الفراعنة (الجزء الاول)

  • رقم الخبر 2452
  • المصدر: ar.rasekhoon.net

المخلص تضمنت إنجازات قدماء المصریین استغلال المحاجر، المسح وتقنیات البناء التی سهلت بناء الأهرامات الضخمة والمعابد والمسلات، بالإضافة لنظام ریاضیات عملی وفعال فی الطب.


مصر القدیمة هی حضارة قدیمة فی الشمال الشرقی لأفریقیا، کانت مصر القدیمة مترکزه على ضفاف نهر النیل فی ما یعرف الآن بجمهوریة مصر العربیة. بدأت الحضارة المصریة فی حوالی العام 3150 ق.م، عندما وحد الملک [مینا] مصر العلیا والسفلى، مصر القدیمة هی حضارة قدیمة فی الشمال الشرقی لأفریقیا، کانت مصر القدیمة مترکزه على ضفاف نهر النیل فی ما یعرف الآن بجمهوریة مصر العربیة. بدأت الحضارة المصریة فی حوالی العام 3150 ق.م، عندما وحد الملک [مینا] مصر العلیا والسفلى، وتطورت بعد ذلک على مدى الثلاث ألفیات اللاحقة. ضمت تاریخیاً سلسلة من الممالک المستقرة سیاسیاً، یتخللها فترات عدم استقرار نسبی تسمى الفترات المتوسطة. بلغت مصر القدیمة ذروة حضارتها فی عصر الدولة الحدیثة، وبعد ذلک دخلت البلاد فی فترة انحدار بطئ. هوجمت مصر فی تلک الفترة من قبل العدید من القوى الأجنبیة، وانتهى حکم الفراعنة رسمیاً حین غزت الإمبراطوریة الرومانیة مصر وجعلتها إحدى مقاطعاتها.

استمد نجاح الحضارة المصریة القدیمة فی القدرة على التکیف مع ظروف وادی نهر النیل. وساعد التنبؤ بالفیضانات والسیطرة على أضرارها فی إنتاج محاصیل زراعیة وافرة أسهمت فی التنمیة الاجتماعیة والثقافیة. وقامت السلطات ومع توافر المواد اللازمة باستغلال المعادن الموجودة فی منطقة الوادی والمناطق الصحراویة المحیطة به، وقامت بوضع نظام کتابة مستقل، ونظمت البناء الجماعی والمشاریع الزراعیة، بالإضافة للتجارة مع المناطق المحیطة به، وتعزیز القوى العسکریة للدفاع العسکری ضد الأعداء الخارج وتأکید الهیمنة الفرعونیة على البلاد. وقد کان تنظیم تلک الأنشطة وتحفیزها یتم من خلال نخبة من من البیروقراطیین والزعماء الدینیین والإداریین تحت سیطرة الفرعون الذی حرص على التعاون والوحدة للمصریین فی سیاق نظام محکم للمعتقدات الدینیة.

تضمنت إنجازات قدماء المصریین استغلال المحاجر، المسح وتقنیات البناء التی سهلت بناء الأهرامات الضخمة والمعابد والمسلات، بالإضافة لنظام ریاضیات عملی وفعال فی الطب. وأنظمة للری وتقنیات الإنتاج الزراعی، وأول ما عرف من السفن، والقیشانی المصری وتکنولوجیا الرسم على الزجاج، وأشکال جدیدة من الأدب، وأول معاهدة سلام معروفة. ترکت مصر القدیمة إرث دائم. ونُسخت وقُلدت الحضارة والفن والعمارة المصریة على نطاق واسع فی العالم، ونقلت آثارها إلى بقاع بعیدة من العالم. وألهمت الأطلال والبقایا خیال المسافرین والکتاب لعدة قرون، وأدت اکتشافات فی مطلع العصر الحدیث عن آثار وحفریات مصریة إلى أبحاث علمیة للحضارة المصریة تجلت فی علم أطلق علیه علم المصریات، ومزیداً من التقدیر لتراثها الثقافی فی مصر والعالم.

تاریخ مصر فی أواخر العصر الحجری القدیم، تحول المناخ فی شمال أفریقیا تدریجیاً إلى الحرارة والجفاف، مجبراً سکان المنطقة على الترکیز على طول وادی النیل، ومنذ أن بدأ الإنسان البدائی العیش فی المنطقة فی أواخر العصر الجلیدی منذ 120 الف سنة، أصبح نهر النیل شریان الحیاة فی مصر. الخصوبة المصحوبة مع فیضان النیل أعطت السکان الفرصة لتطویر الاقتصاد الزراعی وتدعیم استقرار مجتمع مرکزی أصبح کما یرعى البعض حجر الزاویة فی تاریخ الحضارة الإنسانیة.

 

فترة قبل الأسر

قبیل بدایة عصر ما قبل الأسر، کان المناخ المصری القاحل أقل قحلاً مما هو علیه الیوم. وغطت حشائش السافانا مناطق واسعة من مصر واجتازتها قطعان الرعی من ذوات الحوافر. کانت الثروة الحیوانیة والنباتیة أکثر غزارة من الآن فی جمیع المناطق، وساعد منطقة نهر النیل فی تکاثر جماعات من الطیور المائیة. کان الصید شائعاً بین المصریین فی تلک الفترة، التی أیضاً تم استئناس العدید من الحیوانات بها.

فی نحو 5000 ق.م، عاشت قبائل صغیرة فی وادی النیل ونمت وطورت سلسلة من الثقافات التی کانت الزراعة وتربیة الحیوانات تسیطر علیها، بالإضافة للمقتنیات من الفخار والممتلکات الخاصة التی عثر علیها. کانت أکبر تلک الحضارات هی حضارة البداری فی مصر العلیا، التی اشتهرت بالسرامیک عالی الجودة، والأدوات الحجریة، واستخدامها للنحاس.

فی الشمال، تبعت البداری بحضارات أمراتیان وغیرزیان، التی أظهرت عدداً من التطورات التکنولوجیة. أثناء فترة حضارة الغیرزیان، أثبتت أدلة مبکرة وجود اتصال مع کنعان وساحل جبیل.

فی الجنوب، وازت حضارة النقادة حضارة البداری، وبدأت فی التوسع على طول النیل بنحو 4000 ق.م فی وقت مبکر أثناء حضارة النقادة، استورد المصریین القدماء حجر السج من إثیوبیا، الذی استخدم فی نقل الریش بالإضافة لأشیاءً أخرى. على مدى فترة حوالی 1000 سنة، تطورت حضارة النقادة من مجتمعات زراعیة صغیرة إلى حضارة قویة کان لقادتها السیطرة الکاملة على الناس والموارد فی وادی النیل. وسعا قادة النقادة على بسط سیطرتهم على مصر شمالاً على طول نهر النیل بتأسیس مراکز قوة فی هیراکونپولیس ثم فی أبیدوس. وتاجروا مع النوبة فی الجنوب، وواحات الصحراء الغربیة فی الغرب، وثقافات شرق البحر المتوسط فی الشرق.

صنعت شعوب النقادة مجموعة متنوعة من السلع الثمینة، فی انعکاس لزیادة الطاقة والثروة فی طبقة النخبة، والتی شملت طلاء الفخار والمزهریات الحجریة المزخرفة ذات الجودة العالیة، واللوحات الفنیة والمجوهرات المصنوعة من الذهب والالبید والعاج. وقاموا أیضاً بتطویر السیرامیک الصقیل المعروف بالقیشانی والذی کان یستخدم فی العصر الرومانی لتزیین الکؤوس والتمائم والتماثیل. وقبیل نهایة عصر ما قبل الأسرات، بدئت شعوب النقادة استخدام رموز کتابیة کان من شأنها فی نهایة الأمر التطور إلى نظام کامل للغة الهیروغلیفیة لکتابة اللغة المصریة القدیمة.

 

بدایة عصر الأسر

قام کاهن مصری فی القرن الثالث قبل المیلاد بتصنیف الفراعنة بدایةً من مینا وحتى عصره إلى 30 أسرة حاکمة، وهو نفس التصنیف الذی ما یزال یستعمل حتى الیوم . واختار أن یبدأ تصنیفه الرسمی بالملک مینی (أو مینا بالیونانیة) الذی یسود الاعتقاد أنه وحد مملکتی مصر العلیا والسفلى معاً فی حوالی العام 3200 ق.م. وقد حدث الانتقال إلى دولة واحدة موحدة تدریجیاً، بشکل أکبر مما کان الکتاب المصریون القدماء یعتقدوا، ولیس هناک أی سجلات معاصرة عن مینا. ومع ذلک یعتقد بعض الباحثین الآن أن مینا الأسطوری هو نفسه الفرعون نارمر، الذی صوّر وهو یرتدی الزی الملکی على لوحة نارمر الاحتفالیة فی خطوة رمزیة للتوحید.

فی عصر الأسر المبکرة حوالی 3150 ق.م، بسط أول فرعون سیطرته على مصر السفلى عن طریق إنشاء عاصمة فی ممفیس، التی أمکن من خلالها السیطرة على القوة العاملة والزراعة فی منطقة الدلتا الخصبة، بالإضافة إلى السیطرة على حرکة التجارة المتجهة إلى الشام. وقد عُکست سلطة ونفوذ الفراعنة فی ذلک الوقت على وضع مقابرهم وهیاکلها، والتی کانت تستخدم للاحتفال بالفرعون بعد وفاته. طورت الملکیة وقوتها بإضفاء الفراعنة لعامل الشرعیة فی سیطرة الدولة على الأرض والعمل والموارد التی لا غنى عنها لبقاء ونمو الحضارة المصریة القدیمة.

 

الفترة الانتقالیة الأولى

بعد انهیار الحکومة المرکزیة فی مصر فی نهایة عصر المملکة القدیمة، أصبحت الإدارة غیر قادرة على تدعیم اقتصاد واستقرار البلاد. ولم یکن باستطاعة حکام الأقالیم الاعتماد على الملک للمساعدة فی وقت الأزمات، وأدت الفترة التی تلاتها نقص الغذاء والنزاعات والخلافات السیاسیة إلى زیادة حدة المجاعات والحروب الأهلیة صغیرة الحجم. وعلى الرغم من تلک المشاکل الصعبة، قام القادة المحلیین مستهترین بالفرعون، باستغلال استقلالهم الجدید لتأسیس حضارة مزدهرة فی المحافظات. وبالسیطرة على موارد المقاطعات الخاصة، أصبحت الأقالیم والمقاطعات أکثر ثراءً من الناحیة الاقتصادیة؛ وهی حقیقة شهدها جمیع فئات المجتمع. وقد اعتمد وتکیف الحرفیون المحلیون على زخاف کانت ممنوعة سابقاً فی عصر الدولة القدیمة، بالإضافة لأسالیب أدبیة جدیدة اتجه إلیها کانت تعرب عن التفاؤل وأصالة هذه الفترة.

بدأ الحکام المحلیین التنافس مع بعضهم البعض على السیطرة على الأراضی والسلطة السیاسیة، مبتعدین عن ولائهم للفرعون. وبحلول 2160 ق، م، سیطر الحکام فی هیراکلیوبولس على مصر السفلى، بینما سیطرت أسرة إنتیف، إحدى العشائر المنافسة فی طیبة، على مصر العلیا. ومع نمو سلطة وسیطرت الإنتیف إلى الشمال، أصبح الصدام بین العشیرتین أمراً حتمیاً. وقامت قوات طیبة بقیادة منتوحوتپ الثانی بهزیمة حاکم هیراکلیوبولس، معیدین توحید الأرضین وبدایة عصر نهضة ثقافیة واقتصادیة عرفت باسم الدولة الوسطى.

 

الدولة الوسطى

استعاد فراعنة الدولة الوسطى رخاء البلاد واستقرارها، مما أدى لتحفیز الفن والأدب ومشاریع البناء الضخمة. حکم منتوحوتپ الثانی وخلفائه من الأسرة الحادیة عشر البلاد من طیبة کعاصمة للبلاد، ولکن سرعان ما تغیر الأمر عند تسلیم الوزیر أمنمحات الأول الملکیة للأسرة الثانیة عشر فی 1985 ق.م، عندما غیّر العاصمة وجعلها لتجتاوی التی تقع فی الفیوم الآن. ووضع فراعنة الأسرة الثانیة عشر خطة بعیدة الأمد للاستصلاح الأراضی ونظم الری لزیادة الإنتاج الزراعی فی البلاد. وأکثر من ذلک، استعاد الجیش منطقة النوبة الغنیة بالمحاجر والذهب، وعمل العمال على بناء هیکل دفاعی فی شرق الدلتا أطلق علیه اسم "جدران الحاکم" لصد الهجمات الخارجیة.

ازدهرت البلاد فی الفن والدین فی ظل الأمن العسکری والسیاسة والأمن الزراعی. وعلى عکس موقف نخبة الدولة القدیمة تجاه الآلهة، شهدت الدولة الوسطى زیادة فی التعبیر عن "التقوى الشخصیة" أو ما یمکن أن یسمى "دیموقراطیة الحیاة الآخرة"، التی تعطی لکل فرد روحاً من الممکن أن تکون مرحباً بها بجوار الآلهة بعد الموت. کما تمیز الأدب فی المملکة الوسطى بالمؤلفات المتطورة المواضیع والشخصیات المکتوبة فی أسلوب بلیغ وجرئ، والنحت النافر والتصویری لفترة الاعتقالات الخفیة، کانت تفاصیل فردیة وصلت إلى مستویات جدیدة من الکمال التقنی.

سمح آخر حکام الدولة الوسطى، أمنمحات الثالث، بالمستوطنین الآسیویین بالعیش فی منطقة الدلتا، لتوفیر قوة عاملة کافیة لا سیما فی التعدین النشط وبناء المدن. ولاحقاً، أدت أعمال البناء الطموحة تلک، وأنشطة التعدین، بالإضافة إلى عدم کفایة فیضانات النیل لاحقاً فی مُلکة، إلى توتر اقتصادی عجل من الاضمحلال إلى الفترة الانتقالیة الثانیة خلال عصر الأسرتین الثالثة عشر والرابعة عشر. وخلال هذا الاضمحلال، بدئت الطائفة الأجنبیة الآسیویة فی السیطرة على منطقة الدلتا، مما أدى لاحقاً وفی نهایة المطاف إلى بسط سلطتهم على مصر وعرفوا بالهکسوس.

 

الفترة الانتقالیة الثانیة والهکسوس

فی حوالی 1650 ق.م، ومع ضعف سلطة فراعنة الدولة الوسطى، سیطر المهاجرین والمستوطنین الآسیویین الذین یعیشون فی منطقة شرق الدلتا فی بلدة زوان على المنطقة وأجبرت الحکومة المرکزیة على التراجع إلى طیبة، حیث کان یعامل الفرعون کتابع ویدفع الجزیة. قلد الهکسوس ("الحکام الأجانب" أو "الملوک الرعاة") نماذج الحکم والحکومة المصریة، فنصبوا أنفسهم فراعنة، وبالتالی دمجت العناصر المصریة فی ثقافة العصر البرونزی.

وجد ملوک طیبة أنفسهم بعد انسحابهم محاصرین بین الهکسوس من الشمال وحلیفة الهکسوس، مملکة کوش من الجنوب. وبعد مرور ما یقارب 100 عام على سیطرة الهکسوس على الحکم الذی کان یتصف بالتراخی والخمول الثقافی، استطاعت قوات طیبة من جمع ما یکفی من القوة لتحدی الهکسوس لصراع استمر لمدة 30 عام، وذلک قبل حلول العام 1555 ق.م وقد تمکن الفرعونان سقنن رع الثانی وکامس من هزیمة النوبیین فی الکوش، لکن یرجع فضل القضاء على الهکسوس نهائیاً فی مصر لخلیفة کامس الفرعون أحمس الأول. فی عصر الدولة الحدیثة التی تلت ذلک، أصبحت العسکریة أولویة رئیسیة بالنسبة إلى الفراعنة الذین سعوا إلى توسیع لحدود مصر وتأمین هیمنة کاملة لها فی الشرق الأدنى.

 

الدولة الجدیدة

أنشأ فراعنة المملکة الجدیدة فترة ازدهار غیر مسبوقة بتأمین حدودها وتعزیز العلاقات الدبلوماسیة مع جیرانها. شنت الحملات العسکریة تحت قیادة تحتمس الأول وحفیده تحتمس الثالث مدت نفوذ الفراعنة فی سوریا وبلاد النوبة، تدعیماً للولاء وفتح فرص الحصول على الواردات الحساسة مثل البرونز والخشب. وبدء ملوک وفراعنة الدولة الحدیثة حملة بناء واسعة النطاق لتعزبز الإله أمون، الذی ازدادت عبادته وکانت مقراً فی معبد الکرنک. کما أنهم شیدوا الصروح لتمجید الإنجازات الخاصة بهم، سواء کان حقیقیةً أو تخیلاً. وقد استخدمت الملکة الأنثى حتشبسوت مثل هذه الدعایة لتضفی شرعیة على دعواها إلى العرش. وتمیز عصرها الناجح بالبعثات التجاریة إلى بنط، ومعبد جنائزی أنیق، بالإضافة إلى زوج من المسلات الضخمة ومعبد فی الکرنک. وعلى الرغم من إنجازاتها، سعى ربیب حتشبسوت، تحتمس الثالث لمحو ارثها قبیل نهایة حکمة، الأمر الذی قد یکون بدافع الانتقام لاغتصابها عرشه.

حوالی العام 1350 ق.م، هُدِدَ استقرار الدولة الجدیدة عندما وصل أمنحوتب الرابع إلى العرش، الذی وضع سلسلة من الإصلاحات الفوضویة والجذریة. بتغیر اسمه إلى إخناتون (أی عبد أتون)، روج أمنحوتب الرابع إله الشمس أتون على أنه الإله الأعلى، وعلى أنه واحدٌ لا شریک له، ووحد عبادة جمیع الآلهة فی عبادة أتون، حیث قمع ومنع عبادة آلهة أخرى غیر أتون، وهاجم سلطة وقوة المؤسسة الکهنوتیة فی ذلک الوقت. بالإضافة لنقله العاصمة إلى مدینة أخناتون الجدیدة (تل العمارنة حالیاً)، ولم یکترث للشؤون الخارجیة وانکب على استیعاب نفسه فی دینة الجدید وأسلوبه الفنی. بعد وفاته، تم التخلی سریعاً عن عبادة أتون، وقام کلٌ من توت عنخ أمون وخپر خپرو رع آی، وحورمحب بمسح جمیع التفاصیل العائدة لبدعة إخناتون، أو کما تعرف باسم فترة تل العمارنة.

وعند تولی رمسیس الثانی العرش، والمعروف أیضاً برمسیس العظیم، وذلک فی حوالی 1279 ق.م، عمل على بناء المزید من المعابد، وإقامة المزید من التماثیل والمسلات، بالإضافة لإنجابه أطفال أکثر من أی فرعون فی التاریخ. وقاد بجراءة فی معرکة قادش ضد الحیثیین، والتی أسفرت وبعد قتالٍ عنیف دام لأکثر من 15 عاماً، عن أول وأقدم معاهدة سلام عرفها التاریخ، وکان ذلک فی العام 1258 ق.م. وکانت ثروة مصر ونمائها الاقتصادی والاجتماعی سبباً جعل مصر وأرضها أرضاً مغریة للغزو من القوى الأجنبیة، خاصةً اللیبیین وشعوب البحر. تمکن الجیش فی بدایة الأمر من صد هذه الغزوات وردعها، ولکن مع زیادة وتکثیف الغزوات فقد مصر السیطرة على أراضی سوریا وفلسطین. وزاد تأثیر التهدیدات الخارجیة مع تفاقم المشاکل الداخلیة مثل الفساد وسرقة المقابر والاضطرابات المدنیة. وقام کبار الکهنة فی معبد أمون فی طیبة بجمع مساحات شاسعة من الأرض والثروة، وأدت قوتهم المتزایدة إلى انشقاق البلاد خلال الفترة الوسطى الثالثة (عصر الاضمحلال الثالث).

 

الفترة الانتقالیة الثالثة

بعد وفاة رمسیس الحادی عشر فی 1078 ق.م، فرض سمندس السلطة على الجزء الشمالی من مصر، وجعل مدینة تانیس مقر حکمه. أما الجنوب، فقد کان واقع فعلیاً تحت سیطرة "کهنة آمون فی طیبة"، الذین اعترفوا بحکم سمندس بالاسم فقط. وخلال هذا الوقت، استقر اللیبیون ضمن قبائل فی منطقة غرب الدلتا، وبدأ شیوخ تلک القبائل فی زیادة سلطتهم تدریجیاً. وسیطر أمراء لیبیا على الدلتا تحت إمارة شیشنق الأول فی 945 ق.م، وأسس ما یسمى أسرة بوباستیس التی حکمت لنحو 200 عاما. کما سیطر شیشنق أیضا على جنوب مصر من خلال وضع أفراد من أسرته فی مراکز کهنوتیة هامة. ولکن بدأت سیطرة اللیبیون فی التآکل مع نشأت سلالات منافسة فی منطقة دلتا وتهدید أسرة مملکة الکوش من الجنوب. وبحلول 727 ق.م، غزا الملک الکوشی بعنخی الشمال، وسیطر فی نهایة المطاف على طیبة والدلتا.

انهارت هیبة مصر بعیدة المدى انهیرا کبیرا نحو نهایة الفترة الوسطى الثالثة. حیث قل حلفائها الأجانب فی إطار نفوذ الإمبراطوریة الآشوریة وبحلول 700 قبل المیلاد أصبحت الحرب بین البلدین أمرا حتمیا. بدء الآشوریین هجومهم وغزوهم على مصر فی الفترة بین 671 و 667 ق.م. وقد امتلأت منطقة کل من الملکی الکوشیین طهارقة وخلیفته، تنتامانى، بصراع مستمر مع الآشوریین، ضد الحکام النوبیین الذین تمتعوا بالعدید من الانتصارات. فی نهایة المطاف، دفع الآشوریین الکوشیون وأجبروهم على العودة إلى النوبة، واحتلوا ممفیس، وعزلوا معابد طیبة.

 

العصر المتأخر

مع عدم وجود خطط دائمة للغزو، ترک الآشوریون السیطرة على مصر لسلسلة من التوابع التی أصبحت تعرف باسم ملوک سایت من الأسرة السادسة والعشرین. وبحلول 653 ق.م تمکن ملک السایت إبسماتیک الأول من طرد الآشوریین بفضل المرتزقة الیونانیة الذین تم تجنیدهم لتشکیل أول بحریة مصریة. ثم امتد تأثیر الیونان بشکل کبیر حیث أصبحت مدینة نیکراتیس وطن الیونانیین فی منطقة دلتا. واستقر ملوک سایت فی مقرهم الجدید فی العاصمة سایس لفترة وجیزة لکونها شهدت نشاط فی الاقتصاد والثقافة، ولکن فی 525 ق.م، بدأ الفرس ذو النفوذ بقیادة قمبیز الثانی، غزوهم لمصر، وفی النهایة اسر الفرعون بسماتیک الثالث فی معرکة الفرما. ثم تولى قمبیز الثانی لقب فرعون رسمیا، لکنه حکم مصر من مسقط رأسه شوشان، وترک مصر تحت حکم أحد الساتراب. وقد شهد القرن الخامس قبل المیلاد نجاح بعض الثورات ضد الفرس، ولکن مصر لم تکن قادرة على الإطاحة الدائمة بالفرس.

وبعد ضم مصر من قبل الفرس، انضمت مصر مع قبرص وفینیقیون فی الساتراب السادس من الامبراطوریة أخمینیونیة الفارسیة. انتهت الفترة الأولى من الحکم الفارسی على مصر، والمعروفة أیضاً بالأسرة السابعة والعشرین، فی 402 ق.م، وفی الفترة ما بین 380-343 ق.م، حکمت الأسرة الثلاثون کأخر الأسر الملکیة المحلیة فی مصر، والتی انتهت من مع حکم الملک ناخثورب الثانی. حدثت بعد ذلک محاولة متواضعة لاستعادة الحکم الفارسی، تعرف أحیاناً باسم الأسرة الحادیة والثلاثون، بدئت فی 343 ق.م، وانتهت بعدها فی 332 ق.م بتسلیم الحاکم الفارسی مازاسیس بتسلیم مصر إلى الإسکندر الأکبر من دون قتال.

 

أسرة البطالمة

غزا الإسکندر الأکبر مصر فی 332 ق.م، ووجد مقاومة لا تذکر من الفرس، فی حین رحب به من قبل المصریون باعتباره المخلص من الحکم الفارسی. استندت الإدارة التی أنشئها البطالمة خلفاء الأسکندر، على النموذج المصری للحکم، واتخذت من مدینة الإسکندریة الجدیدة عاصمة لها. وکان الغرض الأساسی لها هو عرض قوة وسیادة الحکم الیونانی، وأصبحت مقرا للتعلیم والثقافة، وترکزت فی مکتبة الإسکندریة الشهیرة. وأضاءت منارة الإسکندریة الطریق لکثیر من السفن التجاریة التی تتدفق عبر المدینة، حیث جعل البطالمة التجارة والمشاریع المدرة للدخل، مثل صناعة ورق البردى، على رأس الأولویات.

ولم تحل الثقافة الیونانیة محل الثقافة الوطنیة المصریة، حیث أید البطالمة التقالید الاجتماعیة والدینیة المتبعة على مر الزمان فی محاولة لضمان ولاء السکان. وقاموا ببناء معابد جدیدة على غرار الطراز المصری لدعم المعتقدات الدینیة التقلیدیة، وصوروا أنفسهم کالفراعنة. من جهة أخرى، اندمجت بعض التقالید المصریة والیونانیة معا، حیث ولفت الألهة المصریة مع الیونانیة فی إطار دینی واحد، مثل سیرابیس، وأعمال الزخرفة الیونانیة التی جسدت وتأثرت بالزخارف المصریة التقلیدیة. وعلى الرغم من الجهود المبذولة لتهدئة المصریین، اعترض البطالمة تمرد محلی کان من الأسر المحلیة المنافسة، وتجمع الإسکندریة ذو النفوذ الذی تشکل بعد وفاة بطلیموس الرابع. بالإضافة إلى ذلک، ومع ازدیاد اعتماد روما على واردات الحبوب من مصر، أولى الرومان اهتماماً کبیراً للحالة السیاسیة للبلاد. وأدى تواصل الثورات المصریة، والطموح السیاسی لدى البعض والمعارضین السوریین الأقویاء إلى عدم استقرار الأوضاع الداخلیة، مما أجبر روما على إرسال قوات لتأمین البلاد باعتبارها مقاطعة من الامبراطوریة.

 

الهیمنة الرومانیة

أصبحت مصر محافظة من الإمبراطوریة الرومانیة فی العام 30 ق.م، بعد هزیمة مارکوس أنطونیوس والملکة البطلمیة کلیوباترا السابعة من قبل أغسطس قیصر فی معرکة أکتیوم. واعتمد الرومان بشکل کبیر على شحنات الحبوب القادمة من مصر، وقمعت الفیالق الرومانیة التمرد والمتمردین، وساعدت فی تحصیل الضرائب الکبیرة، وکافحت ظاهرة قطاع الطرق والتی کانت منتشرة بکثرة فی ذلک الوقت. وأصبحت الإسکندریة مرکزاً متزاید الأهمیة على طریق التجارة مع الشرق، فی الوقت الذی زاد فیه الطلب فی روما على وسائل الرفاهیة والکمالیات.

على الرغم من أن الرومان کانوا أکثر عداءً تجاه المصریین من الیونانیین، استمرت بعض التقالید مثل التحنیط وعبادة الآلهة التقلیدیة. وازدهر فن تصویر المومیاء، وصور بعض من الأباطرة الرومان أنفسهم کالفراعنة، ولکن لیس بنفس القدر فی عصر البطالمة. وأصبحت الإدارة المحلیة رومانیة فی الأسلوب ومغلقة أمام المصریون.

منذ منتصف القرن الأول المیلادی، ترسخت وانتشرت الدیانة المسیحیة فی الإسکندریة لأنها کانت تعد عبادة أخرى یمکن أن تکون "مقبولة". غیر أنه دین لا یقبل الوثنیة ویسعى إلى الحصول على المهتدین من الوثنیة ویهدد التقالید الدینیة الشعبیة. وأدى ذلک إلى اضطهاد المتحولین إلى المسیحیة، وبلغ هذا الاضطهاد ذروته فی عملیات التطهیر الکبیرة فی عصر دیوکلتیانوس بدءا من عام 303 میلادی، إلا أنه وفی نهایة المطاف استطاعت المسیحیة أن تنتشر بعد إعتناق إمبراطور مصر لها. وفی سنة 391 میلادی أصدر الإمبراطور المسیحی ثیودوسیوس الأول تشریعاً یحظر الطقوس الوثنیة وأغلق المعابد. وبذلک أصبحت الإسکندریة مسرحاً لأعمال شغب مناهضة للوثنیة وتدمیر للرموز الدینیة الخاصة والعامة. ونتیجة لذلک، استمرت ثقافة مصر الوثنیة فی الانحدار والاندثار. فی حین واصل السکان الأصلیین التحدث بلغتهم، اختفت ببطء القدرة على قراءة الکتابات الهیروغلیفیة حیث تضاءل دور کهنة وکاهنات المعابد المصریة. وتم تحویل بعض المعابد إلى کنائس، وتهجیر أخرى.

یستمر ...

 

المصدر: راسخون 2014

https://ar.rasekhoon.net