جمهورية تشاد، الماضي و الحاضر و المستقبل(2)

  • رقم الخبر 2417
  • المصدر: مجلة قراءات

المخلص هناك عدة دوافع جعلت الدول الاستعمارية عموماً تتسابق إلى القارة الإفريقية في القرن التاسع عشر لبسط نفوذها على أكبر مساحة ممكنة فيها.


ثالثاً: الاحتلال الفرنسي لمنطقة تشاد، والآثار التي تركها:

‏هناك عدة دوافع جعلت الدول الاستعمارية عموماً تتسابق إلى القارة الإفريقية في القرن التاسع عشر لبسط نفوذها على أكبر مساحة ممكنة فيها.

1- أهم الأمور التي دفعت فرنسا لاحتلال منطقة تشاد:

أ- دوافع اقتصادية:

‏ففي القرن التاسع عشر الميلادي دخلت أوروبا في مرحلة تاريخية جديدة، وهي الاهتمام بالصناعة والتنمية الاقتصادية، فشهدت الأمم الأوروبية ثورة صناعية، نمت فيها الاحتكارات الرأسمالية نمواً مطرداً عالمياً في كلٍّ من فرنسا وألمانيا وإنجلترا، ونتيجة لهذا التطور الصناعي برزت حوافز قوية للتسابق والتنافس نحو هذه القارة الإفريقية من أجل الحصول على المواد الخام، وكذلك على أسواق جديدة خارج أوروبا لتصريف منتجاتها، وتوفير الأيدي العاملة بأثمان رخيصة[39].

وهذا ما فعلته فرنسا بالفعل في دولة تشاد بعد احتلالها، حيث فرضت على الفلاحين أن يقلّلوا من زراعة المحاصيل التي لا تخدم مصالحها، وفي المقابل أن يوسعوا من دائرة زراعة القطن على حساب المنتجات الأخرى التي كان السكان بأمسّ الحاجة إليها، كالدخن، والذرة، والفول، وغيرها من المنتجات الاستهلاكية، كما أن فرنسا تحتكر تصدير القطن إليها، ولا يحق لتشاد أن تصدّر إلى أي بلد آخر، لأنها هي التي أمرت بزراعته في الأراضي التشادية، وفعلاً قد تمت زراعة القطن لأول مرة في عام 1928‏م بتوجيهات فرنسية بغية إمداد مصانع النسيج بالمواد الخام، وفرضت الإدارة الاستعمارية على الفلاحين ذلك دون مراعاة لحاجة السكان من المؤن الغذائية، مع أن الفلاح التقليدي لم يستفد مادياً من زراعة القطن لقلّة الأرباح، وقد يكون مديوناً أحياناً[40].

ب- دوافع دينية:

‏لا شك أن الصراع بين الإسلام والقوى المعادية للإسلام قائم منذ فجر الإسلام، وسيبقى إلى قيام الساعة، فرضا فرنسا النصرانية الصليبية عن الشعب التشادي المسلم لا يتم إلا بطمس معالم الثقافة الإسلامية في البلاد، وبتخلي المسلمين عن كلّ مظهر من المظاهر الإسلامية، واتباع دينها المنحرف وثقافتها المنحلة، مصداقاً لقول الله تعالى: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ [البقرة: 120].

‏فأول ما حطّت فرنسا أقدامها في «أوبانجي» (جمهورية إفريقيا الوسطى حالياً)، وأنشأت مركزاً لها في «كارنو» عام 1891‏م[41]، شعرت بخطورة الإسلام المنتشر في منطقة تشاد، ورأت أن هذا الانتشار يهدّد مصالحها في المنطقة، وبخاصة بعد تحركات «رابح بن فضل الله الزبير» في المنطقة، وانتصاره على مملكة باقرمي ومملكة كانم - برنو، وبسط نفوذه على هاتين المملكتين، وبدئه التحكيم بالشريعة الإسلامية، حيث جعل القضاء في إدارته يتولاه الفقهاء بتعيين من رؤساء المقاطعات، ويتم الحكم بالإعدام على كلّ من يرتكب جريمة القتل، وتقطع يد السارق، ويجلد شارب الخمر والزاني[42] إذا كان غير محصّن، فجن جنون فرنسا، فأخذت تمدّ نفوذها نحو «بحيرة تشاد» لقطع الطريق على قوات «رابح» من بسط نفوذها على الأراضي التشادية كافة من جهة، ولتربط بين مستعمراتها من جهة أخرى[43].

ومما يدل على أن الاحتلال كان بدافع ديني ما قامت به فرنسا في منطقة تشاد من اصطحابها للجمعيات الكنسية، والسماح لها ببناء الكنائس والمدارس الكنسية في المنطقة، بل دعمها بالمال اللازم وحمايتها من كلّ المخاطر، وتذليل العقبات والصعوبات التي تقف أمامها بغية إدخال عدد كبير من أفراد هذا الشعب في الديانة النصرانية، وبخاصة إدخال هؤلاء الوثنيين الذين يقطنون في جنوب البلاد، ولذا نجد جلّ تركيزها في المنطقة الجنوبية، وفي المقابل محاربة الإسلام ولغته وثقافته بكلّ الوسائل المتاحة لها، وهذا ما أكده «جان كلود لتن» بقوله: «إن الهدف الأساسي لفرنسا هو إزالة جميع المؤسسات التي هدفها الأساسي نشر الإسلام والثقافة العربية، لكي تحلّ محلّها مؤسسات أخرى فرنسية تتولى نشر المسيحية والثقافة الفرنسية، وخاصة في المناطق المجاورة لبحيرة تشاد معقل الإسلام»[44].

ج- دوافع استراتيجية لفرنسا:

من الممكن تقسيم هذه الدوافع إلى النقاط الآتية:

- ظروف فرنسا الداخلية:

‏ففرنسا بعد هزيمتها في الحرب الألمانية الفرنسية سنة 1870‏م أصبحت أوضاعها الداخلية صعبة للغاية، فبدأت فرنسا تفكّر في تغيير مخططها العسكري، وذلك باحتلال أجزاء كبيرة من القارة الإفريقية، ومن ثم تحويل أنظار الشعب الفرنسي عن الأوضاع الداخلية الرديئة، وصرف النظر عن الاهتمامات الداخلية إلى الأوضاع الاستعمارية في القارة الإفريقية، وبذلك تتمكن فرنسا من نقل تلك الاهتمامات الداخلية للشعب الفرنسي من القارة الأوروبية إلى القارة الإفريقية بعيداً عنها، لتنسى الأمّة الفرنسية مشكلاتها وآلامها التي نتجت عن هزيمة فرنسا في حربها مع ألمانيا عام 1870م.

- أهمية المنطقة لفرنسا:

‏من الأمور التي دفعت الدول الأوروبية الاستعمارية إلى التوغل في القارة الإفريقية الدوافع الاستراتيجية، حيث إن الحرب القائمة بين الدول الاستعمارية نفسها ووضعها السياسي دفعتها إلى أن تفكر في الأماكن الخالية بعيداً عن أنظار الدول الأخرى المنافسة لها، واحتلال مراكز مهمة في الكرة الأرضية، ومن ضمن ما اختارت القارة الإفريقية.

ولما كان لمنطقة تشاد ميزة خاصة في القارة، حيث إنها تقع في وسط القارة، توجهت فرنسا إلى احتلال تلك المنطقة الاستراتيجية من جميع النواحي، وخصوصاً من الناحية العسكرية، فمن الناحية العسكرية توجد سلسلة جبال «تبستي» في الشمال التي ترتفع بعض أجزائها إلى (3415) م[45]، وسلسلة جبال «إنيدي»، ومرتفعات «وداي» وملحقاتها.

أضف إلى كلّ هذا الصحراء الشاسعة التي ما زالت فرنسا تجرب فيها أسلحتها وتدرب فيها جنودها، حتى يومنا هذا، فهناك قوات فرنسية مرابطة في «جمهورية تشاد» بحجة تدريب القوات المسلحة التشادية والدفاع عن دولة تشاد من التدخلات الخارجية، ولكن في حقيقة الأمر تقوم فرنسا بتدريب قواتها على كلّ سلاح جديد تحصل عليه، واختبار مداه وفاعليته في هذه الصحراء الشاسعة.

 

2- مراحل التغلل الفرنسي في تشاد:

مرّ التغلغل الفرنسي في دولة تشاد بمرحلتين مهمتين، وهما: الاستطلاع الأوروبي، ومرحلة الاستطلاع والاحتلال الفرنسي.

‏المرحلة الأولى: مرحلة الاستطلاع الأوروبي للمنطقة:

هذه المرحلة تسميها الدول المستعمرة «‏بحركة الكشوف الجغرافية»[46]، وهي في الحقيقة «طلائع الاستعمار»، كما سمّاها الدكتور محمد صالح أيوب بقوله: «فإننا نطلق على هذه الشريحة الأوروبية التي قامت بهذا الدور في وسط إفريقيا اسم الاستطلاع الأوروبي، ويصدق عليهم هذا الاسم تماماً، وخاصة بالمعنى العسكري، بدليل أن أغلبهم كان ضابطاً كبيراً في بلاده، حيث نجد أسماء مثل: «العقيد كلابرتون»  و «الكابتن دونهام» و «الضابط البحري براز»، وإن كانوا يعملون في وسط إفريقيا باسم الجمعيات الجغرافية الفرنسية أو الإنجليزية أو البلجيكية»[47].

‏وهذه الطلائع قامت بمهمتها، قادمة من جهات عديدة، وخصوصاً من الشمال ومن الشرق ومن الغرب، فمن الشمال نجد البعثة البريطانية، ففي سنة 1825م عبر صحراء طرابلس كلٌّ من «كلابرتون، ودونهام، وأودني»، ووصلوا إلى بحيرة تشاد ونهر شاري، وجاءت بعده بعثة «ريتشاردستون» و «بارث» سنة 1845‏م، فقد توزعت هذه البعثة إلى فرقتين: إحداهما بقيادة «ريتشاردستون»، واتجه شرقاً من طرابلس، والفريق الآخر بقيادة «‏بارث» ‏الألماني، واتجه إلى الغرب، ووصل «ريتشاردستون» إلى بحيرة تشاد، ولكنه مات ودفن على شواطئها، وواصل «بارث» دراسة البحيرة ونهر شاري - كما يزعم -، حتى التقى مع «فوجل» الذي كان يقوم هو الآخر باستطلاعاته حول منطقة وسط إفريقيا حتى وصل إلى منطقة «وداي»، لكن قتل «فوجل» هناك عام 1856‏م، أما «بارث» فقد اكتفى بما جمعه من معلومات حول «بحيرة ‏تشاد» ‏ومنابعها الأساسية وحياة سكانها ونظامهم السياسي وتركيبتهم الاجتماعية، ونشر هذه المعلومات كلها بعد عودته إلى بريطانيا عن طريق طرابلس، وكان لكتاباته أكبر الأثر في تعريف أوروبا بوسط إفريقيا وما يتميز به من  خيرات[48].

المرحلة الثانية: مرحلة الاستطلاع الفرنسي واحتلال المنطقة:

قامت فرنسا بإرسال مجموعة من رجالها لغرض الاستطلاع وجمع معلومات عن المنطقة، فأول من وصل من رجال الاستطلاع الفرنسي إلى هذه المنطقة هو «بول كرامبيل» الذي وصل إلى منطقة تشاد في 24/4/1891‏م قادماً من وسط إفريقيا الوسطى، حيث كان ينوي الوصول إلى مملكة «وداي»، ولكنه لم يتمكن من الوصول إليها، حيث قتل هناك مع بعض مرافقيه على يد القوات التشادية التابعة لمملكة «وداي»[49].

‏وعلى كلّ حال؛ فإن المستعمر الفرنسي استفاد من الكمّ الكبير من المعلومات التي حصل عليها عن المنطقة عندما تمكن رجال الاستطلاع الأوروبي من بلوغ بحيرة تشاد، ونشروا نتائج استطلاعتهم في القارة الإفريقية، فحصلت فرنسا على معلومات كافية عن المنطقة من تصور كامل وشامل عن البحيرات والسهول والمنخفضات والهضاب والصحاري، وعن موارد البلاد الاقتصادية، وكلّ ذلك مهّد الطريق أمام فرنسا لاحتلال دولة تشاد.

‏وتتلخص العوامل التي ساعدت فرنسا على احتلال دولة تشاد فيما يأتي:

1- الحملات الاستطلاعية التي تمكنت من جمع المعلومات الدقيقة عن المنطقة.

2‏- الحروب القائمة بين الممالك الإسلامية لفترة طويلة.

3- استنجاد بعض الممالك الإسلامية بالقوات الفرنسية طلباً للحماية من هجمات «رابح الزبير».

‏على الرغم من الجهود المبعثرة في جبهات القتال المختلفة بسبب التناحر التي كانت بين الممالك الإسلامية وقوات «رابح»؛ فقد ظلّ التشاديون يقاومون التغلغل الفرنسي في البلاد.

ولا يفهم من هذه العوامل أن الشعب التشادي قد استسلم استسلاماً نهائياً للمستعمر، حيث سجّل التاريخ بأنه قاوم بقدر ما يستطيع، إلا أن الكفّة غير المتوازنة بين قوة فرنسا والشعب التشادي مكّنت من نجاح المستعمر في نهاية الجولة حتى استطاع السيطرة عليها كاملة في عام 1920‏م، ومن ثمّ تحولت منطقة تشاد إلى مستعمرة من المستعمرات الفرنسية رسمياً إثر مرسوم 17/3/1920م[50].

‏وهكذا تناثرت أشلاء الممالك الإسلامية القوية في المنطقة، وتحقّق لفرنسا ما أرادت من استعمار دولة تشاد وشعبها المسلم.

 

3- مظاهر الاستعمار في دولة تشاد:

قيام الحكومة الفرنسية باختيار حكومة محلية من الوثنيين.

احتكار الامتيازات التجارية للشركات الفرنسية وحدها دون مشاركة الشركات الوطنية.

حصر تصدير المنتجات التشادية، وبخاصة القطن، إلى فرنسا فقط.

فرض اللغة الفرنسية وثقافتها على الشعب التشادي.

التدخل في شؤون الدولة وفرض سياساتها في جميع المجالات.

هذه النقاط الخمس التي أشرت إليها تظهر في حقيقة الأمر صور الاستغلال الفرنسي لدولة تشاد، ولا تظهر فيها صورة الاستقلال بأي حال.

 

الهوامش:

 

[39] انظر: الثقافة الإسلامية وتحديات العصر، د. شوكت محمد عليان، ص 500، وما بعدها، دار الرشيد للنشر والتوزيع، الرياض - 1410 هـ / 1981م، ط 1.

[40] انظر: أهمية الموقع الجغرافي، مرجع سابق، ص 85.

[41] انظر: تشاد من الاستعمار حتى الاستقلال، مرجع سابق، ص 127 – 132.

[42] انظر: المصدر نفسه، ص 127.

[43] انظر: المصدر نفسه، ص 35.

[44] مجلة الثقافة العربية، ص 51 - 52، العدد (7) بتاريخ 12/1400هـ /  7/1990م.

[45] تشاد من الاستعمار حتى الاستقلال، مرجع سابق.

[46] انظر: حقائق تاريخية عن العرب والإسلام في إفريقيا الشرقية، محمد أحمد مشهور الحداد، ص 41 – 42، دار الفتح، بيروت – لبنان 1393ه / 1980م.

[47] امتداد الحضارة الإسلامية نحو بحيرة تشاد، مرجع سابق، مخطوط، ص 41.

[48] انظر: تشاد من الاستعمار حتى الاستقلال، مرجع سابق، ص 26.

[49] انظر: المصدر نفسه، ص 119.

[50] انظر: تشاد من الاستعمار حتى الاستقلال، مرجع سابق، ص 154.

یستمر...

 

کاتب: موسى يوسف عيسى إدريس

مصدر:‏‎ ‎مجلة قراءات، العدد 1، رمضان 1425هجري، اكتوبر 2004 ميلادي.‏