الديانات التقليدية في غرب إفريقيا(2)

  • رقم الخبر 2480
  • المصدر: مجلة قراءات

المخلص الفكرة الرئيسة حول هذا المعتقد هي: الإيقان بإله واحد خالق لهذا الكون؛ يُعرف بأسماء عديدة...


المحور الثاني: أساسيات معتقد وثنيي الغرب الإفريقي:

أولاً: (الرب) في معتقد وثنيي الغرب الإفريقي:

الفكرة الرئيسة حول هذا المعتقد هي: الإيقان بإله واحد خالق لهذا الكون؛ يُعرف بأسماء عديدة وهو روح عليا سامية لا توجد له تجليات صورية مرئية, وهو المصدر الرئيس لكل قوة وطاقة في هذا الكون, وهو المعني أساساً بعملية الإماتة والإحياء.

يتضح من الأسماء والأوصاف السابقة ذلك التقدير وتلك المكانة التي يعطيها أصحاب الديانات الوثنية للإله الأسمى، وأنه ذو فوقية وعلو على المحسوسات فلا يتجسد فيها، ولا يمكن تصور هيئته بوصفه روحاً سامية، وهذا يتضح جلياً من تسمية يطلقها عليه أهل نيجيريا معناها (الذي لا يدرك كنهه أحد), ويعبر الـ Akan maxim عن هذا الأمر بقولهم (إذا أردت أن تتحدث مع الرب فأخبر الريح –  يعني تنقل حديثك -)(20).

1 -  الرب الخالق:

الإيمان بأن الله هو خالق هذا الكون أمر راسخ وأساسي في معتقد وثنيي الغرب الإفريقي، وتختلف قصصهم وفق المثيولوجيا المتبعة في كل قبيلة أو عرقية، فمثلاً قبيلة Tiv في نيجيريا يطلقون اسـم النجار على الخالق عز وجل (Ando Gbe Tar)؛ أي الرب النجـار، ويتخيلونه - تعالى وتقدّس -  نجاراً يصنع المنحوتات، وقبيلة الـ Lodagaa يتخيلون عملية خلقه - تعالى وتنزه -  للخلق كصانع القدور مع قدوره، أما قبيلة الفون في بنين فيعتقدون أن الكون قد تكون بمشيئة الرب (Mawu-Lissa)، ويعبرون عن الخلق بأنه قد قام وتكوّن بكلمة Fa (كن).

كما تجد عند بعض القبائل الأخرى في غرب إفريقيا تصورات أسطورية للخلق بناء على بساطة العقول واستحكام قوة الطبيعة بغير توجيهات من الوحي؛ كقبيلة الميندي Mende  في تصورهم للإله داخل كهف ومعه مجموعة من الكائنات، يأمرهم بألا  يأكلوا طعامه -  تعالى وتنزه -، فتقترب بعض الكائنات فيمسخها إلى الصور المعروفة حالياً من الكائنات، كائناً بعد آخر(21).

أما عند اليوروبا ففي اعتقادهم أن الأرض كانت في الأصل مستنقعات سبخة, ويسكن Olodumare (الاسم الذي يطلقونه على الله عز وجل) في السماوات، مع الآلهة الأخرى (الأقل منه شأناً) - تعالى وتنزه سبحانه الواحد -، وأرادت هذه الآلهة زيارة الأرض لّلعب والصيد، ونزلوا من السماوات على شبكة العنكبوت، وشاء Olodumare أن يحول الأرض المائية إلى صورة صلبة، فاستدعى رئيس الآلهة Orisha-nla، وعهد إليه بالمهمة، وأعطاه تربة في صدفة حلزون (وفي بعض الروايات في حقيبة صغيرة من أوراق الشجر) جمعتها دجاجة وحمامة، فنزل Orisha-nla وسكب التربة على الأرض السبخة، وغطت التربة مساحة ضخمة شكلت فيما بعد اليابسة. ورجع Orisha ليخبر Olodumare بما حدث، فأرسل Olodumare رسوله الحرباء ليتأكد من الأمر، فذهبت الحرباء المرة الأولى وعادت قائلة: الأرض واسعة ولكنها ليست جافة بما فيه الكفاية. ثم ذهبت المرة الثانية وعادت قائلة: الأرض الآن واسعة وجافة(22).

  تعتقد قبيلة الفون Fon، في جنوب بنين (مملكة داهومي سابقاً)، أن الخالق (سبحانه) قد سلك مسلكاً خاصاً في خلقه للعالم الذي استغرق أربعة أيام، في اليوم الأول أمر Mawu-Lissa بكلمته Fa الكون بالتكون وخلق الإنسان، في اليوم الثاني أرسل رسولاً خاصاً ليهيئ الأرض ويجعلها صالحة لسكنى الإنسان، وفي اليوم الثالث أعطى الربّ الإنسان نعمتي البصر والكلام ليتعلم ويعرف، وفي اليوم الرابع والأخير أعطى الربّ الإنسان المهارات والحِـرف التي تمكّنه من الاستفادة من البيئة والكون المحيط به(23).

يُعتقد أن كل ما خلقه الله صالح، ولقبيلة الـAkan  في غانا حكمة سائرة حول هذه القضية (صلاح الخلق)، حيث يجعلونها في فم الصقر (Ksansa) الذي يقول: (كل ما خلقه الله جيد)، ولهم كذلك تعبير مختصر عن عملية الخلق يسردونه بلغة الطبول(24): (Kdomankoma (الرب) خلق أولاً Esen (حاجب المحكمة)، ثم Kyrema (الطبال) ثم أخيراً Kwawu Kwabrafo (الموت) ).

 Esen  يقوم بمهمته، وهي الإعلان عن القرارات التي يتخذها رئيس المحكمة (الرب)، Kyrema يرمز إلى العلم، حيث أنه يعرف تاريخ القبيلة وحكمة المجتمع، ويستطيع ترجمتها عبر الطبل، Kwawu Kwabrafo (الموت) هو المنفذ للحكم.

إذن يلخص الـAkan  عملية الخلق بلغة الطبول إلى: الأمر بالخلق، ثم خلق العلم، وأخيراً الموت(25).

تشترك كل الأساطير المبينة للخلق عند قبائل الغرب الإفريقي في بيان عملية انفصال الخلق عن الخالق، وفي الأغلب الأعم يؤمنون بأن الخالق والبشر كانا في مكان واحد، في علاقة قوية أشبه ما تكون بعلاقة الأب مع أطفاله، ثم حدث شيء غيّر هذه الوضعية. إحدى أساطير الخلق الموجودة عند قبيلة Mende التي تذكر قصة الخالق مع الخلق في كهف واحد، حيث منعهم من الاقتراب من طعام معين، فلما أكلوه انفصلوا عنه. لهم رواية أخرى تذكر سبباً آخر عن انفصال الخالق عن الخلق وإعطائه اسم: Leve (الأعلى)، حيث يعتقدون أنه: في زمان سحيق خلق الرب الكون ثم ختمه بخلق الرجل والمرأة، ولم يكن هذان (الرجل والمرأة) يعرفان اسم الربّ الحقيقي فقط كانا ينادينه بـ:Maada-le  (الجدّ).

في يوم من الأيام خاطبهم الرّب قائلاً: (كل ما تسألوني أعطيكموه)، فكانا كلما أرادا شيئاً أو طعاماً ذهبا إليه وقالا: Maada أعطنا كذا.. فيعطيهما قائلاً: In-ngee (نعم، خذا)، ولأجل هذه الكلمة ولأنه دائماً ما كان يقولها لهما ظنا أن اسمه هو Maadagee (الجد: خذ). ولما كانا يكثران من التردد عليه قال الرب في نفسه (تعالى وتنزه عن قولهم): لو بقيت قريباً منهم سيضجرونني بأسئلتهم المتكررة، سأجعل مكاناً لنفسي بعيداً عنهم. وفي يوم ما أصبح الناس وما وجدوا الرب في مكانه، فرفعوا رؤوسهم لأعلى فرأوه  فوقهم عظيماً وكبيراً جداً فقالوا: Ngeewklanga-waa-le (خذ! ما أكبره وأوسعه وأعظمه) من أجل هذا – حتى اللحظة - يقولـون: Ngewcwaa (الرب عظيم).

عند Akan كان الرب والبشر في مكان واحد معاً؛ حيث كانوا يمسونه ويشعرون به (تعالى وتنزه سبحانه)، وبدأت امرأة بطحن الـ :Fufu بانتظام باستخدام الهاون، وكانت يد الهاون ترتطم بالرب (تعالى عما يقولون) كلما دقت الفوفو ففارق البشر إلى السماوات، وعندما أدرك البشر ما حدث حاولوا البحث عن طريقة تُرجع الرب مرة أخرى إلى وسطهم، اقترحت تلك المرأة العجوز أن يأتي كل واحد منهم بهاونه ويضعوها فوق بعضها ليكوّنوا ما يشبه السلّم ليصلوا إليه.. طبقوا الأمر واكتشفوا أنهم في حاجة إلى هاون واحد فقط ليكملوا السلم، عندها اقترحت المرأة العجوز مرة أخرى أن يسحبوا الهاون الذي في قاعدة السلم ويضعوه في الأعلى، فلما سحبوه انهار كل البناء وقُـتل كثيرون(26).

ولليوروبا أكثر من قصة تروي هذا الانفصال، يقول (Idowu): تقول الروايات الشفهية إن السماء كانت قريبة من الأرض، وكان من الممكن لكل واحد أن يصعد إلى السماء ويرجع وقتما يريد، وكان هناك علاقة مباشرة مع Olodumare، وكان إذا مد واحد يده استطاع أن يدرك بها السماء، وكان بلا شك ثمة وقت كان الاتصال بين السماء والأرض بغير حدود أو حواجز، كانت فترة ذهبية من عمر الكون. وحدث شيء أحدث هذه المسافة بين السماوات والأرض، وهناك قصص كثيرة جداً حول ما حدث، إحداها أن هناك شخصاً شرها أخذ طعاماً كثيراً جداً من السماء لذا انفصلت، وأخرى تروي أن امرأة لمست السماء (غير الصلبة) بيد متسخة فانفصلت(27)، وقصة أخرى عندهم تذكر إنزالOduduwa  - وهو الإنسان الأول وسلف اليوروبا -  من السماء إلى الأرض، وقد نزل متعلقاً بسلسلة من حديد(28).

كل هذه القصص المأخوذة من الفو واليوروبا والمندي في غرب إفريقيا؛ مؤداها ونتيجتها أن الإنسان كان في وقت ما قرب الرب في مكان ما، ثم حدث شيء ما جعل الإنسان بعيداً عن الربّ، ولعل هذه القصص - في روحها -  تشي بوجود قديم للمعتقد الكتابي عن آدم وحواء عليهما السلام في جنة عدن، وربما كان ثمة نور هاد من قبل في المنطقة انطمس بمرور الزمن.

وفي دراسة عن عقائد القبائل الوثنية في إفريقيا يقول القس جاك ماندلسون: (إن فكرة الله الأعلى، تكاد تكون موجودة لدى جميع القبائل، بل إن مفهوم الذات الإلهية الكلية الحضور، والذاتية الاكتفاء والشاملة القدرة، نجده بين كثير من القبائل، كالزولو بجنوب إفريقيا، والبايراوندا والاشانتي بغانا وساحل العاج، والآكان بغانا، واليروبا بنيجريا والبكونجو بأنجولا، والنجومية بالكونغو.

ويجب ألا يفوتنا هنا أن نذكر أن لدى الأقزام(29) - وهم أقدم سلالات إفريقيا -  كائناً يُطلقون عليه اسم (مونجو)؛ وإلى هذا الكائن العلي يعزو الأقزام، أيضاً، خلق جميع الأشياء، وأنها ترجع إليه، كما أن هناك أسطورة بين قبائل لشاجا (بتنزانيا) تروي أن الله قد غضب من أعمال البشر فأهلكم فيما عدا قلة، وجليّ مدى التشابه بين هذه الأسطورة وقصة سيدنا نوح.

ويروي البامبوتي والتشاجا والميروكيف(30) أن الرب حرّم أكل ثمار شجرة معينة على الإنسان، وكيف أنه حينما عصى الإنسان الأمر وأكل منها جاء الموت إلى الأرض.

وفي جميع الأديان الإفريقية التقليدية اعتقاد فيما وراء الموت بشكل أو بآخر، كما تعتقد أن المتوفى تستمر حياته في عالم الأرواح... ومفاهيم الخير والشر موجودة أيضاً في هذه الديانات، بل لعلها عميقة الجذور فيها إلى حد لا يتصور الكثير من الناس. وتعتقد قبائل التوركانا من كينيا مثلاً إن الله، مع أنه يشفي من المرض، قد يصيب به أولئك الذين يغشون المحارم ويخالفون الطقوس الهامة)(31).

2 -  الرب الجد:

تسود في غرب إفريقيا عند القبائل الوثنية تسمية الربّ (سبحانه وتعالى) بالجد، إضافة للاسم الرئيس الذي يطلقونه عليه سبحانه، والجدول الآتي يوضح ذلك:

يقول Kofi: (إن للجدّ عند قبائل غرب إفريقيا تقدير خاص، وتسمية الربّ بالجد توافق ذلك التقدير والتعظيم الذي يعطونه للرب، ولا يلزم من التسمية جعله بشرياً. ويُعد الجد عندهم رأس العائلة، وهو الشخص الذي ترجع إليه كل القضايا ليحكم فيها، ويحظى باحترام وتقدير كبيرين جداً، ويرسخ رؤساء القبائل وبقية الكبار فيها لهذه المفاهيم بنفس القدر، فإن تسمية الربّ بالجد الأكبر، أو السلف الأعظم منبثقة من الدور الذي يؤديه كرئيس وقائد أعلى للمجتمع)(32).

3 - عبادة الرب:

بصورة عامة، وعلى النمط المعروف للشرك عبر القرون، لا توجد أية عبادات تُصرف لله سبحانه وتعالى مباشرة عند وثنيي غرب إفريقيا؛ بالرغم من الأسماء المشعرة بالتقديس والتعظيم لله عز وجل مما تنضح بها أدبياتهم.

ولا يجد المرء هيكلاً أو مبنى مخصصاً لعبادة الله وحده (على كثرة الهياكل والمباني العبادية)، كما لا يوجد بينهم كهنة أو سدنة مخصصون للإرشاد إلى عبادة الله سبحانه، مثل أولئك المكرسون للدلالة على كيفية عبادة الآلهة وأرواح الأسلاف، ولهم في ذلك فلسفة ليست بالغريبة على المسلم المتمعن في كتاب الله سبحانه، يقولون: (الربّ دائماً خيّر، لا يؤذي ولا يضرُّ ولا يحتاج إلى استرضاء كما الأرواح والآلهة التي يخشى غضبها وإيذائها)(33).

وهذا شبيه بما ذكره المولى سبحانه في كتابه العزيز عن مشركي مكة؛ إذ كانوا يقدّمون القرابين والهدي لآلهتهم بمزاعم شبيهة بما يزعم هؤلاء، ﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْث وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام : 136]، قال أبو محمد بن عطية الأندلسي في تفسير هذه الآية: (وسبب نزول هذه الآية أنّ العرب كانت تجعل من غلاتها وزرعها وثمارها ومن أنعامها جزءاً تسمّيه لله وجزءاً تسمّيه لأصنامها، وكانت عادتها التحفّي والاهتبال بنصيب الأصنام أكثر منها بنصيب الله؛ إذ كانوا يعتقدون أن الأصنام بها فقر وليس ذلك بالله، فكانوا إذا جمعوا الزرع فهبت الريح فحملت من الذي لله إلى الذي لشركائهم أقرّوه، وإذا حملت من الذي لشركائهم إلى الله ردّوه، وإذا تفجّر من سقي ما جعلوه لله في نصيب شركائهم تركوه، وإن بالعكس سدّوه، وإذا لم يصيبوا في نصيب شركائهم شيئاً قالوا: لا بدّ للآلهة من نفقة. فيجعلون نصيب الله تعالى في ذلك، قال هذا المعنى ابن عباس رضي الله عنهما، ومجاهد، والسدي وغيرهم؛ أنهم كانوا يفعلون هذا ونحوه من الفعل، وكذلك في الأنعام، وكانوا إذا أصابتهم السّنة أكلوا من نصيب الله وتحاملوا نصيب شركائهم)(34).

وكذلك ثمة مزعم آخر منهم، وهو أنّه لا يُتصوّر أن يرتبط الإنسان بالكائن الأسمى مباشرة إلا عبر وسائط تُسترضى من البشر لترضي بدورها الربّ.

ثانياً: الأسلاف:

يكنّ معتنقو التقاليد الإفريقية في غرب إفريقيا لأرواح الأسلاف احتراماً وتبجيلاً كبيرين جداً، يقول فرانسوا لا بلانتين: (إن بانتيون الأجداد ليس نسخة طبق الأصل لعالم الأحياء على غرار ما نجده في نظرية أفلاطون الأولى... فالأجداد الذين يتم ذكرهم وتمجيدهم مرات عديدة في اليوم هم بالأحرى قوة حافظة تمنح الحيوية، وتقوي القرية، وتضمن تناغمها، وتتيح تحييد قوى أخرى وإبعادها)(35).

يؤمن وثنيو الغرب الإفريقي بتجوّل أرواح الأجداد في الكون الفسيح، ويعتقدون أن علاقتهم مع أسلافهم علاقة قوية، ويشعرون برقابتهم المستمرة عليهم لاعتقادهم بوجودها حولهم وفيما بينهم، يقول Paris: (من وجهة نظر هؤلاء: لا يوجد موت بالمعنى الشائع، بل يؤمنون بخلود النفس (الروح)، وأن هذه الوضعية التي اتخذتها الروح تجاه هذا الشخص بخروجها منه ليست إلا بداية لدورة جديدة خارج جسده المادي، وتسمية هذه الأحوال موتاً يعد أمراً مغلوطاً، بل هو تحول من الحالة الفيزيائية للحياة إلى الحالة الروحية الخالدة)(36).

إن الإيمان بمواصلة الأسلاف لحياتهم بعد الانتقال (الموت) أمر شائع، والأموات عند بعض القبائل موجودون وسط الأبناء؛ فمثلاً عند قبيلة اليوروبا يظل الأب الذي توفي يُسمّى Baba si (أبي)، والأم المتوفاة Iya mi (أمّي)، ويُعاملون كأنهما لا يزالا على قيد الحياة، فالموتى قد انتقلوا فقط من عالم مادي إلى عالم روحي دون أن يقطعوا الوشائج مع الأحياء(37).

ويعبّر عن إيمانهم بهذا الأمر الشاعر السنغالي المشهور Birago Diop في قصيدة له قائلاً(38):

الذين ماتوا لم يذهبوا أبداً..

إنهم هناك.. في الظلال الكثيفة..

الموتى ليسوا تحت الأرض..

إنهم في الأشجار حين تصدر حفيفاً..

إنهم في الأخشاب حين تصدر أنيناً..

إنهم في تلك المياه الجارية..

إنهم في الأكواخ.. إنهم وسط الحشود. ...

ويعتقد وثنيو الغرب الإفريقي أن الأسلاف يسكنون (أرض الأرواح) (إذا حققوا أموراً معينة في حياتهم)، ويعتقدون أن الحال التي مات عليها الشخص هي التي تحدد درجته ورتبته في هيكل الأسلاف، مثلاً تعتقد قبيلة الأكان بغانا أن المرء لكي يصير سلفاً لا بدّ له من حياة سابقة ذات قيمة وشرف، وأن يكون قدوة حسنة خلال سني حياته، ويموت عن عمر كبير وأبناء وأحفاد(39). وكذلك اليوروبا؛ يعتقدون أن الموتى الأحداث غير مؤهلين للدخول في منظومة الأسلاف، وأن على المرء أن يموت ميتة (جيدة), فلا يدخل في الأسلاف من مات بحادث، أو انتحار أو شكل آخر من أشكال الموت العنيف. وكذلك ألا تكون الميتة لسبب مجهول، أو بسبب الجنون، الاستسقاء، الجذام أو الصرع. وتتشابه تقريباً الشروط التي تحددها مجموعات الغرب الإفريقي ليدخل الميت في نسق الأسلاف.

يحظى كبار السن باحترام وتبجيل كبيرين في مجتمع غرب إفريقيا عموماً، وعند القبائل المؤمنة بقوة الأسلاف الروحية خصوصاً، فهم يعتقدون أن كبير السنّ قد مرّ بمراحل عديدة في هذه الحياة تؤهله لنيل درجة رفيعة من الحكمة والخبرة، وبالتالي القرب من الله؛ مما يؤهله أن يكون بعد مماته (وفق الشروط) سلفاً يحيا مع الربّ في مكان واحد! وعلى سبيل المثال يعتقد وثنيو الميندي  Mendeفي سيراليون أنّ الأسلاف ذهبوا ليستريحوا مع الربّ، ووثنيو الكونكومبا Konkomba في شمال غانا؛ يقولون إن أسلافهم قد ذهبوا إلى Uumbwardo (بيت الربّ).

ويقول J.B.Danquah عن معتقد قبيلة الأكان -  في غانا - حول الأسلاف: (يعملون كوسائط بين البشر والكائن الأسمى، وتستجاب الصلوات المرفوعة للربّ بسرعة إذا مرّت عبر الأسلاف)(40).

يسود اعتقاد بأن الأسلاف يمارسون حياتهم ويستكملونها، ويفتقرون إلى المقومات الأساسية للعيش (الماء والطعام). تقول Margaret Greel:  (يحتفظ الأسلاف بكل انفعالاتهم ورغباتهم كما كانوا من قبل، فهم يشعرون بالجوع والعطش، يغضبون ويسرون؛ وينتقمون إذا ما أُهملوا، ويرضون إذا ما عوملوا بالاحترام اللائق، ووفاء الأبناء تجاه الأسلاف هو الذي  يقيهم من الجوع والعطش إذا قُدمت القرابين بصورة منتظمة)(41).

لذا يحرص وثنيو الغرب الإفريقي على التواصل كلما أحسوا برغبة الأسلاف في شيء من الاهتمام، والذي غالباً ما يعرفونه من خلال الأحلام وتكهّـن العرافين.

والطريقة الشائعة بين القبائل الوثنية في الاتصال بالأسلاف هي طقوس الإراقة(42) Libation التي قد تشتمل أحياناً على تقديم قرابين من طعام وخمر، ويمارس هذا الطقس فردياً وجماعياً، فقبل أن يشرب المرء منهم خمراً أو ماءً فإنه يريق بعضاً منه على الأرض، ويعتقد أنه بهذا قد أعطى سلفه ما يحتاج من ماء أو خمر، وقبل الأكل يلقي بلقمة من طعام على الأرض للأسلاف، ويشيع كذلك سلوك بين وثنيي الغرب الإفريقي، وبخاصة بين وثنيي قبيلة الأكان، وهو التأكد قبل النوم من أن خزانات المياه بالبيت تحتوي على شيء من الماء، فالأسلاف سيتجولون ليلاً، ويحبون أن يرتووا من بيوت  أقربائهم.

يلخص لنا Kofi Opuko  أسس الاعتقاد في الأسلاف كما يأتي(43):

1 -  الاعتقاد في استمرارية حياة الأسلاف وعدم انقطاعها بالموت.

2 -  الاعتقاد في أن للأجداد عهد (وهو حماية العائلة أو القبيلة أو الأسرة)، وأن هذا العهد صار منوطاً بهم منذ أن دخلوا في هيكل الأسلاف، وهم يعطون أحفادهم مزيداً من القوة والحماية.

3 -  يعد الأسلاف (ضابطين) للحركة الروحية (غير المرئية) للمجتمع، فبتذكر الفرد منهم للأسلاف، وبالتزامه بقوانينهم وأحكامهم الناجزة؛ تصير حياته أكثر ضبطاً والتزاماً.

4 -  الإيمان بتناسخ الأرواح وعودة أرواح الأسلاف في أجساد أبنائهم مرة أخرى.

1 -   طقوس الأسلاف:

معظم الاحتفالات الطقوسية الوثنية في غرب إفريقيا تحتوي على فقرات خاصّة بإطعام الأسلاف، وعند قبيلة الإيفي والأكان والأشانتي يوجد تقدير خاص لما يُسمى (كرسي الأسلاف)، وهو لا يستعمل للجلوس فقط، لكن له دلالة رمزية للأسلاف والرؤساء في الأسرة.

 

الإحالات والهوامش:

(19)  (Kofi 1978 ).

(20)  (Kofi 1978).

(21)  W.T.Harris) و H.Sawyerr  / The Springs of Mende Belief and conduct ).

(22)  (Kofi 1978).

(23)  (Kofi).

(24)  لغة خاصة تستخم في المجتمعات البدائية، حيث لم تتوفر وسائل المواصلات الحديثة، تعتمد هذه اللغة على السماع، وتعد لها طبول ضخمة من جذوع الأشجار المفرغة، ولها عدة إيقاعات للمناسبات المختلفة، للتحذير أو الحرب أو الزواج، كما لها مفرداتها الخاصة. (المؤلف).

(25)  (Kofi).

(26)  (Kofi).

(27)  (Idowu).

(28)  لويد 1980م، ص .36.

(29)  قبائل الأقزام أو «البيغمي» هي القبائل التي تعيش في الغابات على صيد الحيوانات, وتنتشر هذه القبائل في وسط إفريقيا وغربها، وفي الكونغو برازافيل، والكاميرون، والغابون، وجمهورية إفريقيا الوسطى، ورواندا، وبوروندي، وأوغندا.

(30)  مجموعة من قبائل الأقزام في الكونغو.

(31)  الرب والله وجوجو.. الأديان في إفريقية المعاصرة، تأليف القس جاك مندلسون، من الكنائس التوحيدية (uniturian churches)، ترجمة إبراهيم أسعد، ص 108.

(32)  (Kofi, 25).

(33)  (Kofi, 30).

(34)  المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية الأندلسي، ص 665.

(35)  أبحاث في السحر، مجموعة دراسات، ترجمة محمد أسليم، مكناس، مطبعة سندي 1995م. 

(36)  Paris 1995, 52)).

(37)  (Chife).

(38)  (Munto 1961, p. 108).

(39)  (Kofi, 36).

(40)  (Danquah).

(41)  Paris 1995, 52)).

(42)  (طقس الإراقة) طقس وثني، يعتمد على إراقة بعض الخمور على الأرض استرضاء للأرواح والآلهة، يُمارس في عدد من الديانات الوثنية، وانتقل إلى بعض الطوائف النصرانية.

(43)  (Kofi.p,39).

یستمر...

 

المصدر: مجلة قراءات، العدد 3، ذو الحجة 1429هجري سبتمبر 2008 ميلادي

عاصم محمد حسن محمد