جمهورية تشاد، الماضي و الحاضر و المستقبل(3)

  • رقم الخبر 2420
  • المصدر: مجلة قراءات

المخلص يظهر أن المستعمر الفرنسي عقبة في وجه الدعوة الإسلامية في دولة تشاد في شتّى المجالات، ويتجلى ذلك من خلال آثاره بشكل واضح في الجوانب الآتية.


4- آثار المستعمر الفرنسي في تشاد:

ويظهر أن المستعمر الفرنسي عقبة في وجه الدعوة الإسلامية في دولة تشاد في شتّى المجالات، ويتجلى ذلك من خلال آثاره بشكل واضح في الجوانب الآتية:

1- الآثار في الجانب السياسی:

تقوم سياسات المستعمر في الدول المستعمرة على أن يكون المستعمرون هم المسيطرين على مقاليد الأمور، مما يمكّنهم من السيطرة الكاملة على البلاد، وبذلك يكونون مطّلعين على جميع خبايا البلاد وخفاياها، كما يتمكّنون من معرفة التركيبة الاجتماعية للشعوب، فيعرفون مواطن القيادة والزعامة فيه، وبناءً على ذلك يقومون باختيار الفئة التي يعتمدون عليها اختياراً دقيقاً، فيقومون بإعدادها وتنشئتها تنشئة خاصة، مما يجعلها ترتدي ملابس المستعمرين في ثياب وطنية.

فهذه السياسة التي رسمها المستعمر أدّت إلى تمكين فئة دون الأخرى في تسلّمها مقاليد الأمور، فكانت هذه الفئة هي الخادم المطيع لسيّده، وهي رهن الإشارة لتنفيذ مخططات فرنسا، من جانب آخر فقد ربط المستعمر الفرنسي البلاد في فلكه، وصارت من الدول الناطقة باللغة الفرنسية، وتقوم سياسة هذا البلد على الموالاة المطلقة لفرنسا والتبعية العمياء لها، مما جعل فرنسا تتدخّل تدخّلاً مباشراً في السياسات الداخلية للبلد، فضلاً عن تدخلها في السياسات الخارجية.

وفرنسا لها أيد مباشرة في جميع أحداث البلاد السياسية الكبيرة والصغيرة، حيث ساهمت في جميع الانقلابات العسكرية التي حدثت في البلاد، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، كما أن فرنسا عمدت إلى غرس فتنة داخلية في تشاد، فلجأت إلى إيجاد مشكلة دائمة مع بعض الدول المجاورة، مثل المشكلة الحدودية مع ليبيا فيما يعرف بإقليم «أوزو»[51]، وقد تطورت هذه المشكلة في الفترة السابقة حتى بلغت حدّ المواجهة العسكرية بين البلدين، بتحريض مباشر من فرنسا[52] التي كانت ولا تزال تقف وراء كلّ الصراعات والحروب التي حدثت في تشاد، وذلك عن طريق تربية الأفراد الموالين في كلّ تنظيم (تنظيم الجيش – توجيه السياسة العامة).

2- الآثار في الجانب التعليمي:

سعى الاستعمار إلى فرض الثقافة الفرنسية على البلاد، وحاول إغراء الشعب للاقتناع بالأخذ بها، حيث قصر الوظائف الإدارية والمراكز القيادية في البلاد على من تشرّب بثقافته وتكلم بلسانه[53]، وحتى يدعم هذا التوجه بوسيلة فعالة لتحقيق هدفه فقد أسّس التعليم ونظامه ومناهجه على النسق الفرنسي، ووضعه على مبادئه وثقافته، وأفرغ البلاد من نظامها التعليمي السابق القائم على أساس اللغة العربية[54]، كما عمل على محاصرة التعليم الإسلامي المتمثّل في المعاهد الأهلية الدينية، وذلك عن طريق تشويه صورته وصورة مدرّسيه وطلابه في المجتمع.

ومع ذلك؛ فإن معظم أبناء المسلمين لا يجدون الفرص التعليمية للأسباب الآتية:

الفقر الذي يعمّ الغالبية.

عدم اهتمام الحكومة بأبناء المسلمين.

عدم انتشار المدارس في الأماكن التي يقطنها المسلمون.

حصر المنح الدراسية في النصارى والوثنيين.

3- الآثار في الجانب الاقتصادي:

‏كانت أهداف المستعمر الأساسية هي البحث عن الموارد الاقتصادية والمالية التي تمدّ مصانعه التنموية التي أنشأها في عهد الثورة الصناعية التي قامت في فرنسا، لذلك كان طبيعياً أن يركن المستعمر في البلاد المستعمرة إلى مصادر تلك الموارد وعلى المواد التي توفّرها له بأزهد التكاليف، فوجد المستعمرون غايتهم في الدول الإفريقية الغنية بمواردها البشرية والطبيعية المتمثلة في خصوبة التربة ووفرة المياه، فركزوا جلّ جهدهم في استنزاف موارد تلك الدول ليمدوا بها مصانعهم - كما سبق ذكره -.

وسياسة المستعمر الفرنسي الاقتصادية لم تكن بدعاً من المستعمرين، بل كان المستعمر الفرنسي أحد أئمتهم في وضع السياسة الاستنزافية لموارد البلاد المستعمرة، فنجد أنه قد ركز نشاطه الاقتصادي في البلاد على الزراعة، بل اقتصر على زراعة ما تحتاج إليه مصانعه فقط دون مراعاة لحاجة البلاد التي يستعمرها، كذلك سعى إلى ربط دولة تشاد اقتصادياً به، وذلك عن طريق ربط عملة البلاد بالفرنك الفرنسي، مما جعل الدولة دائرة في فلك الاقتصاد الفرنسي في تبعية ذليلة[55].

ومن سياسات فرنسا الاقتصادية الخبيثة أنها مكّنت لشركاتها، فجعلتها تحتكر النشاط الاقتصادي في البلاد خصوصاً في مجال التصدير، حيث تستغل الجوّ الخالي من المنافسة في تبخيس قيمة موارد البلاد واستغلالها بصورة مواد خام وشرائها بقيمة زهيدة.

4- الآثار في الجانب الاجتماعي:

‏لقد ترك الاستعمار الفرنسي آثاراً اجتماعية خطيرة في المجتمع التشادي، حيث أخذ بسياسة تذويب المجتمع التشادي، وعمل جاهداً على أن يتقمّص ذلك المجتمع الشخصية الفرنسية، وأن يجعلها مثلاً أو نموذجاً يُقتدى به في كلّ شؤونه العامّة والخاصة، وبذلك فقد أثر المستعمر الفرنسي في عامّة الشعب التشادي في جميع النواحي الأخلاقية.

ففي الناحية الأخلاقية عمد الفرنسيون إلى كسر الوازع الأخلاقي والديني في نفوس التشاديين المسلمين، وبذلك أصبحوا يجترئون على حدود الله - تعالى -، ويهتكون أعراض إخوانهم المسلمين، فانتشر فيهم شرب الخمور وممارسة الرذيلة، وتناول المخدرات بجميع أنواعها، وكلّ ذلك نتيجة مباشرة من بثّ سموم الفساد التي تحطّم العقيدة والأخلاق السامية في نفوس أفراد المجتمع بإنشاء بيوت الفجور والملاهي للناشئة، وترويج الأفلام الخليعة الماجنة والصور العارية والداعية للانحلال والسفور، والاختلاط بين الجنسين في جميع المجالات، وبخاصة المدارس الفرنسية، وتشجيع كلّ ما يساعد على إفساد القيم، أو تشجيع المجتمع على إفساد أخلاقه الإسلامية الموروثة عن الآباء والأجداد، وتحطيم ثقافته وحضارته وعاداته وتقاليده الإسلامية، مستغلاً الفراغ الذي أصبح سمة للجيل الناشئ المسلم، يقول الشيخ محمود شاكر: «فقد ساهم الفرنسيون في نشر المخدّرات والخمور، وشجّعوا الحفلات الخلاعية ونشر الصور العارية والأفلام الموجّهة، وهذا كلّه يدعو إلى التحرّر من الدين»[56].

 

رابعاً: استقلال تشاد عن الاحتلال الفرنسي:

‏فمنذ أن حط المستعمر الفرنسي أقدامه في المنطقة والقبائل التشادية المسلمة تقوم بثورات متتابعة ضد المستعمر، مدافعة عن أرضها وثقافتها الإسلامية وهويتها وتراثها، وبذلت في سبيل الحفاظ عليها الغالي والنفيس، فدافعت عن تلك الثروة الإسلامية بأرواحها ودمائها، فمذبحة «كبكب»، وحرق قرى[57] بأكملها، لأكبر شاهد على ذلك.

يقول الباحث محمد شريف جاك في هذا الشأن: «يظهر أن أول دولة رفعت علم فرنسا الحرة بعد أن احتلتها ألمانيا كانت تشاد، وذلك في 21/8/1940م، وبعدها «برازافيل» في 28/8/1940م، وفي 30/8/1940‏م رفعتها أوبانجي (إفريقيا الوسطى حالياً)، وبذلك وقفت دولة تشاد ومعها إفريقيا الاستوائية الفرنسية إلى جانب فرنسا في محنتها»[58].

‏وقد تمثّل وقوف تشاد بجانب فرنسا في تقديم الدعم العسكري، حيث أصبحت منطقة تشاد مركزاً مهماً للقوات الفرنسية في حربها ضد ألمانيا، فقد انطلقت منها عدة حملات عسكرية اشتركت في الحرب.

ليس هذا فحسب؛ بل قدّمت دولة تشاد لفرنسا شعبها وأبناءها للقتال ضد ألمانيا بجانب فرنسا، حيث جندت آلاف التشاديين لها (قدرت بثلاثة عشر لواء من المشاة)، وشاركوا في الحرب إلى أن تحرّرت فرنسا من احتلال ألمانيا عام 1943م[59]، فعندئذً عقد الجنرال «ديجول» مؤتمراً صرّح فيه بأنه سيكافئ سكان المستعمرات بـ «المساواة في الحقوق السياسية وإلغاء الاحتكارات الاقتصادية»، وبهذا التصريح قد نكص الجنرال «ديجول» عن وعده وتعهده الذي وعد به الإفريقيين في أثناء محنته بأنه سيكافئهم بـ «الاستقلال»!!

وتمخض عن هذا المؤتمر نتائج نجملها في الآتي:

تكوين اتحادات مع المستعمرات.

المساواة بين الفرنسيين والإفريقيين داخل الاتحاد الفرنسي.

تطبيق مبدأ الاقتراع العام على الإفريقيين.

أن تكون المجالس الإفريقية ذات سلطة حقيقية في التشريع.

الغاء نظام سيطرة شركات الاحتكار ورأس المال على اقتصاد البلاد الإفريقية[60].

ومع المقاومة الطويلة والمريرة من قبل الشعب التشادي، على سبيل الحفاظ على هويته وتراثه الإسلامي، أظهرت فرنسا أنها ترغب في إعطاء الشعب التشادي استقلاله، فاختارت فرنسا عناصر وثنية للقيام بالحكم الصوري للشعب التشادي الذي يمثّل وجهة النظر الفرنسية.

وبذلك يمكن القول بأن فرنسا خدعت الشعب التشادي بهذه الصورة التي تخفي وراءها مخالب الاستعمار، حيث أعطت وعداً بالاستقلال، غير أن هذا الوعد نفّذ بصورة عكسية ضد مصالح الشعب التشادي، وأخضعتهم للاستعمار بصورة أخرى، وكان هذا الاستقلال المزعوم في 11/8/1960م، وبذلك أصبحت تشاد من الدول المستقلة اسمياً، وبقيت مظاهر الاستعمار فيها حتى اليوم، ولم تشعر يوماً بأنها استقلت فعلاً وتخلصت من تبعيتها لفرنسا.

 

خامساً: المستقبل المنظور لجمهورية تشاد:

أما المستقبل المنظور لجمهورية تشاد - حسب وجهة نظري القاصر- فستصبح لها شأن عظيم - إن شاء الله - خلال السنوات القادمة، سواء كان من الناحية الدينية، أو الاقتصادية، أو السياسية، وذلك لما لهذه المنطقة من مميزات تجعلها حقيقة بذلك، ومن أبرز تلك المميزات ما يأتي:

1- سبق الإسلام وتأصله في المنطقة:

‏لقد كان الإسلام أول دين سماوي يدخل المنطقة، حيث وصل إلى منطقة تشاد في القرن (الأول الهجري / السابع الميلادي)[61]، واعتنق السكان الدين الإسلامي، وانتشر في الأراضي التشادية كافة على فترات متقاربة، ما عدا الأقاليم الجنوبية التي بقيت على الوثنية، حتى بدأ انتشار الإسلام فيها في الآونة الأخيرة بفضل الله تعالى، ثم بفضل الجهود الجبارة التي بُذلت هناك، ومع أن الحركات التنصيرية وصلت إلى جمهورية تشاد برفقة المستعمر منذ عام 1923‏م، فإنها لم تنجح في إدخال الوثنيين في الديانة النصرانية، إلا عدداً قليلاً بالنظر إلى جهودها المبذولة المتواصلة ليلاً ونهاراً.

2- انتشار الثقافة الإسلامية:

‏قامت ثلاث ممالك إسلامية قوية في المنطقة، اعتنق ملوكها الإسلام، وتبنّوا عملية نشر الإسلام ودعوة الناس إليه منذ وقت مبكّر جدّاً، مما ساعد في انتشار الثقافة الإسلامية بشكل واسع في جميع أرجاء البلاد ما عدا الجنوب الوثني، إلا أن هناك تنافساً شديداً في الوقت الحاضر بين الثقافة الإسلامية المتأصلة والثقافة الفرنسية الدخيلة على البلاد المتمثلة في المحاولات العديدة للغزو الثقافي الغربي بشتّى الوسائل وبجميع الأشكال، ومع ذلك كلّه استطاعت الثقافة الإسلامية أن تحافظ على انتشارها الواسع في الأراضي التشادية كافة، حتى أصبحت اللغة العربية هي اللغة الوحيدة التي يتم التخاطب والتفاهم بها بين القبائل التشادية المختلفة الأجناس والأعراف، سواء كان في أوساط المتعلمين أو غيرهم على حدٍّ سواء.

3- التحويلات الأخيرة للدعوة الإسلامية كمّاً وكيفاً (خصوصاً في الجنوب الوثني):

‏إنّ نشاط الدعوة الإسلامية في جمهورية تشاد، ممثلاً في جهود الجماعات الإسلامية[62]، أو الأفراد العاملين في حقل الدعوة، جهود مشكورة، وبالبرغم مما تواجهه الدعوة من المخاطر والتحديات فإنّها تشهد نمواً وامتداداً طيباً، يتمثل في العودة الصادقة إلى الله تعالى، ومحاولة التخلص من ربقة التبعية الغربية، وبثّ روح الاعتزاز بالدين، وتبليغ الرسالة الخاتمة لمن لم يتذوقوا حلاوتها بعد.

‏وهذا الداعية «علي رمضان ناجل» الذي استطاع - بتوفيق الله - بنشاطه الفردي إدخال أربعة عشر 14 سلطاناً في الإسلام، وعلى رأس هؤلاء السلاطين «سلطان موسيقار» أعظم سلاطين الجنوب هيبة وقوة وسلطة، بل إنّ هذا السلطان أول من أسلم من قبيلة «الخلافية» التي تدين جميعها بالوثنية والنصرانية، وبدخول هذا السلطان إلى حظيرة الإسلام انكسرت شوكة الكنيسة التي أنفقت الملايين خلال 80 عاماً، وخسرت المنطقة بأسرها، بل خيّبت آمال المنصّرين الذين كانوا يأملون تنصير أفراد هذه القبيلة منذ زمن بعيد على وجه الخصوص، والجنوبيين جميعاً، في عام ألفين.

4- الحالة الاقتصادية:

تُعَدّ جمهورية تشاد من الدول الفقيرة للغاية حسب التصنيف الدولي في السابق، ولكنها في الوقت الحالي في مرحلة جديدة من الحياة الاقتصادية، ومقبلة على نموٍّ اقتصادي كبير، وربما تصبح تشاد في عام 2006‏م ثالث أهم منطقة اقتصادية في إفريقيا - حسب الدوائر الاقتصادية الأمريكية -، وأمريكا الآن تسرع في استخراج البترول التشادي، وربما في المرحلة الثانية تقوم باستخراج اليورانيوم التشادي المدفون منذ قرون دون الاستفادة منه، بسبب سياسات المستعمر الفرنسي لاستغلال الفقر والحاجة في أعمالهم الاستعمارية أو التنصيرية، وها هو ذا «بابا الفاتيكان» يناشد أمريكا بعدم الإسراع في استخراج البترول التشادي، ويزعم بأن لديه ضمانات كافية من عدم استخراج اليورانيوم التشادي، ويسوّغ ذلك بقوله: «إن تشاد منطقة هامة... وهي مقبلة على مرحلة جديدة من الحياة الاقتصادية، وربما تصبح تشاد في عام 2006‏م ثالث أهمّ منطقة اقتصادية في إفريقيا - حسب الدوائر الاقتصادية الأمريكية -، وان كانت الجمهورية الفرنسية غير مشجّعة هذا الاتجاه... ووسيلتنا إلى هذه المناطق الفقر والحاجة، أرجو من الحكومة الأمريكية ألا تستعجل في استخراج البترول التشادي... وقد ننجز أهدافنا قبل الاستخراج، وعندئذ ثروة البلاد كلّها تكون في خدمة ربنا المسيح»[63].

5- الحالة السياسية:

‏لا شك في أن المسلمين هم أصحاب السياسة الفعلية منذ أمد بعيد، لأن دخول المسلمين حلبة المعترك السياسي بدأ قبل الاستقلال في عام 1960‏م، فأول حزب سياسي ظهر على الساحة التشادية برئاسة رجل مسلم، وهو عربي، حيث كوّن حزبه في عام 1945م تحت اسم: «الاتحاد الديمقراطي التشادي »، وفي عام 1945‏م ظهر حزب آخر برئاسة مسلم، وهو: أحمد غلام الله، تحت اسم: «الحزب الاشتراكي التشادي المستقل »، وفي يوم 13/3/1959م شكّل أحمد غلام الله حكومة جديدة في البلاد، فأصبح أول رئيس للوزراء رجل مسلم (وكان رئيس الوزراء بمثابة رئيس الجمهورية)، كما بدأت جبهة التحرير الوطني التشادي «فرولينا » كحزب سياسي سري داخل البلاد منذ عام 1958‏م باسم «الاتحاد الوطني التشادي »، وأعضاء هذا الحزب هم الذين قادوا الثورة الإسلامية ورفع السلاح في وجه الحكومة النصرانية الظالمة، والتي كانت تمارس اضطهاد المسلمين[64]، بعد حلها للأحزاب كلها واعتقال رؤسائها وتطبيق مبدأ الحزب الواحد في تشاد، وفرض قانون الطوارئ في البلاد في عام 1962م[65]، برئاسة «فرنسوا تمبلباي» النصراني، ثم برئاسة الجنرال «فليس مالوم»، ودامت هذه الحكومة النصرانية العميلة لفرنسا قرابة 18 ‏عاماً حتى أطيح بها في معركة مع الرئيس السابق «حسين هبري» عام 1978م، ومن ثم آل الحكم إلى المسلمين، ولكنّهم تنازعوا فيه، فنشبت بينهم حروب دامية، تحولت إلى حروب أهلية قبلية دمرت البلاد والعباد، وحتى اليوم يعاني الشعب التشادي بأسره آثار تلك الحروب.

‏ومع هذا كله؛ فإن زمام الأمور في البلد بيد المسلمين، ويصعب التكهن بنزعها منهم في الوقت الحاضر والمستقبل القريب، وإن كان المستعمر الفرنسي يسقى حثيثاً في تولية رجل نصراني زمام الأمور في البلاد، لأن الرئيس الحالي طبق الديمقراطية نوعاً ما، مما أتاح الفرصة للمسلمين لممارسة السياسة من خلال تكوين أحزاب كثيرة، وقد بلغت الأحزاب التي يترأسها المسلمون قرابة 37 ‏حزباً، كلها تكونت منذ عام 1992‏م إلى عام 1997‏م[66]، وهي في ازدياد يوماً بعد يوم.

6- الحالة التعليمية:

‏مع ما سبق ذكره من الآثار التعليمية للمستعمر الفرنسي في البلاد فإننا نستطيع أن نقول: إن التعليم الإسلامي في تشاد أخذ ينمو نحو الأفضل، بسبب إنشاء المدارس الإسلامية الأهلية، والخلوات القرآنية الكثيرة، في كثير من المناطق التشادية، ودخل التعليم مرحلة جديدة بعد تأسيس جامعة الملك فيصل - يرحمه الله -[67].

‏لقد أنشئت جامعة الملك فيصل في سنة 1411ه الموافق 1991م بوصفها مؤسسة تعليمية إسلامية أهلية «ذات شخصية اعتبارية»، لها استقلاليتها الإدارية والمالية، وأنشطتها الأكاديمية والخيرية، ومرّ تأسيسها بمراحل عدة حتى وصلت إلى المرحلة الحالية.

إن طبيعة عمل الجامعة تجعل أنشطتها في نطاق نشر العلم، والثقافة الإسلامية، واللغة العربية بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، وهذا واضح من خلال أهداف الجامعة التي تسعى إلى تحقيقها من خلال كلياتها ومناهجها وخططها المستقبلية، حيث تسعى في الدرجة الأولى إلى احتواء حملة الشهادات العربية لأجل تعيينهم في الإدارات الحكومية، والخدمة المدنية، لتفعيل دور هؤلاء المثقفين بالثقافة العربية الإسلامية لاستعادة أمجاد الآباء والأجداد في هذه المنطقة الاستراتيجية من الناحية الجغرافية والعسكرية والاقتصادية، حيث إنها تتعرض لحملة شرسة من قبل الحملات التنصيرية التي تريد لها أن تذوب شخصيتها في الثقافة الفرنسية الغربية وتنسى ماضيها الزاهر وحاضرها الزاخر[68].

فالجامعة إذن تحملت مسؤولية كبيرة في حجمها وتبعاتها، وأخذت على عاتقها أمانة تربية الأجيال الإسلامية، ليس في تشاد فحسب بل في القارة الإفريقية بأسرها، بفتح مجال التعليم لأبناء القارة جميعاً، بغض النظر عن التيارات السياسية، أو الحدود الاصطناعية التي وضعها المستعمرون، أو الحواجز العرقية القبلية المقيتة التي حاربها الإسلام منذ أربعة عشر (14) قرناً من الزمن.

فهذه أبرز آثار هذه الجامعة المباركة:

تأسيس الكليات الآتية: اللغة العربية، وكلية الشارقة للتربية، وافتتاحها مركز المدينة المنوّرة للتدريب، وإنشائها قسم الدراسات العليا لمرحلتي الماجستير والدكتوراه.

استيعاب جملة من الطلبة من حملة الشهادات العربية من التشاديين، وغيرهم من الدول الإفريقية.

تخريج دفعات ممن تمّ تأهيلهم لسدّ الفراغ الإداري والتعليمي.

نشر اللغة العربية والثقافة والحضارة ‏الإسلامية في تشاد والدول الإفريقية المجاورة، وإعدادها جيلاً مستنيراً بالعقيدة الصحيحة والعلم النافع.

إحداث التوازن بين اللغة العربية واللغة ‏الفرنسية في المجالين الإداري والتعليمي، وفي المؤسسات الحكومية المختلفة.

افتتاحها مستوصف التضامن الإسلامي، ومركز الخدمات الجامعية ليقدم خدماته الطبية لأساتذة الجامعة وموظفيها وطلابها وذويهم.

‏بالإضافة إلى افتتاحها في بداية عام 1999م المكتبة المركزية للجامعة التي تبلغ مساحتها ثمانيمائة وأربعين (840) متراً مربعاً، وتعد الآن أكبر مكتبة علمية إسلامية في البلاد، وتحوي عشرين ألف (20000‏) كتاب ومرجع في مختلف التخصصات[69].

‏كانت هذه لمحة بسيطة عن جمهورية تشاد، من نواح مختلفة في الماضي والحاضر والمستقبل، ‏نسأل الله أن ينفع بها المسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

 

المراجع:

[51] انظر: العلاقات السياسية والاجتماعية مرجع سابق، ص 334.

[52] انظر: المرجع نفسه، ص 333.

[53] مقابلة شخصية، شارك فيها كلٌّ من الصحافي: عبد الله عيسى ومحمد الصحافي: يوسف محمد زين، بتاريخ: 8/4/1416هـ / 3/9/1995م في العاصمة «أنجمينا»، في منزل إبراهيم آدم صالح، بحي قوجي.

[54] المقابلة السابقة نفسها.

[55] انظر: دوافع الاستعمار الاقتصادية، من هذا البحث.

[56] مواطن الشعوب الإسلامية في إفريقيا (6) تشاد، مرجع سابق، ص 74.

[57] وكانت هذه القرى في محافظة «كانم»، وكان السبب في حرق القرى مقتل جندي فرنسي على يد أحد القرويين، وبحثاً عن هذا الشخص تحرق كلّ القرية، ثم ينتظر من يخرج منها ليقبض عليه، أو يقتل إن حاول الفرار.

[58] العلاقات السياسية والاجتماعية، مرجع سابق، ص 120.

[59] المرجع نفسه، ص 120.

[60] العلاقات السياسية والاجتماعية، مرجع سابق، ص 120.

[61] انظر: الحديث عن تاريخ دخول الإسلام في المنطقة بالتفصيل من هذا البحث.

[62] الجماعات الإسلامية الدعوية في تشاد تتمثل في: (الجماعة السلفية) التي تُعرف في تشاد باسم: (جماعة أنصار السنّة المحمدية)، و (جماعة الدعوة) أو (جماعة التبليغ)، أما جماعة (الإخوان المسلمون) فلا وجود لهم كتنظيم جماعي في تشاد، وإن كان بعض الأفراد في كلا الجماعتين السابقتين يستحسن مبادئها وأفكارها.

[63] انظر: التنصير في تشاد، ص 33، بشيء من التصرف.

[64] انظر: التضامن الديمقراطي ضرورة حتمية لبناء تشاد، آدم كردي شمس، ص 53، ط 1، 1413هـ / 1992م.

[65] انظر: تشاد والاسلام ومعركة التحديات، ص 272، وانظر: التضامن الديمقراطي، مرجع سابق، ص 40 – 44.

[66] انظر: الديمقراطية والتعددات الحزبية في تشاد، أحمد قاسم أحمد، ص 152 – 129، بحث مقدّم إلى قسم الدراسات العليا بجامعة الملك فصل بتشاد / كلية الشارقة للتربية، لنيل درجة دبلوم الدراسات المعمقة في التاريخ الحديث والمعاصر، بحث غير منشور.

[67] سبب تسميتها باسم «جامعة الملك فيصل» فالقصد منه هو الامتداد الطبيعي لمركز الملك فيصل الإسلامي، وفي الوقت نفسه الاعتراف بالفضل والإحسان الذي قدّمه الملك فيصل – يرحمه الله – للشعب التشادي لإنشائه ذلك المركز عام 1974م، انظر: مجلة المستقبل الإسلامي العدد (117) محرم 1422هـ / أبريل 2011م، ص 20، وانظر: المجلة العربية، العدد (241) السنة (21)، صفر 1418هـ / يونيو - يوليو 1997م، ص 97، مقابلة أجرتها المجلة مع رئيس الجامعة أ.د. عبد الرحمن الماحي.

[68] انظر: المطوية التعريفية للجامعة التي أعدت من قبل إدارتها في عام 2001م، ص 1 – 3، وانظر: المجلة العربية العدد (241) لسنة (21) صفر 1418هـ - يونيو / يوليو 1997 م، ص 97 – 98، وانظر: مجلة المستقبل الإسلامي العدد (117) محرم 1422ه /ـ أبريل 2001م، ص 20 – 21، بالإضافة إلى حديث الدكتور عن الجامعة في لقائه مع الجالية التشادية في مدينة الرياض في عام 2002م.

[69] انظر: مجلة المستقبل الإسلامي، العدد (117) محرم 1422هـ / أبريل 2001م، ص 20 – 21، وانظر: المجلة العربية، مرجع سابق، العدد (241) السنة (21) صفر 1418هــ / يونيو 1997م، ص 97.

 

کاتب: موسى يوسف عيسى إدريس

مصدر:‏‎ ‎مجلة قراءات، العدد 1، رمضان 1425هجري، اكتوبر 2004 ميلادي.‏