوطة

ترجمة ابن بطوطة (703 – 779 هـ):

هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن ابراهيم اللواتى الطنجى، المعروف باسم: ابن بطوطة. ولد فى طنجة فى سنة 703 هـ، نشأ فى عائلة ميسورة الحال، تنتسب الى قبيلة لواتة، وكانت أسرة اشتهرت بالعلم والفقه، وكان منها الفقهاء والقضاه فى بلاد المغرب والأندلس، حفظ ابن بطوطة القرآن وهو صغير، وألم بعلوم الدين، ودرس اللغة العربية على يد أبيه. وكان الشاب مغرما بقراءة كتب الرحلات والجغرافيين من العرب والمسلمين، وكان يميل الى معرفة أخبار البلدان والممالك وتاريخها، والشعوب وحضاراتها، وغرائب البلدان وعجائب الدنيا والمخلوقات.

ولما شب ابن بطوطة، تحقق له الحلم وهو أن يطوف البلدان، ودامت رحلاته وأسفاره أكثر من 27 سنة، وهى ربما من أطول رحلات التى قام بها الانسان عبر التاريخ. وكانت رحلة يغلب عليها الطابع الدبلوماسى، لاسيما فى بلاد السودان الغربى، وكان موفدا من السلطان أبى عنان. وكانت أولى رحلاته الى بلاد الحجاز ليؤدى مناسك الحج، وبدأ هذه الرحلة فى رجب سنة 725 هـ، وهو ابن اثنتين وعشرين سنة.

وقد زار خلالها بلدان عدة فى المغرب الأوسط والأدنى، ثم زار مصر وانبهر بها وبحضارتها، ثم زار ما استطاع من مدنها. وعن طريق عيذاب، على ساحل البحر الأحمر، غير أن قتالا نشب بين الحدربى سلطان البجاة ووالى سلطان مصر فى عيذاب، وأحرقت السفن. عندئذ ركب ابن بطوطة الى ادفو بصعيد مصر، ثم الى القاهرة، واتجه الى سيناء فى طريقه الى بلاد الشام. ثم قدم الى غزة، ثم الخليل، ثم رحل الى لبنان، وحمص، وحماة، وحلب، ثم دمشق. ثم رافق ركب الحج من بلاد الشام، وزار المدينة، ثم مكة، وزار العراق ومدنها: النجف وبغداد والبصرة وواسط. بعدئذ عبر ابن بطوطة الخليج العربى، وذهب الى بلاد فارس، وتنقل بين مدنها: عبدان، وتستر، وأصفهان، وشيراز، وكازون.

ومن غربى إيران، عبر ابن بطوطة نهرى دجلة والفرات الى الكوفة، مغادرا أرض عراق العجم الى عراق العرب، والتقى بسلطان فارس والعراق السلطان أبى سعيد. ثم زار سامراء، وقلعة تكريت، ثم عاد الى بغداد، ولحق موكب الحج العراقى، وزار بلاد الحجاز مرة أخرى. ثم غادر مكة متجها الى بلاد اليمن، ثم ركب البحر الأحمر الى سواكن، ثم عاد الى اليمن مرة أخرى، وذهب الى عدن، ثم أبحر منها عابرا الى باب المندب، ثم الى زيلع على الساحل الشرقى لأفريقية.

 

ابن بطوطة فى مقدشو

ثم سافرنا منها في البحر خمس عشرة ليلة، و وصلنا مقدشو، و ضبط اسمها بفتح الميم و اسكان القاف و فتح الدال المهمل و الشين المعجم و اسكان الواو. و هي مدينة متناهية في الكبر، و أهلها لهم جمال كثيرة ينحرون منها المئين في كل يوم، و لهم أغنام كثيرة و أهلها تجار أقوياء و بها تصنع الثياب المنسوبة إليها التي لا نظير لها، و منها تحمل إلى ديار مصر و غيرها.

و من عادة أهل هذه المدينة أنّه متى وصل مركب إلى المرسى تصعد الصنابق، و هي القوارب الصغار إليه، و يكون في كل صنبوق جماعة من شبّان أهلها فيأتي كلّ واحد منهم بطبق مغطّى، فيه الطعام فيقدّمه لتاجر من تجار الركب، و يقول: هذا نزيلي، و كذلك يفعل كلّ واحد منهم، و لا ينزل التاجر من المركب إلّا إلى دار نزيله من هؤلاء الشبّان الّا من كان كثير التردّد إلى البلد و حصلت له معرفة أهله فانه ينزل حيث شاء فإذا نزل عند نزيله باع له ما عنده و اشترى له، و من اشترى منه ببخس أو باع منه بغير حضور نزيله فذلك البيع مردود عندهم، و لهم منفعة في ذلك.

و لمّا صعد الشبان إلى المركب الذي كنت فيه جاء إليّ بعضهم، فقال له أصحابي: ليس هذا بتاجر و إنما هو فقيه! فصاح بأصحابه و قال لهم: هذا نزيل القاضي، و كان فيهم أحد أصحاب القاضي فعرّفه بذلك، فأتى إلى ساحل البحر في جملة من الطلبة، و بعث إليّ أحدهم فنزلت أنا و أصحابي و سلّمت على القاضي و أصحابه، و قال لي: بسم الله نتوجّه للسلام على الشيخ، فقلت: و من الشيخ؟ فقال: السلطان، و عادتهم ان يقولوا للسلطان الشيخ، فقلت له: إذا نزلت توجّهت إليه، فقال لي: إن العادة إذا جاء الفقيه أو الشريف أو الرجل الصالح لا ينزل حتّى يرى السلطان، فذهبت معهم إليه كما طلبوا.

 

ذكر سلطان مقدشو

و سلطان مقدشو، كما ذكرناه، إنما يقولون له الشيخ و اسمه أبو بكر بن الشيخ‏ عمر، و هو في الأصل من البربرة و كلامه بالمقدشيّ، و يعرف اللسان العربيّ، و من عوائده أنه متى وصل مركب يصعد إليه صنبوق السلطان، فيسأل عن المركب من أين قدم، و من صاحبه، و من ربّانه، و هو الرايس، و ما وسقه، و من قدم فيه من التجار و غيرهم، فيعرف بذلك كلّه و يعرض على السلطان، فمن استحقّ أن ينزله عنده أنزله.

و لمّا وصلت مع القاضي المذكور، و هو يعرف بابن البرهان المصريّ الاصل‏، إلى دار السلطان خرج بعض الفتيان فسلّم على القاضي، فقال له: بلّغ الامانة و عرّف مولانا الشيخ أن هذا الرجل قد وصل من أرض الحجاز، فبلّغ ثم عاد و أتى بطبق فيه أوراق التنبول‏ و الفوفل، فأعطاني عشرة أوراق مع قليل من الفوفل، و أعطى للقاضي كذلك، و أعطى لأصحابي و لطلبة القاضي ما بقى في الطبق و جاء بقمقم من ماء الورد الدمشقّي فسكب عليّ و على القاضي، و قال: إن مولانا أمر أن ينزل بدار الطلبة و هي دار معدّة لضيافة الطلبة، فأخذ القاضي بيدي، و جئنا إلى تلك الدار و هي بمقربة من دار الشيخ مفروشة مرتّبة بما تحتاج إليه ثمّ أتى بالطعام من دار الشيخ و معه أحد وزرائه و هو الموكّل بالضيوف، فقال:

مولانا يسلّم عليكم و يقول لكم: قدمتم خير مقدم، ثم وضع الطعام، فأكلنا و طعامهم الأرز المطبوخ بالسّمن يجعلونه في صحفة خشب كبيرة و يجعلون فوقه صحاف الكوشان‏، و هو الإدام من الدجاج و اللحم و الحوت و البقول، و يطبخون الموز قبل نضجه في اللبن الحليب، و يجعلونه في صحفة، و يجعلون اللبن المريّب في صحفة، و يجعلون عليه الليمون المصيّر، و عناقيد الفلفل المصيّر المخلّل و المملوح، و الزنجبيل الأخضر، و العنبا، و هي مثل التفّاح، و لكن لها نواة، و هي، إذا نضجت، شديدة الحلاوة، و تؤكل كالفاكهة و قبل نضجها حامضة كالليمون، يصيّرونها في الخلّ، و هم إذا أكلوا لقمة من الأرز أكلوا بعدها من هذه الموالح و المخلّلات، و الواحد من أهل مقدشو يأكل قدر ما تاكله الجماعة منّا، عادة لهم و هم في نهاية من ضخامة الجسوم و سمنها.

ثم لمّا طعمنا انصرف عنّا القاضي، و أقمنا ثلاثة أيام يوتي إلينا بالطعام ثلاث مرّات في اليوم و تلك عادتهم، فلمّا كان في اليوم الرابع و هو يوم الجمعة جاءني القاضي و الطلبة و أحد وزراء الشيخ و أتوني بكسوة، و كسوتهم فوطة خزّيشدّها الإنسان في وسطه عوض السّراويل فانّهم لا يعرفونها، و درّاعة من المقطع المصريّ معلمة، و فرجيّة من القدسي‏ مبطّنة و عمامة مصريّة معلمة، و أتو لأصحابي بكسى تناسبهم و اتينا الجامع فصلّينا خلف المقصورة، فلما خرج الشيخ من باب المقصورة سلّمت عليه مع القاضي، فرحّب و تكلّم بلسانهم مع القاضي، ثم قال باللسان العربيّ:

قدمت خير مقدم، و شرّفت بلادنا و انستنا، و خرج إلى صحن المسجد فوقف على قبر والده و هو مدفون هنالك فقرأ و دعا ثم جاء الوزراء و الأمراء و وجوه الاجناد فسلّموا، و عادتهم في السلام كعادة أهل اليمن: يضع سبّابته في الأرض ثم يجعلها على رأسه و يقول: أدام الله عزّك، ثم خرج الشيخ من باب المسجد فلبس نعليه و أمر القاضي أن ينتعل و أمرني أن أنتعل، و توجّه إلى منزله ماشيا و هو بالقرب من المسجد و مشى الناس كلّهم حفاة و رفعت فوق رأسه أربع قباب‏ من الحرير الملوّن، و على كل قبّة صورة طائر من ذهب.

و كان لباسه في ذلك اليوم فرجيّة قدسي‏ أخضر تحتها من ثياب مصر و طروحاتها الحسان، و هو متقلّد بفوطة حرير معتّم بعمامة كبيرة، و ضربت بين يديه الطبول و الأبواق و الأنفار، و أمراء الأجناد أمامه و خلفه، و القاضي و الفقهاء و الشرفاء معه، و دخل إلى مشوره على تلك الهيئة، و قعد الوزراء و الأمراء و وجوه الأجناد في سقيفة هنالك، و فرش للقاضي بساط لا يجلس معه غيره عليه، و الفقهاء و الشرفاء معه، و لم يزالوا كذلك إلى صلاة العصر، فلمّا صلّوا العصر مع الشيخ أتى جميع الأجناد و وقفوا صفوفا على قدر مراتبهم، ثم ضربت الأطبال و الأنفار و الصّرنايات و عند ضربها لا يتحرّك أحد و لا يتزحزح عن مقامه، و من كان ماشيا وقف فلم يتحرّك إلى خلف و لا إلى أمام‏، فإذا افرغ من ضرب الطّبلخانة سلّموا بأصابعهم كما ذكرنا و انصرفوا.

و تلك عادة لهم في كل يوم جمعة و إذا كان يوم السبت ياتي الناس إلى باب الشيخ فيقعدون في سقائف خارج الدار، و يدخل القاضي و الفقهاء و الشرفاء و الصالحون و المشايخ و الحجّاج إلى المشور الثاني فيقعدون على دكاكين خشب معدّة لذلك، و يكون القاضي على دكّانة وحده، و كلّ صنف على دكّانة تخصّهم لا يشاركهم فيها سواهم، ثم يجلس الشيخ بمجلسه و يبعث عن القاضي فيجلس عن يساره ثم يدخل الفقهاء فيقعد كبراؤهم بين يديه و سائرهم يسلّمون و ينصرفون، ثم يدخل الشرفاء فيقعد كبراؤهم بين يديه و يسلّم سائرهم و ينصرفون، و إن كانوا ضيوفا جلسوا عن يمينه، ثم يدخل المشايخ و الحجّاج فيجلس كبراؤهم و يسلم سائرهم و ينصرفون.

ثم يدخل الوزراء ثم الأمراء ثم وجوه الأجناد طائفة بعد طائفة أخرى فيسلّمون و ينصرفون و يؤتى بالطعام فيأكل بين يدي الشيخ القاضي و الشرفاء و من كان قاعدا بالمجلس، و يأكل الشيخ معهم، و إن أراد تشريف أحد من كبار أمرائه بعث عنه فأكل‏ معهم و يأكل سائر الناس بدار الطعام و أكلهم على ترتيب مثل ترتيبهم في الدخول على الشيخ ثم يدخل الشيخ إلى داره و يقعد القاضي و الوزراء و كاتب السرّ و أربعة من كبار الأمراء للفصل بين الناس و أهل الشكايات، فما كان متعلّقا بالأحكام الشرعيّة حكم فيه القاضي و ما كان من سوى ذلك حكم فيه أهل الشورى و هم الوزراء و الأمراء، و ما كان مفتقرا إلى مشاورة السلطان كتبوا إليه فيه فيخرج لهم الجواب من حينه على ظهر البطاقة بما يقتضيه نظره و تلك عادتهم دائما.

وهنا تنتهى رحلة ابن بطوطة فى سلطنة مقدشو الاسلامية، بعد أنقضى بها أياما طيبة، ولقى بها حفاوة وترحابا وكرما من سلطان البلاد وكذلك كبار رجال البلاط، ربما لم ينلها ابن بطوطة فى باقى أسفاره، وهو فى كلامه عن مقدشو، تشعر براحة باله، وهناء مقامه فى هذه البلاد الطيبة من بلاد المسلمين. ثم أعد ركابه، واستعد لرحلة جديدة، قاصدا بلاد السواحل الى مدينة كلوا من بلاد الزنوج.

 

المراجع:

رحلة ابن بطوطة تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، دار إحياء العلوم بيروت، ص 261.