جمهورية تشاد، الماضي و الحاضر و المستقبل(1)

  • رقم الخبر 2415
  • المصدر: مجلة قراءات

المخلص «تشاد» في الاصطلاح الجغرافي السياسي هي: المنطقة الواقعة في وسط القارة الإفريقية ولها حدود مع ست دول في القارة.


سأتناول الحديث عن هذا البلد المسلم في عدة نقاط, وهى كالتالي:

1- أصل التسمية:

أصل تسمية المنطقة التي تقع فيها حدود جمهورية تشاد باسم «تشاد » راجعة لعدة تفسيرات على ما ذكر المؤرّخون، ومن أهمها ما يأتي:

أ- أن اسم تشاد مأخوذ من اسم لنوع من الأسماك التي توجد في «بحيرة تشاد »، والتي سمّيت باسم تلك الأسماك الموجودة فيها بكثرة، ومن ثمّ اشتق اسم البلاد من هذه ‏البحيرة الشهيرة، والتي تقع في حدودها الغربية الجنوبية[1]‏، وهو الأقرب إليّ - والله أعلم -.

ب- قيل: إنها مشتقة من كلمة «شت »؛ تعني «جميع أو كلّ»؛ بلغة القبائل العربية في بعض المناطق، حيث كانت متداولة بينها، فيقولون: «الناس ساروا شت»؛ أي كلهم، و «البهائم كملت شت»؛ أي ماتت جميعها[2].

‏ج- قيل: إن هذا الاسم أُخذ من البحيرة التي أُطلق عليها اسم «تشاد‏»؛ بسبب أنها تفيض في موسم الخريف بمياه الأمطار الغزيرة التي تنحدر إليها، أو تصبّ فيها من الأنهار المتصلة بها كنهر «شاري»، ونهر «لوجون»، ونهر «السلامات»، وبحيرة «فتري»، فيفيض ماء البحيرة ويملأ جوانبها، فيقال حينذاك: «شت ماء البحيرة إذا فاض، فسمّيت المنطقة بتشاد فيما بعد»[3]‏.

‏د- قيل: إن الاسم حرّف من كلمة «الشاطئ»، فأصبحت «تشاد‏»، وذلك بسبب عدم إتقان القبائل العربية الرحّل الموجودة في بعض المناطق التشادية للغة العربية الفصحى، حيث أخذوا من ضفاف هذه البحيرة منازل اصطياف لهم، فسمّوا أماكنهم حول شاطئ البحيرة بـ «شاد» بدلاً من «الشاطئ»[4]. ‏

 

2- الموقع والمساحة:

‏«تشاد» في الاصطلاح الجغرافي السياسي هي: المنطقة الواقعة في وسط القارة الإفريقية[5] ما بين درجتي خط العرض 8ْ -  23ْ شمالاً، وبين درجتي خط الطول 14ْ – 24ْ شرقاً من جرينتش[6]، بعد رسم الحدود الحالية من قِبل المستعمر الفرنسي، ولها حدود مع ست دول في القارة، فمن الشرق تحدّها جمهورية السودان - وهي أطول حدود لها -، ومن الغرب كلٌّ من: جمهورية الكاميرون وجمهورية النيجر وجمهورية نيجيريا الفيدرالية، ومن الجنوب جمهورية إفريقيا الوسطى، ومن الشمال الجماهيرية العربية الليبية.

‏أما مساحة جمهورية تشاد فتبلغ: مليوناً ومئتين وأربعة وثمانين ألفاً (1.284.000 كم2)[7]، فهي تأتي في المرتبة الخامسة بين دول القارة من حيث ‏المساحة: السودان، والجزائر، وجمهورية الكنغو الديمقراطية (زائير سابقاً)، وليبيا، وتشاد[8].

 

3- أهم التضاريس المناخية:

‏يوصف مناخ جمهورية تشاد بالحار على وجه العموم، ورياحه كلها شمالية شرقية جافة، وتحمل معها السحب حيناً والأتربة أحياناً أخرى.

وتوجد فيها ثلاثة فصول، وتتراوح حرارتها تبعاً لدرجة البعد عن خط الاستواء، وهي مرتّبة على النحو الآتي:

‏أ- فصل الخريف: ‏ويمتاز هذا الفصل بتساقط الأمطار الغزيرة والعواصف الرعدية الشديدة، وتصبح الطرق غير سالكة بسبب عدم سفلتتها، وتكاد تشلّ حركة التنقل بين معظم المناطق.

‏ب- فصل الشتاء: ‏ويتّسم هذا الفصل بالجفاف والبرودة، بدايته من شهر «نوفمبر»، ونهايته في منتصف شهر «فبراير»، ويتميز بتغيّرات كبيرة في الحرارة ليلاً ونهاراً، حيث يصل إلى 32 درجة مئوية في النهار، وتنخفض ليلاً إلى 10 درجات مئوية.

‏ج- فصل الصيف: ‏وهذا الفصل جاف حار، وتصل درجة الحرارة فيه إلى أربعين 40 درجة مئوية أحياناً، ويبدأ من منتصف شهر «فبراير» إلى نهاية شهر «مايو»[9].

 

4- التركيبة القبلية للسكان وتعدادها:

‏أ- التركيبة السكانية القبلية:

‏شهدت منطقة حوض بحيرة تشاد هجرات عديدة على فترات متوالية منذ زمن بعيد[10]، وكانت هذه الهجرات من أصول شتى وأجناس مختلفة، فمنهم الحامي[11]، والسامي[12]، والزنجي[13]، وغير ذلك، فتزاوجت هذه القبائل فيما بينها، واختلطت بعضها ببعضها الآخر.

‏كما يظهر من التركيبة السكانية تضمّ جمهورية تشاد مجموعة كبيرة من القبائل والأجناس المختلفة، واختلاف اللهجات، وتباين العادات والتقاليد، من منطقة إلى منطقة أخرى، ويقدّر عدد القبائل في منطقة تشاد بحوالي مائة وخمسين (150) قبيلة.

وتتحدث هذه القبائل حوالي مائة (100) لهجة محلية[14]، وإن كانت بعض هذه ‏اللهجات من أصل لغة واحدة، ولكنها أصبحت فيما بعد لهجة لقبيلة ما ولا تفهمها القبائل الأخرى.

وغالبية القبائل التشادية تتخذ اللغة العربية لغة تخاطب بينها على الرغم من أن المستعمر الفرنسي فرض لغته على الشعب التشادي، وجعلها اللغة الرسمية في البلاد، وإلى يومنا هذا تُعَدّ اللغة الفرنسية لغة التعامل في الدوائر الحكومية والشركات والمؤسسات الوطنية وغير الوطنية، مع أن الرئيس السابق «حسين هبري» جعل اللغة العربية لغة رسمية مساوية للغة الفرنسية في عام 1985م، كما أكدت الحكومة الجديدة برئاسة الرئيس الحالي «إدريس ديبي» رسمية اللغة العربية في عام 1999م، حيث جاء في الدستور الجديد للبلاد في المادة التاسعة أن اللغتين الرسميتين هما: الفرنسية، والعربية[15].

ب– التعداد السكاني:

أما عدد سكان جمهورية تشاد فيبلغ حوالي ستة ملايين (6.000.000) نسمة؛ وفقاً لإحصائية عام 1986م[16]، وحسب آخر إحصائية، أجرتها إدارة مصلحة الإحصاء في وزارة التخطيط التشادية في عام 1993م، بلغ عدد السكان (6288281) نسمة[17]، كما أنه حسب إحصائية عام 1986م؛ فإن نسبة المسلمين بلغت 85%، والنصارى 5%، والوثنيين 10%[18]، ولكن لا شك في أن نسبة المسلمين أكثر في الوقت الحالي، فهي قد تصل إلى 90% أو تزيد، وذلك لاعتناق عدد كبير من وثنيي الجنوب وبعض المسيحيين الإسلام في الآونة الأخيرة.

 

5- أهم الموارد الاقتصادية (الصادرات التجارية):

لا شك أن تنوع الموارد الاقتصادية لأي بلد يسهم في رفاهية شعبه، ويوفر لأفراد المجتمع على اختلاف طبقاته حاجياتهم الأساسية.

ولقد تنوعت المصادر الاقتصادية التشادية على النحو الآتي:

أ– الزراعة: تعد الزراعة المصدر الأول لدولة تشاد، لأنها تزرع مساحات شاسعة بأنواع مختلفة، منها: القطن والفول السوداني والقمح والدخن والنخيل والأرز والذرة والمانجو والصمغ العربي، ويصدّر منها للخارج: القطن والفول السوداني والتمر والدخن والقمح والصمغ، بالإضافة إلى الملح والنطرون[19].

ب– الرعي: نظراً لتوفّر مياه الأمطار؛ فإن الرعي يشغل قدراً كبيراً من اهتمامات الناس، ولذا فإنّ معظم السكان يشتغلون بالرعي وتربية الحيوانات بقصد التفاخر بكثرتها من الناحية الاجتماعية في السابق، إلا أنها أصبحت فيما بعد مجالاً مهماً[20] للتجارة، حيث تصدّر إلى خارج البلاد كميات كبيرة من الثروة الحيوانية (البقر، والإبل، والغنم)، وخصوصاً إلى الكاميرون ونيجيريا وليبيا وإفريقيا الوسطى.

جـ- الموارد المعدنية:

تتمثّل في المواد الخام والثروة المخبوءة تحت الأرض، والتي يمكن استخراجها في المستقبل، مثل: اليورانيوم، والبوكسيت، والحديد، والنحاس في أقصى الشمال (بركو – أنيدي – تبستي).

كما يوجد البترول بكميات كبيرة في الجنوب وبعض المناطق الأخرى، حيث ظهر البترول في مدينة «ماو»، عاصمة محافظة «كانم»، وفي مدينة «دوبا» في محافظة «لوغون» الشرقية[21]، حيث بدأ تصدير البترول المستخرج من مدينة «دوبا» عبر أنابيب تمر بالأراضي الكاميرونية لتصل إلى المحيط الأطلسي، ومن ثمّ إلى القارات الأخرى، وذلك في عام 2004‏م.

ثانياً: تاريخ دولة تشاد والممالك الإسلامية فيها ودخول التنصير:

‏ويمكن تناول الحديث في هذه الجزئية عن وصول الإسلام إلى المنطقة، وقيام الممالك الإسلامية فيها، وتاريخ وصول الديانة النصرانية إلى تشاد في العناصر الآتية:

1- تاريخ دخول الإسلام إلى المنطقة:

‏كانت منطقة تشاد قبل وصول الإسلام إليها تسودها الحياة الدينية الوثنية التي كانت تعرف باسم «الإحيائية»[22]، وبينما كان سكان هذه المنطقة يؤمنون بمثل هذه الأباطيل والخرافات التي لا تمت لأي دين سماوي بصلة، وهم يعيشون في ظلام حالك وجهل عظيم بعيداً عن الصراط المستقيم، إذ طلع عليهم فجر الإسلام، فوصلت الجيوش الإسلامية إلى المنطقة في القرن (الأول الهجري / السابع الميلادي)، حاملة معها العقيدة الإسلامية والنور المبين الذي بدأ انتشاره في المناطق المجاورة لدولة تشاد، فضلاً عن انتشاره داخل البلاد.

‏لقد حدّد الشاطر البصيلي تاريخ وصول المسلمين إلى منطقة تشاد بقوله: «جاء عقبة بن نافع[23] بقوة من الجيش العربي، ودخل في عام 666 ‏ميلادية وسط الصحراء متجهاً نحو الجنوب، ووصل إلى «كوار»[24] في «تبستي» الواقعة شمال منطقة حوض تشاد، وعاد من هناك، لأنه لم يجد خبيراً يرشده الطريق إلى الجنوب»[25]، ومعنى هذا أن عقبة بن نافع وصل بجيشه إلى المنطقة في القرن الأول الهجري.

إن الإسلام بدأ وصوله إلى منطقة تشاد منذ الفتح الإسلامي عندما وصل القائد الإسلامي عقبة بن نافع مع جيشه إلى مدينة «كوار»، ثم أخذ الإسلام في الانتشار شيئاً فشيئاً في الأراضي التشادية كافة، حتى دخل ملوك «مملكة كانم» الوثنيون في الإسلام في القرن (الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي)، وصار الإسلام دين الدولة الكانمية الرسمي، فأخذ الحكام ينشرونه في أرجاء البلاد، بدعوة الناس إليه، والقيام بتطبيق الشريعة الإسلامية، فانتشرت الثقافة الإسلامية واللغة العربية، وازدهرت الحضارة الإسلامية في هذا القرن بشكل واضح، ذلك بفضل الله عز وجل، ثم بفضل الجهود المبذولة من قِبل هؤلاء الملوك بعد اعتناقهم الإسلام، وتتمثّل تلك الجهود في محاولتهم الجادة لتطبيق الشريعة الإسلامية، وإعطائهم مكانة خاصة للعلم والعلماء، إذ كانوا يحضرون بأنفسهم مجالس العلم[26].

‏وهكذا دخل الإسلام إلى منطقة تشاد، وانتشر فيها، وظلّ يقاوم كلّ دين جديد في المنطقة على مرّ العصور، واستطاع بفضل الله تعالى الحفاظ على الهوية الإسلامية للشعب التشادي المسلم.

2- الممالك الإسلامية:

أما الممالك الإسلامية التي قامت في المنطقة فهي: مملكة كانم – برنو، ومملكة باقرمي، ومملكة وداي، ‏وكان لهذه الممالك حدودها وسياستها، وثقافتها وحضارتها الإسلامية، وعلاقتها التجارية الخارجية، على مدى فترة من الزمن.

‏وسأتناول فيما يأتي كلّ مملكة على حدة باختصار غير مخلٍّ - إن شاء الله تعالى -:

1- مملكة كانم – برنو[27]:

‏قامت هذه المملكة في غرب البلاد بالقرب من «بحيرة تشاد» شرقاً، وتعد أول مملكة قامت في المنطقة، وبسطت سيطرتها ونفوذها السياسي والثقافي والاقتصادي على ما يُعرف بـاسم «السودان الأوسط»، في الفترة بين (800 ‏- 1894‏م)، وهي أيضاً أول مملكة اعتنق ملوكها الإسلام في المنطقة، وكانت ‏على الوثنيه فترة من الزمن غير معروفة[28]، وينقسم تاريخ هذه المملكة إلى عصرين، هما: ‏العصر الكانمي، والعصر البرناوي.

‏أ - العصر الكانمي (800م – 1300م):

‏يمتد هذا العصر من قيام هذه المملكة في عام 800م إلى نهاية القرن الثالث عشر الميلادي، وأول من أسّس هذه المملكة الكانمية الأسرة السيفية[29]، ويعد حكمهم من أطول فترات الحكم المتسلسلة من أسرة واحدة، حيث بلغ عدد ملوكهم الأوائل تسعة عشر ملكاً، وقد ظلّت المملكة على الوثنية إلى أن وصلها الإسلام في القرن (الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي) - كما تبين سابقاً[30] -،  فاعتنق ملوكها الإسلام، وتبنّوا عملية نشره والدعوة إليه في المنطقة، مما أدى إلى ازدهار الثقافة الإسلامية وحضارة الإسلام بشكل واضح.

‏ب- العصر البرناوي (1300م – 1894م):

‏بدأ هذا العصر في نهاية القرن الثالث عشر الميلادي، عقب انتقال الأسرة الكانمية إلى غرب «بحيرة ‏تشاد»، بعد استيلاء قبائل «البولالا»[31] على إقليم «كانم» بعد حروب طاحنة.

‏وفي بداية هذا العصر واجهت المملكة صعوبات شتّى ومحناً جمّة لصراعهم المستمر مع قبائل «البولالا» لاستعادة إقليم «كانم» شرق البحيرة منهم ومن القبائل المتحالفة معهم، لقد بدأ هذا الصراع من عهد أول ملك في هذا العصر، وهو الملك «عمر بن إدريس»، إلى نهاية عمر المملكة في عام 1894‏م.

2- مملكة باقرمي[32]:

‏هذه المملكة تأسست في القرن (العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي)، وهي تقع في جنوب شرق من مملكة «كانم - برنو»، ومؤسسها الأول هو السلطان «برني بيسي»، فقد أنشأها حوالي عام 1513م، وكان وثنياً، وهو أول حاكم لهذه المملكة[33]، وكان حكمه ما بين (1513م - 1539‏م)، وأول حاكم مسلم لهذه المملكة هو السلطان «عبد الله بن مالو» الذي حكم البلاد بين عام (1591م – 1602م)، وقيل السلطان «بريمي»[34].

3- مملكة وداي[35]:

تقع مملكة «وداي» شرق مملكة «كانم - برنو»، وغرب «دارفور» في أقصى الشرق، وعاصمتها مدينة «أبيشة»، ويرجع تاريخ هذه المملكة إلى عام 1615م، والتي بقيت على الوثنية فترة طويلة من الزمن، وتأخر وصول الإسلام إليها بسبب وعورة المنطقة وبعدها، فاستطاعت المجموعات الوثنية الحاكمة الاعتصام ‏فيها حتى دخلها الإسلام.

وبرغم الإسهامات التي بذلتها الممالك الإسلامية في نشر الدعوة الإسلامية والحفاظ عليها، والوقوف في وجه الغزو العسكري والثقافي الفرنسي، فإنها لم تستطع الصمود أمامه إلى النهاية للأسباب الآتية:

1‏- قوة العدو الفرنسي في عدده وعتاده التي لا مجال للمقارنة بينهما.

2‏- ضعف الممالك الإسلامية الثلاث بسبب ‏تفككها نتيجة للحروب والصراعات القائمة بينها.

3‏- استنجاد بعض الملوك بالقوات الفرنسية وإبرام اتفاقيات حماية معها[36].

‏وهكذا لم تسلم أي مملكة من مراحل القوة والضعف في تاريخها.

‏وبهذا يتبين للقارئ أن هذه الممالك قد أسهمت بشكل فعّال في نشر الدعوة الإسلامية في المنطقة، واستطاعت الوقوف في وجه الاستعمار الفرنسي في أثناء احتلاله لمنطقة تشاد، وإن كانت الصراعات الداخلية بين الممالك الإسلامية أتاحت فرصة ثمينة لفرنسا لاحتلال تشاد.

 

3- وصول الديانة النصرانية المحرّفة إلى البلاد:

‏تاريخ بدايات العمل التنصيري للجمعيات النصرانية في تشاد بدأ بعد تغلغل المستعمر الفرنسي في الأراضي التشادية، ونجاحه في السيطرة الكاملة على البلاد في عام 1920‏م، واعتبار منطقة تشاد مستعمرة من المستعمرات الفرنسية رسمياً إثر مرسوم 17/3/1920م[37].

‏ففي عام 1923‏م وصلت أول بعثة تنصيرية تابعة للكنيسة البروتستانتية إلى المنطقة الجنوبية، وأما الكنيسة الكاثوليكية فقد بدأت تتوافد إلى تشاد في عام 1929‏م[38].

‏وكان بداية نشاط الكنيستين في المناطق الجنوبية، والتي كانت مستهدفة من قبل الجمعيات التنصيرية الوافدة، لأنها مناطق وثنية بحتة خالية من الإسلام وتأثيراته، وبسبب الجهود الجبارة التي كان المنصّرون يبذلونها في أوساط الجنوبيين بالترغيب تارة، والترهيب تارة أخرى، وذلك بتقديم الخدمات الإنسانية - كما يزعمون -، من توزيع الغلال والحبوب، والآلات الزراعية، والأدوية، وغيرها من احتياجات الأهالي، ومنع من لم يذعن لأوامرهم وإرشاداتهم - المبنية على مصالحهم الخاصة أولاً وآخراً -، واستغلال العوز والحاجة التي ألمّت بأهالي المنطقة، وقاموا بتشييد الكنائس والمدارس والمستوصفات والملاجئ النصرانية في الجنوب الوثني.

‏والجدير بالذكر أن رفع شعار «إنّ عام 2000م الميلادي هو عام تنصير القارة الإفريقية» كان في عام 1976م، ولكن قام البابا بتجديد هذا الشعار والتذكير به في أثناء زيارته لإفريقيا.

‏كما ازداد هذا النشاط التنصيري المكثف المركز المدروس مسبقاً، بخطط شتى ووسائل جمّة وأساليب متنوعة، في تشاد إبان عهد الرئيس «إدريس ديبي» الذي طبّق مبدأ الديمقراطية الغربية في البلاد، وفتح مجال تصاريح العمل للحركات التنصيرية وغيرها على مصراعيه، مما حدا بهذه ‏الجمعيات إلى استغلال هذه ‏الفرصة الذهبية أيما استغلال.

ومع أنّ نشاط هذه الجمعيات التنصيرية في تشاد كان قائماً منذ وقت مبكّر جدّاً، منذ دخول المستعمر الفرنسي الذي قدّم تسهيلات عظيمة لهذه ‏الجمعيات، بل حمايتها من أي خطر يمكن أن يصيبها، أو يعيق عملها، أو يحد من نشاطها في البلاد، فإنها لم تجد مثل هذه ‏الفرصة السانحة في الوقت الحالي في تاريخها السابق في تشاد، حيث اتسع نشاطها كمّاً وكيفاً، حتى وصل إلى أماكن لم تكن تحلم بالوصول إليها لولا هذه الفرصة المذكورة آنفاً، لقد وصلت هذه الجمعيات إلى أقصى الشمال والشرق والغرب، وجابت القرى النائية، فضلاً عن المدن الكبيرة، وهذه المناطق التي هي أماكن إسلامية بحتة دخلتها بكلّ سهولة ويسر، بل دخلت بعض بيوت المسلمين للدعوة إلى النصرانية، وقامت مجموعات كبيرة من المنصّرين بالانتشار في جميع مناطق البلاد، مع التركيز في المناطق التي يقطنها المسلمون بغية تنصيرهم، أو التشكيك في دينهم، أو تشويهه لهم، ذلك في عام 2000‏م، مع رفعهم شعار: «انتهاء دين محمد وبدء دين عيسى» - على حسب زعمهم -، مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً [الكهف: 5].

 

المراجع:

[1] انظر: موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، د. أحمد شلبي، ج 6 / ص 607 - 608، مكتبة النهضة المصرية.

[2] انظر: أهمية الموقع الجغرافي وعلاقته بالتطور والاستقرار السياسي في دولة تشاد، إبراهيم محمد إسحاق، ص 33، رسالة ماجستير، جامعة الملك سعود / كلية الآداب - قسم الجغرافيا، عام 1408هـ الموافق 1988م.

[3] انظر: العوامل الفكرية وانتشار الإسلام في تشاد (دراسة في فلسفة الحضارة الإسلامية)، د. موسى عبدالرحيم عربي، ص 33، رسالة ماجستير، الجامعة اللبنانية / كلية الآداب والعلوم الإنسانية - قسم الفلسفة.

[4] انظر: المرجع السابق نفسه، ص 33.

[5] إفريقية : اسم أطلقه العرب على ما يُعرف الآن بتونس، وأصله من لفظ إفريقيا الذي كان يقصد به الرومان كلّ المنطقة التي آلت إليهم بعد تخريب قرطاجنة، ثم شاع الاسم علماً على إحدى القارات، ويحيط إفريقيا: البحر المتوسط - والمحيط الأطلسي - والمحيط الهندي - والبحر الأحمر، وتفصل من شمالها الشرقي بقارة آسيا من طريق شبه جزيرة سيناء، انظر: مجمح اللغة العربية، المعجم الكبير، ج 1 / ص 361، دار الكتب - 1970 ‏م.

[6] انظر: الجغرافيا السياسية لإفريقية، د. فيليب رفلة، ص 529، القاهرة 1966م - ط 2، ‏وانظر: عبدالرحمن عمر الماحي: تشاد من الاستعمار حتى الاستقلال، (1894م - 1960م)، ص 12، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط 1، 1982م.

[7] انظر: العلاقات السياسية والاجتماعية بين جمهورية تشاد وجمهورية السودان في الفترة ما بين: 1960م - 1990م، محمد شريف جاكو، ص 97، رسالة مقدمة لنيل دبلوم في العلوم السياسية، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة - عام 1993م، وانظر: تشاد من الاستعمار حتى الاستقلال، مرجع سابق، ص 12.

[8] تبلغ مساحة السودان (1.760.000) كم2، والجزائر (2.382.000) كم2، انظر: أطلس العالم، ص 96، مكتبة لبنان – ساحة رياض الصلح – بيروت، طبعة جديدة، 1417هـ.

[9] انظر: تشاد من الاستعمار حتى الاستقلال، مرجع سابق، ص 12 – 13، انظر: أهمية الموقع الجغرافي وعلاقته بالتطور والاستقرار السياسي في تشاد، مرجع سابق، ص 65 – 70.

[10] جاءت بعض القبائل إلى المنطقة في القرن الرابع الميلادي، فمن الشمال نزح العرب والبربر يحملون معهم الدين الإسلامي وثقافته ولغته، كما نزح إليها من الجنوب الزنوج حاملين معهم الديانة الوثنية الإفريقية، ومن الشرق نزح إليها اليمنيون والنوبيون، انظر: إمبراطورية البرنو الإسلامية، ص 19، وانظر أيضاً: تشاد من الاستعمار حتى الاستقلال، مرجع سابق، ص 13، وانظر: مواطن الشعوب الإسلامية في إفريقيا (6) تشاد، ص 55.

[11] القبائل الحامية في تشاد كثيرة منها: حجارة، وبودوما، وكوتوك، وومسا، وغيرها. انظر: تشاد الاستعمار  حتى الاستقلال، مرجع سابق، ص 76، وهذه القبائل تنتمي إلى العنصر الحامي نسبة إلى حام بن نوح عليه السلام، انظر: دائرة المعارف الإسلامية، ترجمة: محمد ثابت الفندي وزملاؤه، جـ 6 / ص 660، مادة: (حام).

[12] القبائل السامية ينتمون إلى ذرية سام بن نوح عليه السلام: انظر: المصدر نفسه، جـ 11 / ص 75، ومن هذه القبائل التي تنتمي إلى العنصر السامي في تشاد: (الفلاتي، والسلامات، وبني هلال، وأولاد مالك، وأولاد أبو عيسى)، وغيرها من القبائل العربية في تشاد.

[13] القبائل الزنجية منتشرة في جنوب تشاد بكثرة، وقد احتفظت معظمها بالصفات الزنجية نتيجة عدم اختلاطها بالقبائل الأخرى، والزنج: اسم القبائل الزنجية التي تقطن في ساحل إفريقيا الشرقي، انظر: المصدر نفسه، ج 10 / ص 432.

[14] انظر: تشاد من الاستعمار حتى الاستقلال، مرجع سابق، ص 71.

[15] في الحقيقة أن اللغة العربية أصبحت لغة رسمية منصوصاً عليها دستورياً فقط، ولم تعط حقها في مجال العمل الرسمي في الدولة حتى الآن، انظر: دستور جمهورية تشاد، ص 6 / المادة التاسعة.

[16] انظر: الدعوة الاسلامية في إفريقيا الواقع والمستقبل، د. عبد الرحمن عمر الماحي، ص 79، ديوان المطبوعات الجامعية، الساحة المركزية – بن عكنون – الجزائر.

[17] انظر:  تشاد والإسلام ومعركة التحديات، آدم كردي شمس، ص 26، ط 1، 1418 هــ / 1997م.

[18] انظر: الدعوة الإسلامية في إفريقيا الواقع والمستقبل، مرجع سابق، ص 79.

[19] النطرون: نوع من الأملاح، فيه مادة حافظة لثمرة النخيل والكرم، وهذه الكلمة مأخوذة من نطرو (الناطر والناطرون من كلام أهل السواد: حافظ الزرع والتمر والكرم، وقال بعضهم: ليست عرببة محضة)، انظر: لسان العرب لابن منظور، جـ 6 / ص 4459 – 4460، مادة (نطر)، دار المعارف القاهرة جمهورية مصر العربية، بدون سنة طبع، وانظر: القاموس المحيط، للفيروزآبادي، تحقيق مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، ص 622، مادة (نطر) مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 2، 1407 هـ - 1987م.

[20] انظر: تشاد من الاستعمار حتى الاستقلال، مرجع سابق، ص 66 - 67.

[21] انظر: أهمية الموقع الجغرافي، مرجع سابق، ص 90.

[22] الإحيائية: هي اعتقاد بقوى روحية في الأشياء، أي أن للجمادات والنبات أرواحاً مشابهة لتلك التي لدى الإنسان، وأن الروح هي مبدأ الفكرة والحياة العضوية في آن واحد، كما يعتقد الإحيائيون أن في هذا الكون المنظم قوة خفية تتحرك، يتعين على الإنسان تحديد مسار حركتها بطقوس دينية، وذلك لمنع الكوارث التي يمكن أن تصيب الإنسان في نفسه أو ماله أو أبنائه... ولذلك يتجه الإحيائيون إلى عبادة الأسلاف بحيوان أو شيء من النبات أو الجماد، وأساس فكرة عبادة الأسلاف أن حياة الإنسان لا تتوقف بمفارقة الروح الجسد... وإنما غفوة وارتخاء من جراء ضعف يصيب القوة الحياتية السرمدية، وأن روح الميت تبقى مضافة إلى مجموعة أرواح الأسلاف، ويستطيع الأحياء الاستعانة بها عن طريق الاحتفالات الموسمية، انظر: الدعوة الإسلامية في إفريقيا الواقع والمستقبل، مرجع سابق، ص 10، وانظر: مجلة جامعة الأمير عبدالقادر للعلوم الإسلامية، العدد (4)، ص 277، 9/1413 ‏هـ / 1933م، الجزائر.

[23] عقبة بن نافع القرشي الفهري، كان ذا شجاعة وحزم ودين، ولم تصح له صحبة، شهد فتح مصر، واختط بها، جهزه معاوية في عشرة آلاف ففتح إفريقية، وهو الذي أنشأ القيروان وأسكنها الناس، ويقال: كان الموضع (غيضة) لا يرام من السباع والأفاعي، فدعا عليها، فلم يبق فيها شيء، وهربوا حتى إن الوحوش لتحمل أولادها، وكان مجاب الدعوة، وقُتل في سنة ثلاث وستين (63) من الهجرة النبوية، انظر: سير أعلام النبلاء، للإمام الذهبي، تحقيق: محمد نعيم العرقوس ومأمون صاغرجي، ج 6 ‏/ ص 533، مؤسسة الرسالة.

[24] «كوار» أو «كاوار»: منطقة واقعة في جنوب مدينة فزان، غرب تبستي عند حدود النيجر، وقيل هي الآن داخل حدود النيجر، انظر: إمبراطورية البرنو الإسلامية، مرجع سابق، ص 26.

[25] تاريخ وحضارات السودان الشرقي والأوسط، الشاطر بصيلي عبد الجليل، ص 413، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1972م.

[26] انظر: امتداد الحضارة الإسلامية نحو بحيرة تشاد، د. محمد صالح أيوب، ص 42، مخطوط.

[27] كلمة «كانم» تدل على جنس السودان، فيقال: «بلاد كانم» أو «مملكة كانم»، ومدلول هذه الكلمة لم يقتصر على الإشارة إلى السكان أو القبائل المشهورة بهذه الأسماء، إنما صارت تعني كذلك المواضع أو المناطق التي تقيم بها هذه القبائل. أما كلمة «برنو» فتعني في لغة هذه القبائل أرض نوح، وقيل ليست هذه التسمية سوى تحريف لكلمة «باران » أو «بارام »، ومعناها الرجال أو المحاربون. انظر: إمبراطورية البرنو الإسلامية، مرجع سابق، ص 5 - 6، وانظر أيضاً: الإسلام في الممالك وإمراطوريات إفريقيا السوداء، جوان جوزيف، ترجمة مختار السويفي، ص 89، دار الكتب الإسلامية، 1404هـ / 1984م، ط 1.

[28] انظر: الدعوة الإسلامية، مرجع سابق، ص 80، وانظر أيضاً: مواطن الشعوب الإسلامية في إفريقيا. (6) تشاد، مرجع سابق، ص 38.

[29] نسبة إلى سيف بن زي يزن الحميري، سليل بيت ملوك حمير، وكان لسيف شأن عظيم في تاريخ العرب بمشاركته في طرد الأحباش من جنوبي بلاد العرب، انظر: دائرة المعارف الإسلامية، مرجع سابق، ج 13 / ص 3.

[30] انظر: فقرة: تاريخ دخول الإسلام إلى المنطقة، من هذا البحث.

[31] «البولالا»: هي القبائل التي كانت تعيش في شرق «بحيرة تشاد»، ومجاورة لمملكة «كانم»، وحالياً تقطن في وسط تشاد، وبالتحديد في محافظة البطحاء، ويتمركزون حول مدينة «أنجمينا بولالا» التي تبعد عن العاصمة «أنجمينا» حوالي: 300 ‏كم.

[32] «باقرمي» أو «باجرمي» أو «بقرمي» أو «بجرمي»، وهي «الباقرمة»، وتنطق «باقرمي» أو «باجرمي»، انظر: دائرة المعارف الإسلامية، مرجع سابق، ج 6 / ص 226، مادة: (باجرمي).

[33] قيل: إن مؤسس المملكة يدعى «دوكنج»، وكان وثنياً أيضاً، وهو الذي أسس مدينة «ماسانيا»، وهي التي أصبحت عاصمة المملكة فيما بعد، انظر: العلاقات السياسية والاجتماعية، مرجع سابق، ص 72.

[34] انظر: مواطن الشعوب الاسلامية في إفريقيا (6) تشاد، مرجع سابق، ص 41، والعلاقات السياسية الاجتماعية، مرجع سابق، ص 72‏.

[35] قيل: إن كلمة «وداي» نسبة إلى عبد الكريم بن وداعة، مؤسس المملكة، وقيل: كانت تعرف باسم (دار مابا)، ثم أبدلت بهذا الاسم «وداي»، وقيل: إنها مأخوذة من ضوء الصلاة الذي يكثر الوداويون النطق بها أثناء تعليمهم الناس الإسلام آنذاك، وقيل: إن كلمة «وداي» مأخوذة من كثرة  الوديان الموجودة في البلاد، ولعل الراجح نسبتها إلى «وداعة» مؤسس المملكة، انظر: تشاد من الاستعمار حتى الاستقلال مرجع سابق، ص 18، وانظر أيضاً: تاريخ الاسلام وحياة العرب في إمبراطورية «كانم – برنو»، د. ابراهيم صالح الحسني النوي، ص 54، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، 1396هـ / 1976م.

[36] انظر: المصدر نفسه، ص 17.

[37] انظر:  تشاد من الاستعمار حتى الاستقلال، مرجع سابق، ص 154.

[38] انظر: المرجع نفسه، ص 109 – 110.

یستمر...

 

کاتب: موسى يوسف عيسى إدريس

مصدر:‏‎ ‎مجلة قراءات، العدد 1، رمضان 1425هجري، اكتوبر 2004 ميلادي.‏