الثقافة الإسلامية وأثرها على الحياة الاجتماعية والسياسية في الصومال(1)

  • رقم الخبر 2442
  • المصدر: مقديشو برس

المخلص ارتبط الصومال - في مختلف العصور- بكل تاريخ وتراث وثقافات وأديان الجزيرة العربية، كما ارتبط بسلسلة شعوب القرن الإفريقي تاريخاً وحضارة وانتماء وثقافات ومصالح.


يعد الصومال قطراً إسلامياً في عقيدته، عربيا في انتمائه القومي والثقافي، إفريقيا على امتداده القاري، هذه الثلاثية تشكل الهوية الثقافية والموروث الحضاري للصومال الذي عرف ببلاد (البونت)، يتمتع الصومال ببعد تاريخي وعمق ثقافي وحضاري لا يدركها كثير من أبنائه ويعود تاريخه إلى (9000) عاما قبل الميلاد، ويمتلك الصومال أطول حدود بحرية في إفريقيا تمتد لأكثر من (3000) كلومتر كحدود شاطئية مع عمق 370 كيلومتر في المياه الإقليمية وبموقع حيوي مطل على المحيط الهندي وخليج عدن ومدخل البحر الأحمر.

ارتبط الصومال - في مختلف العصور-  بكل تاريخ وتراث وثقافات وأديان الجزيرة العربية، كما ارتبط بسلسلة شعوب القرن الإفريقي تاريخاً وحضارة وانتماء وثقافات ومصالح، فقد أوجد ذلك ترابطا وثيقا بين المنطقتين منطقة القرن الإفريقي وشبه الجزيرة العربية، وبالتأكيد كان هذا الترابط سببا رئيسا لدخول الإسلام في القرن الإفريقي.

الصوماليون كانوا يمثلون جزءاً كبيرا من إمارات الطراز الإسلامي. فالإمارات التي نشأت في كل من هرر، وزيلع، وبربرة، ومقديشو نشأت في أرض الصومال، وكان سكانها صوماليين بالإضافة إلى العرب القادمين من الجزيرة العربية، والهجرات العربية إلى أرض الصومال قد تمت في وقت مبكر.

ويتميز المجتمع الصومالي بخصائص عدة، يصعب توافرها في كثير من مجتمعات العالم، حيث تتوافر فيه كل عناصر الأمة ومقوماتها، من: وحدة  العرق، واللغة، والثقافة، والدين، وحتى المذهب الفقهي المعمول به عندهم، وهو المذهب الشافعي،  ويعتبر الإسلام قوة وحدوية ربطت بين الصوماليين ودعمت أُخوتهم وتعاونهم وهو عامل من العوامل الكبرى في الوجود الصومالي كوحدة قائمة بذاتها في شرق إفريقيا، أما الروح القومية الصومالية  المحركة فهي العقيدة الإسلامية والثقافة العربية.

وقد ساهمت الثقافة الإسلامية في نهوض العديد من الحضارات؛ ممّا أدّى إلى تشجيع الصوماليين للالتفاف حولها للتعرّف على الإسلام والتمسك به. وهي تتمتّعُ بخصوصيّة تجعلها تتميّز عن الثقافات الأُخرى؛ ممّا ساهم ذلك في تعزيز التّقارب والتجانس بين أبناء المجتمع الصومالي، وتتميّز الثقافة الإسلامية عن كافّة الثقافات العالميّة الأُخرى بمجموعة من الخصائص جعلت المجتمعات تتوق إليها.

 

أسبقية الصومال في الإسلام:

وصل الإسلام إلى الصومال في وقت مبكر جداً حيث كانت الصومال في استقبال الدعوة الإسلامية أسبق من أي دولة أخرى إفريقية أو آسيوية، واختلف المؤرخون في تحديد تاريخ دخول الدين الإسلامي في الصومال، ورجح بعضهم أنّه وصل لبلاد الصومال قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنّورة عن طريق الصحابة الذين هاجروا إلى الحبشة،  ويرجح أن الصومال بحكم صلاته القديمة ببلاد العرب، وبحكم وجود جاليات عربية على ساحل الصومال منذ عهد انهيار سد مأرب في عام 120م، وما تلا ذلك، سواء جاءت هذه الجاليات لأسباب مذهبية، أم اقتصادية.

فإنه من المرجح أن الصومال عرف الإسلام في حياة الرسول- صلى الله عليه وسلم- حينما خرج جعفر بن أبي طالب من مكة إلى الحبشة لنشر الدعوة الإسلامية، وفي طريقه أسس مركز للدعوة في أريتريا والصومال، بمساعدة الجاليات العربية المستوطنة في تلك الجهات، وكان ذلك قبل هجرة الرسول - عليه الصلاة والسلام- من مكة إلى المدينة المنورة، بنحو ثماني سنوات فكانت الصومال أسبق إلى الإسلام من المدينة المنورة،،ويعتنق من الشّعب الصومالي برمته الإسلام بنسبة 100 %، وهم  شوافعه، ولا يمكن تحديد تاريخ وصول المذهب الشافعي إلى الصومال، ولا كيفية انتشاره، ومن ثم فلا عجب إذا وجدنا أن الصوماليين صاروا فيما بعد من أشد المتحمسين لنشر الدعوة الإسلامية، وأصبحت البلاد إسلامية خالصة، وهذا الفتح الكبير للإسلام، لم يكن عسكريا، وإنما كان ثقافيا دينيا.

وأياً كان تاريخ دخول الإسلام في الصومال، فقد انتشر فيها بصورة تدريجية وسريعة أيضا، حيث بدأ أولاً في المدن الساحلية التي كانت موطئ قدم الدعاة الأوائل، ثم انتشر بعد ذلك في المدن والمناطق الداخلية، حتى عم أنحاء البلاد كلها، وترجع أسباب هذا الانتشار بعدة عوامل، أهمها:-

الهجرات العربية والإسلامية، لعبت الهجرات العربية والإسلامية دوراً عظيماً في نشر الإسلام في الصومال، حيث استقبلت المنطقة تدفقات بشرية من مختلف البلدان الإسلامية من مهاجرين ومجموعات نازحة، علماً أنّ من بين هؤلاء المهاجرين علماء وفقهاء ومثقفون.

العلاقات التجارية القائمة بين الجزيرة العربية وأرض الصومال، فقد نشطت في العصر الإسلامي، ولم تنقطع صلات المنطقة بالعالم الإسلامي في أي عصر من العصور، وقد أسهم ذلك كثيراً في نشر الإسلام في المنطقة.

جهود العلماء  الصوماليين، الذين تخرجوا على أيدي الدعاة الوافدين، فحملوا لواء الإسلام، وتقلدوا عبء نشر الدعوة والعلوم الإسلامية، فمنهم من كرَّس وقته لتعليم الناس القرآن والحديث والفقه، متبعين أسلوب  الترجمة الشفوية في تبليغ الدعوة وتدريس العلوم الشرعية والعربية؛ لترسيخ العقيدة في قلوب الناس، ومنهم من قاد الفتوحات الإسلامية، فكان لهم دور بارز في جهاد القوى الصليبية، وحماية البلاد والعباد من هجمات البرتغاليين والصليبيين عموماً، وكذلك حماية الثغور الجنوبية للعالم الإسلامي، وقد ارتبطت الدعوة الإسلامية في مرحلة ما بالتصوف، وارتبط التصوف في مرحلة ما بالقبلية، حيث يصبح الأجداد بمرور الوقت أولياء صالحين، وقد كانت الطرق الصوفية سببا من أسباب الوحدة بين مكونات الشعب الصومالي، إذ تنتشر الطريقة بين قبائل مختلفة، فتؤدي إلى وحدة الانتماء الديني والثقافي، كما يحدث بسببها أنماط من التحالفات والمصاهرات والتجارب الاجتماعية والثقافية المشتركة.

فالناظر إلى التاريخ يجد أن شمس الإسلام قد أشرقت وفاح عبيرها بأرض الصومال منذ بواكير الدعوة الإسلامية الغراء، فوجدتْ طريقها سريعًا إلى قلوب الصوماليين؛ الذين ما لبثوا أن تحركوا لخدمة تلك الدعوة، وظهرت الصومال الإسلامية بشكل واضح في أثناء العشرين سنة التي تلت وفاة الرسول- عليه السلام- حينما اتجه عرب الجزيرة في نشر الدعوة الإسلامية نحو العراق والشام شمالا وفارس شرقا ومصر غربا فكان طبيعيًا أن عرب عمان، بحكم موقعهم الجغرافي والعزلة الإقليمية، يكون اتجاههم في نشر الدعوة الإسلامية تجاه الأراضي الصومالية وشرق إفريقيا.

ومن المعلوم أن الإسلام بمبادئه السمحة سرّ انتشاره فهو دين يكرم الإنسان، كرامة بالخلق وكرامة بالعلم، وكرامة في الإستخلاف في هذه الأرض لقوله تعالى: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة….﴾. وكرامة بالمساواة بين الناس جميعاً لقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباَ وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم...

ويمكن القول أن سرعة انتشار الإسلام في الصومال ترجع إلى أنه وصل بلغة قريبة إليهم، ومن شعب قريب إليهم، فقد عرفوا الشعب العربي ولغته من خلال المعاملات بينهما قبل ظهور الإسلام، فعندما قام العرب بالدعوة الإسلامية، كان الصوماليون أسرع الشعوب خارج شبه الجزيرة العربية إلى قبولها، وأصبحوا  معلمين ودعاة لها.

 

أثر الإسلام على التعايش السلمي الأهلي في الصومال:

لقد كان للإسلام أثراً عظيماً على التعايش السلمي الأهلي في الصومال، وظهر ذلك في حياتهم الاجتماعية، وقد أخذ الإسلام أهمية كبرى عند القبائل الصومالية فكان له تأثيرا واضحا على أرضهم، حيث وفر لهم الإسلام الأمن والاستقرار في حياتهم واقتصادهم، وانعكست معالمه الطيبة وآدابه في حياتهم وسلوكهم، وتميز الشعب الصومالي بالعديد من العادات الحسنة المستمدة من الثقافة الاسلامية كإكرام الضيف والعطف على الفقراء ومساعدتهم معتبرين ذلك حق من حقوقهم؛ فرسخ ذلك في نفوسهم مبدأ المحبة والتعارف والتعاون والأخوة والوحدة والاعتصام.

إن النظام الاجتماعي في الصومال كما هو معروف يعتمد على القبيلة والعشيرة، وهو نظام شهدته كلّ المجتمعات الإنسانية في أولى مراحلها على طول الزمان واتساع المكان، والعشيرة أو البطن تسبق القبيلة في الوجود، فهي الوحدة الأولية حيث علاقات الدم الفعلية قائمة في الواقع، وقد تكون القبيلة مجموعة عشائر اتحدت بفعل التجاور أو المصلحة الاقتصادية أو بقصد الدفاع عن الذات وهنا يكون الأب الأول على الأغلب وهمياً، لكن ما يهمّ هو الشعور بالانتماء إليه.

ويمكن القول أن الرابطة القبلية تقوم على أساس القرابة، وتعتمد على الدم والأصل المشترك، وقد تكون رابطة الدم بين أفراد القبيلة حقيقة أو مكتسبة بفعل المصاهرة أو بالحلف.

ولعبت القبيلة الصومالية دوراً رائداً في رسم الخريطة السياسية والاجتماعية، و تُعدّ هي المكون الأساسي للهوية الصومالية، ولها قداستها في الأنظمة البدوية، وتنقسم إلى عشائر، ولعدم توافر المعلومات يصعب معرفة زمن بداية تأثير القبيلة على حياتهم رغم أنها من أهم مكونات المجتمع الصومالي،  فإن تقديم الصوماليين للانتماء القبلي على أي انتماء آخر أضعف الشعور القومي والوطني، وأدى إلى حالة من التشرذم الذي بدأ بعد الاستقلال مباشرة بتكوين عدد من الأحزاب وصل إلى ثمانين حزبًا، وتكوين عدد كبير من الجبهات والحركات والفصائل الصومالية حتى أصبح لكل قبيلة حركة ناطقة باسمها، وحاليا كونت كل قبيلة موقعاً الكترونياً يتحدث باسمها ويفسر التاريخ حسب رؤيتها وبرامجها السياسية، ويلاحظ أن معظم المواقع هذه تدار من قبل الصوماليين في المهجر خاصة الصوماليين الموجودين في الدول الأوروبية والأمريكية، وبالتالي يمكن القول بأن جميع الحكومات المتعاقبة فشلت في الاندماج الوطني؛ بل كرست الانتماء القبلي.

ويرى الباحث أن النظام القبلي العشائري أثر سلباً على نظام الحكم في الصومال في تاريخه الحديث، حيث لم تتم بلورة دور القبيلة في الدولة المدنية التي كثيرا ما تعتمد على أسس ومبادئ المجتمع الحديث (العلمانية الليبرالية)، بالإضافة إلى أن النظام القبلي العشائري ترك أبلغ الأثر على النسيج والترابط الاجتماعي كما أنه عامل مهدد للأمن القومي يضر بالأمن والاستقرار، ولا يعني أن النظام القبلي العشائري هو سلبي فقط بل له بعض الإيجابيات خاصة في قضايا الدفاع عن الدين والدولة، وتعتبر القبيلة أو العشيرة  مكوناً أساساً للمجتمع الصومالي، فهي تمثل الوحدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية , وتقوم على رابطة الدم أو الحلف مما يقوي شعور التماسك والتضامن بين أعضائها.  ويمتاز النظام القبلي العشائري في الصومال بأنه ذو نزعة قومية ضعيفة، وذلك لأن الوعي السياسي مقيد بحدود القبيلة أو العشيرة وبالتالي يبقى تفسيره للأزمة الصومالية محاطاً بالظرف المكاني أو الزماني الذي يعيشه، ولكن مهما يكن من أمر فإن القبيلة والإسلام والوطنية في الصومال تجسد الهوية القومية، ذلك لأن   المجتمع الصومالي مجتمع مسلم ومتدين، وهو في الوقت نفسه مجتمع قبلي محافظ.

إذاً المكونات الأساسية لهوية الصومالي، هي: الإسلام والقبيلة والوطنية، ويقوم النظام الاجتماعي في الصومال في أساسه بوجه عام على النظام القبلي، ولعل منشأ هذا النظام يرجع إلى أسلوب الحياة وهو نظام الرعي، حيث تحكم القبيلة حكما ديمقراطيا أساسه التعاون ونصرة المظلوم والإخاء، تبعا للمبدأ الذي أصبح قولا مأثورا وهو أن القبيلة الطيبة لا يوجد فيها أحد جائع،وهناك عرف قبلي يسمى (حير) وهو مجموعة التقاليد المتوارثة التي تلتزم القبائل بأحكامها.

ولذلك يمكن القول أن الثقافة الإسلامية كان لها الأثر البالغ والأهمية الكبرى على التعايش الأهلي القبلي  العشائري في الصومال؛ بل وغير من حياتهم بتعاليمه ومفاهيمه التي زرعت فيهم معالم المحبة والأخلاق والتعاون والتعارف في كل مجالات الحياة؛ بل وضمن لهم الأمن والاستقرار والتعايش السلمي الأهلي العشائري في البلاد.

 

الطرق الصوفية ودورها في  تشكيل الثقافة الإسلامية في الصومال:

لقد كان للطرق الصوفية أثرا كبيرا ودورا بارزا في تشكيل الثقافة الإسلامية في الصومال، إذ أن الطرق الصوفية في الصومال راسخة القدم قوية التأثير في الساحة الصومالية على مر العصور والزمان، ولها تاريخ مشرف في الكفاح ضد الاستعمار الأوروبي في الصومال، خاصة وأن المجتمع الصومالي لديه قناعة تامة أن هذه الطرق هي التي حافظت عليه وعلى هويته؛ وكان لها الدور البارز في نشر الإسلام والثقافة الصومالية، وبناء المراكز الإسلامية التعليمية لتدريس أصول دين الإسلام،  ويمكن القول أن تاريخ الصومال الإسلامي كله يدور في فلك الطرق الصوفية، وكتاباتهم هي المراجع الوحيدة لكفاح هذا الشعب، ولها فضل كبير في نشر الإسلام في كثير من المناطق الصومالية وكذلك الدول المجاورة.

وقد كانت الطرق الصوفية عاملاً من عوامل الوحدة بين مكونات الشعب الصومالي، ولعبت دورًا مهمًّا في مجال نشر الإسلام وتشكيل الثقافة الصومالية في المنطقة، وأسهمت في إنشاء العديد من المراكز الإسلاميةٍ، كما وعنيت بتدريس أصول الدين للمسلمين كما لعبت الثقافة الصوفية في الصومال دوراً إيجابياً في حفظ الثقافة العربية الإسلامية، وقد أسهم التصوف في خلق ظروف الاستمرارية للثقافة الإسلامية في الصومال في ظل الحقبة الاستعمارية والوطنية، وحينما نجحت الإدارة الإيطالية في إسكات قنوات الثقافة العربية الأخرى فشلت في إسكات قناة التصوف.

وقد استطاعت الطرق الصوفية في الصومال خلق مراكز علمية في جميع أنحاء الصومال؛ لنشر العلوم الإسلامية، ومنها: هرر، مقديشو، بارطيري، قلنقول، غلعسبو، ورشيخ وغيرها من المدن الساحلية، وقد تخرج من هذه المراكز العلمية العديد من العلماء والشيوخ الذين قادوا مسيرة الدعوة في الصومال وفي عموم شرق إفريقيا. كما قامت الطرق الصوفية في الصومال بمهمة نشر الدعوة الإسلامية، وتفسير تعاليم الإسلام، ومحاربة التبشير الكنسي، حيث أنشؤوا كتاتيب (الدُّكسي) ؛ لتحفيظ القرآن الكريم، وأقاموا حلقات علمية في المساجد بالإضافة إلى حلقات التلاوة والذكر، ولهذا أقاموا مدناً ومراكز ثقافية في ربوع البلاد. وسيتناول الباحث هذه الطرق ذاكراً دورها في نشر الدعوة في الصومال، كما يلي:

الطريقة القادرية: تعتبر الطريقة القادرية في الصومال من أشهر الطرق الصوفية، والأكثر اتباعاً ورواجاً بين أهل الصومال في منطقة القرن الإفريقي، حيث تصادفك مراكزها أينما ذهبت، ويتردد اسم السيد عبدالقادر الجيلاني أينما حللت،  وتنتسب هذه الطريقة إلى الشيخ عبدالقادر الجيلاني المتوفي في بغداد عام 561 هجرية، وقد انتشر أتباع هذه الطريقة في بلاد المغرب وغرب إفريقيا والصومال، وتعتبر الطريقة القادرية من أشد الطرق حماسة لنشر الدعوة الإسلامية بكافة الطرق والوسائل مثل: فتح المساجد أو الزوايا لتعليم القرآن الكريم، وإرسال الفقهاء والنقباء من الشبان؛ لتلقي التعاليم الإسلامية؛ ليعودوا بقلوب مؤمنة بربها وبالرسالة المحمدية؛ وليكونوا قادرين على مقاومة التبشير المسيحي الذي جاء في ركاب الاستعمار الأوروبي الذي أفسح المجال أمام الإرساليات الكاثوليكية الإيطالية بإنشاء كنائس ضخمة، وأحياء سكنية، ومدارس. ولم تكن الطريقة القادرية هي الطريقة الصوفية الوحيدة التي انتشرت في الصومال وقامت بدورها التنويري في الحركة الوطنية الصومالية، وإن كانت أكبرها أنصاراً وأكثرها انتشاراً.

الطريقة الأحمدية الإدريسية: وهي طريقة مشهورة في الصومال منسوبة للشيخ أحمد بن إدريس الفاسي المتوفي في الحجاز سنة 1837م، والذي أدخل هذه الطريقة إلى بلاد الصومال هو الشيخ عبدالواحد الأبغالي، والعلامة الولي الشيخ أبوبكر محضار الكساوي المدفون في ورشيخ.

ظهر أحمد بن إدريس في أوائل القرن التاسع عشر بآرائه الإرشادية التي أيقظت المسلمين في شرق القارة وشمالها، ويبدو أن مرد هذا التأثير الكبير للسيد أحمد بن إدريس يعود إلى جاذبية أفكاره وآرائه التي صاحبت الظروف واحتجاجات المسلمين الفكرية حينها، وله مؤلفات عديدة أهمها: " كتاب الأحزاب "وهو عبارة عن مجموعة من الأوراد، "والعقد النفيس في جواهر التدريس" و"كنوز الجواهر النورانية ".

وكان السيد أحمد بن إدريس الفاسي يهدف إلى إنعاش الطريقة الصوفية، وكانت جهوده موجهة إلى إفريقيا بالدرجة الأولى، وأرسل الشيخ أحمد بن إدريس دعاة إلى منطقة قرن إفريقيا عام 1817م، ويعتبر الشيخ “علي مية” المتوفي عام1917م في مدينة “مركا” أبرز من نشر الطريقة الأحمدية في الصومال، وانتشر أتباع الطريقة الأحمدية في جنوب الصومال، بواسطة الأئمة الخمسة المشهورين باسم “النجوم الخمسة”.

انتشرت هذه الطريقة في المحافظات الجنوبية لجمهورية الصومال أواخر القرن التاسع عشر، وركزت على التربية والتعليم، والاكتفاء الذاتي، فأسست قرى تعاونية في المناطق الزراعية الواقعة على ضفاف الأنهار، وكانت تخضع الزعامة الدينية والسياسية في القرية إلى أحد فقهاء الطريقة، ومن هذه القرى:”بصرة”،و”بغداد”، و”مبارك” في محافظة شبيلي الوسطى، ومحافظة شبيلي السفلى، وغيرها من القرى.

الطريقة الصالحية: هذه الطريقة فرع من الطريقة الأحمدية المشهورة، اشتقت الطريقة الصالحية اسمها من زعيمها الشيخ محمد بن صالح الرشيدي 1858-1919م، وهو من السودانيين التابعين للمذهب المالكي، وكان خليفة للشيخ إبراهيم بن الرشيد  الدويحي في سنة 1874م، والذي جاء من دنقلا.

وتعتبر هذه الطريقة من أقدم الطرق الصوفية وأهمها من حيث المواقف الوطنية ومقاومة الاستعمار ولا ينافسها أحد من الطرق الأخرى في هذا المضمار، فالسيد محمد عبد الله حسن الذي قاد أطول جهاد في القارة الإفريقية والشيخ بشير الذي عرف بذكائه الشديد، والذي برهن للعلماء أن الدعاء وقراءة القرآن وحدهما لا يكفيان في مقاومة الاستعمار، والشيخ حسن برسني الذي حارب الإيطاليين والأحباش معاً حتى قتل على أيدي الإيطاليين وهو مسجون في مدينة جوهر، كل هؤلاء وغيرهم خرجوا من المدرسة الصالحية، ويرجع ذلك إلى اتصالهم بالعالم الخارجي ولقاء قادة الطريقة الصالحية مع أغلب المصلحين في العالم الإسلامي.

الطريقة الرفاعية: اشتهرت هذه الطريقة بإقامة وتنظيم الحفلات الكبرى خاصة الاحتفال بمناسبة ذكرى مولد الرسول- صلى الله عليه وسلم-وكان الفضل يرجع للشريف عيد الروس النصيري من العرب القدامى بالصومال وكان يدعو جميع أرباب الطرق الصوفية وغيرهم من أطياف المجتمع كما كان يدعو غير المسلمين.

 

 

كتبه عبدالقادر غولني

المصدر: مقديشو برس/ بحوث ودراسات‏‎ ‎