الإسلام والتشيع في تونس [لمحة تاريخية](1)

  • رقم الخبر 2546
  • المصدر: مرکز الابحاث العقائدیه

المخلص تقع البلاد التونسية في أقصى شمال القارة الإفريقية، إلا أنها كانت معروفة في العصور القديمة، والتي تلتها من العصور الوسطى باسم إفريقية، ولقبها بعض الجغرافيين ببوابة البحر البيض المتوسط، ولأجل موقعها الهام والاستراتيجي كانت دائما عرضة للغزو الاحتلال.


تقع البلاد التونسية في أقصى شمال القارة الإفريقية، إلا أنها كانت معروفة في العصور القديمة، والتي تلتها من العصور الوسطى باسم إفريقية (وهي كامل البلاد التونسية مع الجزء الغربي لليبيا، وبعض مناطق شرق ووسط الجزائر)، ولقبها بعض الجغرافيين ببوابة البحر البيض المتوسط، ولأجل موقعها الهام والاستراتيجي كانت دائما عرضة للغزو الاحتلال.

يغلب على سكان إفريقية قبل الفتح الإسلامي عرقهم البربري، مع أقلية لا تكاد تذكر منحدرة من أصول الأمم التي كانت مهيمنة على تلك المناطق، والتي تأقلمت وسط التجمعات السكانية، وانصهرت في بيئة مناطقها، واختلطت معها حتى صارت جزء منها. يعتبر البربر من الأمم المستعصية والعنيدة، وقد كان تاريخهم الطويل حافلا بمقاومة الغزاة الذين حلوا بأرضهم، فلا الفينيقيون، ولا الرومان، ولا البيزنطيون، ولا الإسبان، ولا النورمنديون، تمكنوا من إخضاعهم والسيطرة عليهم، فكانت مستعمراتهم تعتريها بين الفينة والأخرى إنتفاضة هنا وثورة هناك، بحيث لم يهنأ مستعمر في تلك الربوع.أما الدين الغالب على البربر فهو المسيحية بإجماع أكثر المؤرخين، مع قلة من عبدة الأوثان واليهود.

في حدود سنة 27 هجرية/647 ميلادية، بدأ الفتح العربي للشمال الإفريقي، أو بالأحرى الغزو العربي، لأنني لم أجد فيه حسب ما توصلت إليه من بحث، ما يشير إلى طابعه الإسلامي، وكانت أول الغزوات هي غزوة عبد الله بن أبي سرح، وقصة هذا الرجل معروفة ومثبتة في كتب السيرة التاريخ، فقد أسلم قبل فتح مكة، ثم ما لبث أن ارتد، وفرّ إلى مشركي مكة(1) يقول زيني دحلان الشافعي: أسلم ثم ارتد، ولحق بمكة وصار يتكلم بكلام قبيح في حق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأهدر دمه، وعلم الرجل بذلك(وقد يكون الذي أعلمه هو نفسه الذي أخفاه ومنع عنه الطلب) فلما كان يوم الفتح لجأ إلى عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاع، فقال: يا أخي استأمن لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قبل أن يضرب عنقي، فغيبّه عثمان.. حتى هدأ الناس واطمأنوا، ثم أتى به إليه صلى الله عليه وآله وسلم، وصار يقول عثمان: يا رسول الله أمنته فبايعه.والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يعرض عنه مرارا، ثم قال: نعم فبسط يده فبايعه، فلما خرج عثمان وعبد الله، قال صلى الله عليه وآله وسلم لمن حوله أعرضت عنه مرارا، ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه.(2)

تلك حقيقة (الفاتح) الذي أمده عثمان بن عفان بجيش فيه بسر بن أرطأة، ذلك الرجل الوحش الذي استباح مدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أيام، قتل فيها من قتل من الصحابة وذراريهم، وانتهكت فيه المحارم، من اغتصاب العذارى والنساء المحصنات، ونهب الممتلكات، ولما ولي أمر المسلمين معاوية بن أبي سفيان، ولى معاوية بن حديج (الذي قتل محمد بن أبي بكر ثم وضع جثته ومازال بها رمق في جوف حمار وأحرقه)على مصر، فبعث سنة 50 هجرية عقبة بن نافع إلى إفريقية، فوجه عقبة بسر بن أرطأة إلى قلعة من القيروان، فاقتحمها وقتل وسبى وخرب معالمها، وقتل معظم سكانها، ونهب أموالهم وأخذ أطفالهم وبناتهم.(3)

أسس عقبة مدينة القيروان وجعلها منطلقا لحملاته، سنة 50 هجرية / 670 ميلادية، ثم ما لبث أن عزل معاوية بن أبي سفيان عقبة بن نافع سنة 55 هجرية، وعين مكانه مولاه أبو المهاجر دينار أحد مواليه المخلصين للأسرة الأموية.

ثم رجع عقبة مرة أخرى إلى افريقية، بمرسوم من يزيد بن معاوية لعنهما الله وذلك سنة 62 هجرية.كانت كل الدلائل تشير إلى أن البربر سوف لن يتقبلوا بسهولة الفتح الجديد، للمسلمات التي تكونت لديهم عن المستعمرين السابقين، ولتجربة دامت قرون عديدة تقول، إن الذي يأتي إلى قوم ليخضعهم بالسيف، لا يمكنه أن يأتي بخير أبدا، لأن القوة مهما بلغت من العتو والطغيان، ما هي إلا أداة إخضاع، وليست أداة إقناع.

ومن تلك السلبيات التي ترسخت في محصلة البربر، جاء وقوفهم في وجه الغزو العربي والمسمى بالفتح الإسلامي، وتعاملوا معه على أساس أنه غزو واستعمار، خصوصا بعد ما لمسوا من تصرفات الفاتحين، قرائن وإثباتات تثير الريبة، وتدفع إلى الشك في حسن نواياهم وسلامة مقاصدهم، منها أعمال السلب والنهب للممتلكات، وسبي البربريات الجميلات، لإرسالهن إلى مصر، ومنها إلى مقر الدولة الأموية بالشام، والإهانات التي تعرض لها زعماءهم رغم دخولهم الدين الإسلامي كما هو الشأن بالنسبة للملك كسيلة البربري، تقول القصة:

إن عقبة أتي يوما بذود من الغنم، فأمر بذبحها للعسكر، وأمر كسيلة أن يسلخ منها مع السلاخين، فقال كسيلة: أصلح الله الأمير، هؤلاء فتياني وعبيدي يكفوني المئونة.فقال عقبة: لا، فقام كسيلة مغضبا.فكان كلما دحس مسح بلحيته، فكان العرب يمرون عليه ويقولون: "يا بربري ما تصنع؟"فيقول: هذا جيد للشعر." حتى مر شيخ من العرب فقال لهم: كلا إن البربري يتوعدكم." فقال أبو المهاجر لعقبة: "بئس ما صنعت، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتألف جبابرة العرب، وأنت تأتي إلى رجل جبار في قومه في دار عزه، قريب العهد بالشرك فتهينه." فتهاون عقبة بكلام أبي المهاجر(4)، ولم يحسب له حسابا، إلى أن وجد كسيلة فرصة فهرب بمن معه من البربر، ثم بدأ في استنفار البربر وتجميع حشودهم انتظارا للفرصة المواتية .

كانت معارضة البربر شديدة للفاتحين الجدد، بعد أن رأوا بأم أعينهم ما قاموا به، فحاربوا عقبة في عدة وقائع، لعل أهمها تلك التي أدت إلى مقتله بتهودة(الجزائر)، مع مجموعة كبيرة من جنده وقادته، في طريق عودته من المغرب، على يد ملك البربر" كسيلة" سنة 64 هجرية/683.

يقول المؤرخ ابن خلدون:

إن البربر ارتدوا على الإسلام خلال سبعين سنة، اثنتي عشر مرة.(5)ويمكن القول، إن عقلية الفاتحين لم تكن تتميز بالتقوى، ولا كانوا في زحفهم يغلبون عامل الدعوة إلى الإسلام، على عامل القوة والسيف، ولا كانوا يتقيدون بالمبادئ الإسلامية، التي جاءت لتحرير الإنسان من هيمنة أخيه الإنسان، لذلك لم تحصل من خلال هؤلاء الغزاة الفاتحين لدى البربر الصورة المشرقة الصحيحة عن الإسلام المحمدي الأصيل، وإذا نظرنا سريعا إلى عقلية الخلفاء الأمويين في تلك الفترة من الزمن، تأكد لدينا تطابق الأمير والمأمور، في الغاية من التوسع في الأراضي والشعوب، وإصابة الغنائم وجمع الأموال، وحيازة السبايا، فالدولة الأموية لم تكن خافية على العارفين بأساسات الطغاة، ولا كانت تجاوزاتها بحق العرب المسلمين المعارضين لسياساتها، والموالي الذين أخضعوا إلى سلطانها بقوة الحديد والنار، لتمر دون أن تنجلي حقيقة تلك الدولة، وغاياتها التي ليس لها رابط يصلها بالدين الإسلامي، ولا علاقة تلجئها إلى إتباع الحق والعدل.

لذلك فان ردة البربر المتكررة، التي تحدث عنها ابن خلدون، لم تكن ردة بمعناها الحقيقي، لأن البربر لم يتعرفوا على الدين من وجهته الصحيحة، ولا اطلعوا على تعاليمه بعيدا عن المؤثرات التي أفرزت رفضهم له، لذلك فمن المنطقي والمعقول أن يكون موقفهم من الاسلام موافقا لموقفهم من الغزاة، وحالهم في مواجهة من تسموا بالفاتحين كحال المدافع عن نفسه وعرضه وماله من المجرمين وقطاع الطرق، اذا لايمكن تصديق مقالة دخول البربر في الاسلام بعد ما لاقوه من عنف وقسوة من جيوش بني أمية، والادعاء مردود على ابن خلدون، ومكابرة منه في حق البربر، فمتى دخل هؤلاء الى الدين الحنيف، حتى يمكن القول بأنهم قبلوه ودخلوا فيه ثم رفضوه؟لأن كل الذين جاؤوا إلى تونس والجزائر والمغرب كانوا عسكريين، ولم يكونوا علماء أو فقهاء، حتى يغلبوا الدعوة والإقناع على السيف والإرهاب، ومن هذا المحصل تكون دعوى ردة البربر عن الإسلام، والتي أطلقها ابن خلدون بعيدة عن الواقع، لأن البربر في مواجهتهم للغزاة القادمين عليهم من بعيد، لم يجدوا أمامهم دعاة يفهمونهم حقيقة الإسلام وقيمه السمحة فيعتنقوه، حتى نجزم بأنهم ارتدوا عنه، وإنما وجدوا في مواجهتهم عساكر ليس لها هم سوى الغنائم والسبايا، خدمة للخليفة الذي ينتظر بعد كل حشد يرسله ذلك الفيء القادم عليه من بعيد، وبلوغا لغايات أنفسهم المادية من الغزو.

ولا أدل على ما قلناه من أن أساليب القمع التي اعتمدها الأمويون في القضاء على الثورات، وإخماد تأججها بين فئات الأمة المسحوقة في المشرق الاسلامي، ما وقع للإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام رغم أنه أشهر من نار على علم، سبط النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وريحانته في الدنيا والاخرة، وسيد شباب أهل الجنة، من تعد وظلم بلغ إلى حد استباحة دمه المحرم في الشهر الحرام، وقتل أهل بيته عليهم السلام، وخلص أصحابه ممن شاركه في نهضته، دون أن يتركوا له خيارا آخر غير الشهادة، يحفظ شخصه ومقامه في الأمة، وما وقع لمدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، من أحداث مفزعة عرفت بوقعة الحرة الشهيرة، عندما انتفض أهلها، وخلعوا بيعة يزيد الفاسق، بعد واقعة كربلاء، وقد قمعت بشدة، وبطش بأهلها الذين لم يكونوا غير بقية أهل البيت و الصحابة وابنائهم، وقد استبيحت مدينة الرسول صلى الله عليه وآله ثلاثة أيام، وقتل من قتل فيها، واغتصبت الفتيات والنساء، انتقاما من خلعهم بيعة يزيد.

وما وقع للكعبة الشريفة، من رجم بالمنجنيق وهدم لأركانها، وتعد على حرمتها، بدعوى إخماد ثورة ابن الزبير، إلا أدلة على أن الذين نصبوا أنفسهم حكاما على الأمة الإسلامية لا يملكون من الإسلام سوى اسمه ومن معانيه سوى رسمه، ولو لم تكن الأمة مغلوبة على أمرها، لما قبلت أن يقع فيها ذلك الظلم والجور والشر المستطير، أما الأيادي التي نفذت تلك الجرائم البشعة، فهي نفسها تقريبا الأيدي التي غزت إفريقية، وفعلت فيها الأفاعيل.

إن الثورات التي قامت في عدد من مناطق المشرق الإسلامي، والمتاخمة لعاصمة الدولة الأموية، كالمدينة المنورة والكوفة وخراسان، جاءت كلها بسبب الانتهاكات المتكررة على الإسلام كشريعة طالتها أيدي هؤلاء الحكام بالتحريف والتعطيل، وعلى المسلمين بشتى أعمال التعدي على أشخاصهم وحقوقهم، وقد رفعت كل تلك الثورات شعارا حسينيا واحدا، ينادي للرضا لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، استغله العباسيون في آخر لحظة ليركبوا سدة الحكم بدلا عن الأمويين، وكان لهم ما أرادوا، لكنهم سرعان ما أعادوا سياسة قمع آل الرسول صلى الله عليه وآله وشيعتهم، حيث سجل عليهم التاريخ فضائع لا تقل وزرا عما فعله بنو أمية.

جاء حسان بن النعمان الغساني، قائدا موفدا من طرف عبد الملك بن مروان الأموي، سنة 78 هجرية، فأخضع افريقية، ودخل قرطاج مرتين 695 و698 ميلادية، بعد مقاومة شديدة من ملكة بربرية تدعى الكاهنة للجيوش الغازية، والتي لم يستسلم البربر إلا بموتها سنة 702 م.

وجاء موسى بن نصير- والذي حامت حوله شكوك في تشيعه لأهل البيت عليهم السلام أدت إلى عزله فيما بعد من طرف سليمان بن عبد الملك- ليخلف حسان بن النعمان على رأس الفتح سنة 82 هجرية، ويواصل المسيرة التي قام بها عقبة إلى المغرب، فأخضع كل المناطق بتلك الجهات، ثم أركب جيشه السفن، وفتح اسبانيا بواسطة أحد قادته المسمى طارق بن زياد البربري سنة 711 م، ولم تتوقف جيوش الفتح إلا على مشارف مدينة بواتيي Poitiers سنة 732م.

لقد قال ابن خلدون كلمته الشهيرة: التاريخ في ظاهره لا يزيد على الإخبار، وفي باطنه نظر وتحقيق. وهو مع ذلك قد غض الطرف عن التحقيق في الادعاء الذي أطلقه من ارتداد البربر عن الدين الإسلامي، ولم يكن صائبا في رأيه.

ونحن إن سلمنا بصحة الاصطلاح الذي أطلقه ابن خلدون، فهل نسلم بأن ما وقع في الماضي قد نقل إلينا على حقيقته بدون زيادة ولا نقصان؟

 وبالرجوع إلى ما كتبه العلامة التونسي, أعني ابن خلدون عن عدد من الأحداث التاريخية المهمة في المجال الإسلامي نراه ينقل خبرا مكذوبا عن الإمام علي عليه السلام، لا نرتضي صدوره عن مؤرخ و مفكر كبير مثله، كتب: ولقد سئل علي رضي الله عنه عن قتلى الجمل وصفين فقال‏: ‏"‏والذي نفسي بيده لا يموتن أحد من هؤلاء وقلبه نقي إلا دخل الجنة .‏"‏ يشير إلى الفريقين، نقله الطبري وغيره‏.فلا يقعن عندك ريب في عدالة أحد منهم ولا قدح في شيء من ذلك، فهم من علمت وأقوالهم وأفعالهم إنما هي عن المستندات، وعدالتهم مفروغ منها عند أهل السنة.(6)

فأي نظر هذا؟ وأي تحقيق ظهر للقارئ من هذا النقل؟ وأي عقيدة صحيحة يمكن أن يبنيها مسلم عاقل عبر هذا الخلط الذي لا نرى له قدم صدق أبدا.إذ كيف يعقل أن يجتمع القاتل والمقتول، والظالم والمظلوم، والباغي والمبغي عليه، والخارج عن طاعة إمام زمانه والمحارب له من الداخل فيها والمدافع عنها؟ وان صح هذا فلا أعتقد أن المقصود به الجنة التي وعد بها ربنا عباده المتقون، فقد تكون شيئا شبيها لا نعرفه.

ألم يلتفت ابن خلدون إلى أن في تاريخ الطبري المعضلة، مئات من الروايات التي حدث بها سيف بن عمر التميمي، هي من مختلقات سيف المذهبية، ومع ذلك لم تشفع له تلك الروايات في تحسين صورته، فعد من الضعفاء والكذابين والوضاعين، وشهر به رجال الجرح والتعديل حتى لم يعد هناك شك في سقوط شخصه وبطلان رواياته، ومع ذلك غض الطرف عنه وترك له المجال ليدس سمومه في تاريخنا ويخرف أحداثه.

ألا يتعارض ذلك مع ما ابتدع من غريب أحديث عن النبي صلى الله عليه وآله بشأن الفتنة، وما جاء من أن القاعد فيها خير من الماشي والماشي خير من الراكب، وإذا التقى مسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، وما إلى ذلك من مختلقات معارضة لكتاب الله تعالى وسنة ببيه الأكرم صلى الله عليه وآله الصحيحة، والتي لم تفتعل إلا لتثبيط المسلمين وصرفهم عن نصرة الحق الذي هو إلى جانب الإمام علي عليه السلام.في محنته وهو يدافع عن حياض الدين وبيضته.

قد نعذر العامة لركوبهم دابة التناقض، ونلتمس لهم سببا في عدم التمييز، ولكننا لا يمكن أبدا أن نعذر مؤرخين كبيرين كالطبري وابن خلدون، لأن الأول كانت جنايته كبيرة في حق التاريخ الإسلامي، والثاني مشى في ركابه دون نظر ولا تحقيق، كما زعم  أن للتاريخ نظر وتحقيق.

 

فهل كتب تاريخنا الإسلامي ودونت أحداثه كما تستحق؟

أنا لا أعتقد ذلك، خاصة إذا ما تأملنا واقعنا اليوم، رغم وجود كل وسائل الكتابة والتصوير والتسجيل، فان أكثر الأحداث بقيت بلا دقة في نقل وقائعها، فما بالك بالعصور الغابرة الفاقدة لوسائل الحفظ والتدوين التي يمتلكها العصر الحديث، وبقي التاريخ على حاله يكتب كتابة طغيان وظلم، وبقي المؤرخون عنصرا من عناصر الضعف الذي أصاب الأمة، يداري الحقيقة ويتستر على الجرائم الكبرى في حق الأمم والشعوب، لا هم لكتابه سوى إرضاء السلطان، وتجنب ردة فعله واتقاء عقوبته.

لذلك نجزم بأن التاريخ الإسلامي كتب كتابة سلطوية بالدرجة الأولى، كتمت أنفاس جميع الحركات الثورية والتصحيحية للأمة، وتجاهلت أهدافها جميعا، وأنكى من ذلك، حاولت إعطاء القارئ انطباعا سيئا عنها، كما هو شأن ابن العربي المالكي في كاتبه العواصم والقواصم الذي لم يستح من القول بأن الحسين عليه السلام قد قتل بشرع جدّه.(7)

كما لم يغب النفس المذهبي عن تلك الكتابة بما تبين لنا من محاولات طمس الأحاديث الصحيحة، التي ثبت ورودها عن النبي صلى الله عليه وآله، لأنها تتعارض وعقيدة المؤرخ المذهبية في مسالة الحكومة الإسلامية، كما هو شأن حديث الغدير، الذي لم يعتمده البخاري في جامع أحديثه، مع أنه كان يحفظ من الصحيح مائة ألف حديث، ورأى فيه ابن خلدون تأويلا فاسدا، على مقتضى المذهب لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة، ويجزم على أن أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه.(8)

فهل غابت عن ابن خلدون حقيقة حادثة الغدير وحديثه، حتى يجزم بفسادهما رواية ومعنى؟ وهو الذي أشار إليه مسلم، ونقله أغلب حفاظ العامة، أم إن دأب هؤلاء هو نقل المكذوب ورد الصحيح؟

لم يتمكن البربر من التعرف على الإسلام من خلال الغزاة الأوائل، وانتهى القرن الأول وسكان افريقية، بين كر وفر مع عسكر بني أمية، فعقلية الغزاة قادة وجنودا لم يسعفهم للوقوف على حقيقة ما يشتمل عليه الدين الخاتم، ومن هنا جاءت مقاومتهم العنيفة للوافدين الجدد.

ومع مطلع القرن الثاني بدأ البربر يتعرفون على الإسلام، ليس من خلال الغزاة والفاتحين، بل عبر العلماء والصالحين الذين بدءوا يتوافدون على افريقية، لنشر الإسلام الحقيقي بين سكانها، لأن وعاء الخير لا يحمله إلا الأخيار ووعاء الشر لا يتأبطه إلا الأشرار، وصدق من قال: كل إناء بما فيه يرشح.ولا التفات إلى ما قيل ويقال، من أن الإسلام قد انتشر في الربوع، وبين الناس بالسيف والفتوحات، لما أسلفنا الذكر من عدم استقامة تلك الدعوى.

الإسلام دين علم وعمل لا ينتقل إلا عبر أدواته، وهي الحكمة والموعظة الحسنة، وهذا ما تميز به أئمة أهل البيت عليهم السلام، عندما كان اهتمامهم متجها إلى نشر الدين الحنيف، بتلك الطريقة المقنعة للعقول والأفئدة، بل لقد كانوا يلزمون شيعتهم بانتهاج مسلك الدعوة بالعمل والتطبيق، لا بالعلم والكلام فقط، وأشهر مقالاتهم: كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم. وكونوا دعاة لنا بأفعالكم ولا تكونوا دعاة بأقوالكم.

وهذا الأسلوب الذي انتهجه أئمة أهل البيت عليهم السلام، هو المخالف لما هو معمول به في عصورهم، من الدعوة إلى الإسلام عن طريق السيف والقوة والكلام، الذي سرعان ما يتناقض مع ما يصدر عن أتباعهم من أفعال مخالفة للدين وأهله.

 

متى دخل التشيع لأهل البيت عليهم السلام إلى افريقية؟

ليس من السهل على أي باحث، أن يتوصل إلى كشف النقاب عن التوقيت الصحيح لدخول التشيع إلى إفريقية، لذات الأسباب التي أشرنا إليها، من عدوانية الأنظمة التي كانت تحكم الأمة في العصر الأموي، والتكتم الشديد الذي كان يلتزم به أئمة أهل البيت عليهم السلام في الاتصال بقواعدهم، واستعمال التقية من أجل تجنب الطواغيت وأزلامهم، كان السمة البارزة التي عنونت حياة الشيعة وقادتهم عليهم السلام.

بذرة التشيع الأولى والتي أسسها النبي صلى الله عليه وآله في أنفس معدودة كأبي ذر الغفاري، سلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، والمقداد بن عمرو، كانت عميقة الجذور قوية السيقان، فأثمرت بعدها وأتت أكلها في عدد من المناطق التي انتقل إليها هؤلاء الكبار، فسلمان ترك بصماته على المدائن وما حولها، وأبو ذر على الشام وجبل عامل، وعمار بن ياسر على اليمن ومصر، أما المدينة والكوفة فقد كانتا القاعدتين اللتين انطلقت منهما الدعوة الحقة على مدى ثلاثة قرون من الزمن.

بالغ المؤرخون في تأخير توقيت دخول التشيع إلى إفريقية حتى كاد يكتنفه النسيان، ولولا قيام دولتين شيعيتين فيها لما التفت إلى ذلك الحدث أحد منهم.

وحتى يأخذ كل ذي حق حقه، لا بد من الالتفات إلى حدث تاريخي مهم نراه من أقوى الأدلة على دخول التشيع إلى إفريقية، وانتشاره في بقية الآفاق والمناطق، فبعد أن دس معاوية السم للإمام الحسن عليه السلام سنة 50 من الهجرة، باشر الحرب على الشيعة بكل السبل والوسائل، فرد شهادتهم وقطع عنهم عطاءهم، وهدم ديارهم وخرب بساتينهم، ثم انتقل إلى أعمال القتل والسجن والتنكيل بهم، فلم يجدوا بدا من الفرار والانتشار في الآفاق هربا بأرواحهم، فكان لذلك التفرق في البلاد، هربا من بطش وظلم معاوية وبني أمية، أثر بالغ في نشر الإسلام المحمدي الأصيل عموما والتشيع خصوصا، في مختلف المناطق. ومن بينها إفريقية.

لم يكن أئمة أهل البيت عليهم السلام غائبين عن الساحة الإسلامية، وفي اعتقادي أن دورهم في الاطلاع والمعرفة والتصريف لشؤون أوليائهم لا تحتاج إلى إثبات أو تقصّ، ولكن ومن أجل إقامة الدليل التاريخي المهمل لا بد من الإمساك بمرجح يؤيد دعوانا، أخرج محمد بن جرير بن رستم الطبري(من علماء الإمامية في القرن الرابع) في كتاب دلائل الإمامة قوله: جاء في رواية لأبي بصير قال: "...سمعت أبا جعفر يقول لرجل من أهل افريقية: ما حال راشد؟قال: خلفته صالحا يقرؤك السلام..فقلت له: أيما كان الرجل؟قال: كان لنا وليا ومحبا من أهل افريقية، يا محمد والله لئن كنتم ترون أنا ليس معكم بأعين ناظرة وآذان سامعة لبئس ما ترون، والله ما خفي ما غاب.."(9)

فدلت الرواية على أن اهتمام الأئمة الأطهار جميعا، وما محمد بن علي الباقر عليه السلام إلا واحد منهم، لا ينفكون عنه ولا ينفك عنهم، بالشأن الإسلامي وشؤون المسلمين مهما تباعدت الشقة بينهم، لأن تكليفهم بالسهر على أمر الأمة الإسلامية وخاصة تبليغ مفاهيم الدين الصحيحة غير المشوهة بما يلفقه السلطان من باطل، وتربية الناس على الأخذ بها والعمل بمقتضاها.

وقد جاء في الرواية سؤال الإمام الباقر عليه السلام عن رجل اسمه راشد، وثناءه عليه معتبرا إياه من شيعته، وفيه دليل على أن التشيع دخل مبكرا ارض افريقية، وبتوجيه من الأئمة عليهم السلام وليس من باب الصدفة كما يروج له.

وجاء في نفس المصدر أيضا: عن جابر قال أبو جعفر قدم رجل من المغرب معه رقيق، قد وصف لي خلقه وجارية معه، واخبرني بابتياعها بصرة دفعها إلي، فمضيت إلى الرجل، فعرض علي ما كان عنده من الرقيق، فقلت بقي عندك غير ما عرضت علي؟ فقال بقيت جارية عليلة، فقلت: اعرضها علي، فعرض علي حميدة، فقلت بكم تبيعها؟فقال بسبعين دينارا، فأخرجت الصرة إليه، فقال: النخاس: لا اله إلا الله، رأيت البارجة في النوم رسول الله، وقد ابتاع مني هذه الجارية بهذه الصرة بعينها.فتسلمت الجارية وذهبت بها إلى أبي جعفر فسألها عن اسمها، فقالت: حميدة، فقال: حميدة في الدنيا، ومحمودة في الآخرة، ثم سألها عن خبرها فعرفته أنها بكر، فقال لها: أنى يكون ذلك وأنت جارية كبيرة، فقالت: كان مولاي إذا أراد أن يقرب مني، أتاه رجل في صورة حسنة، فيمنعه أن يصل إلي.فدفعها أبو جعفر إلى أبي عبد الله وقال: حميدة سيدة الإماء مصفاة من الأرجاس كسبيكة الذهب، فما زالت الأملاك تحرسها حتى أذنت إلى كرامة الله.(10)

وفي الرواية الثانية ما يفيد أن هناك اتصالا بين الأفارقة والمشارقة لغرض التجارة، نستطيع أن نضيف إليه الأغراض والغايات الأخرى كطلب العلم من علماء المدينة والأئمة من أهل البيت عليهم السلام كبارهم، وقصد الحج وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله، حيث يلتقي الناس ويتعارفون ويتسامرون ويتدارسون، فيحصل تبادل الرأي والفكر ويتميز الطيب من غيره.

أما بخصوص السيدة حميدة المصفاة، وزواجها من الإمام جعفر بن محمد  الصادق عليه السلام(تقريبا في حدود سنة126 أو 127 هجرية باعتبار أن الإمام موسى الكاظم عليه السلام ولد في 7صفر سنة 128 هجرية)، ففيه فخر للبربر ومصاهرتهم لسادس أئمة أهل البيت عليه السلام شرف عظيم، وولادة الإمام موسى بن جعفر الكاظم من أمّ بربرية أسنى الشرف للبربر، فأخوال سابع الأئمة الأطهار برابرة من افريقية، لذلك أقول إن اهتمام الأئمة عليهم السلام بالشأن الإسلامي، كان حاضرا في كل المناطق التي وجد فيها الإسلام.

أما الرجلين الذين وقع إرسالهما إلى بلاد المغرب قبل أن يحل بدلهما أبو عبد  الله الشيعي وهما: ابن أبي الرجال والحلواني، فيرجح أنهما أرسلا من طرف الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، لينشرا الإسلام المحمدي الأصيل من وجهة نظر أهل البيت عليهم السلام، لا من وجهة نظر السلطة الأموية، التي أمعنت في تشويه صورة الدين الحنيف، بممارساتها العدوانية، وأعمالها القمعية، وجريها وراء غنم الأموال والأراضي لكسب خراجها، وقد جهزهما وأسدى لهما النصح، وقد نقل المقريزي قولا أعزوه إلي أحد الأئمة عليهم السلام وهو: إن المغرب أرض بور فاذهبا فأحرثا حتى يجيء صاحب البذر‏.(11)

وفي الأثناء تواصل فرار المعارضين الشيعة لبني أمية، اثر كل خسارة يتكبدونها في مواجهاتهم المتعددة مع حكام بني أمية، والتي تركزت في العراق أساسا في العراق وخراسان وشبه الجزيرة العربية.

ومن المدينة، ثم من الكوفة خرج الدعاة إلى الرضا لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، انطلقوا إلى عدة مناطق من أجل توعية الأمة، وبيان الطريق الواجب إتباعه، والدعاة المعنيين بالنسبة لنا ثلاثة، اثنان توجها غربا إلى افريقية وهما كما سبق أن اشرنا، ابن أبي الرجال والحلواني، وتوجه الثالث جنوبا إلى اليمن، وهو أبو عبد الله الشيعي.

أما صاحبي المغرب، فقد وجدا في إفريقية أرضا خصبة لنشر الإسلام  المحمدي الصافي مشوبا بعشق ومحبة أهل البيت عليهم السلام، وكانت ولا تزال السمة البارزة فيه، فوحدا في قبيلة كتامة-وهي إحدى أكبر القبائل البربرية في افريقية على الإطلاق-المكان المناسب للبذر، وبناء قاعدة إسلامية تكون نموذجا يحتذي به بقية قبائل البربر. ثم مات الداعيتان ولم يسجل التاريخ سنة موت كلاهما، لكن  الأكيد أنهما قد تركا وراءهما تلامذة ومريدين ونسلا يعود نسبه إليهما باعتار أنهما أسسا أسرا عند استقرارهما بمنطقة كتامة المغربية.

والى الآن بقيت أسر في مختلف الشمال الإفريقي تحمل ألقابا تفيد بانتسابها إلى أهل البيت عليهم السلام والى شيعتهم وأوليائهم.مثل الموسوي والكاظمي والحسني والعلوي والشريف وغيرها ...

أثناء فترة الحكم الأموي لم يكن هناك تعدد مذهبي، فعامة المسلمين متمسكون بالإسلام الذي أخذوه من مصادره الصحيحة، والتي لا تزال تعيش بينهم، وهم أئمة أهل البيت عليهم السلام، رغم محاولات التحريف التي مارسها الحكام الأمويون، بفرض بدائل عن مرجعية أئمة أهل البيت عليهم السلام، فجاءت فكرتهم الخبيثة في إحلال جميع الصحابة مراجع للأمة بدلا عنهم، بما لقفوا لهم من فضائل أكثرها من اختلاقهم.

ومن  أجل إضفاء غطاء شرعي على جرائمهم المتعددة بشان المعارضين، اختلقوا عقيدة تبرأ ساحتهم  الدنيوية، وتنصلهم من الدماء المسلمة التي ولغوا فيها فنشأ الجبر والإرجاء، والتي انبنى أساسها على أن أفعال البشر مخلوقة لله، ولا سلطة لهم على تجنبها، فهم مجبرون على فعلها، هذا من حيث الجبر، أما من حيث الإرجاء، فاعتبروا مرتكب الكبيرة مؤمنا، وإرجاء أمره إلى الله تعالى، وقد ساعد الأمويون على نشرها والتشجيع على إقناع الناس نها، لأنها تخدم أهدافهم وتبرر أفعالهم الإجرامية وتنسبها إلى الله، وبالتالي فلا حرج عليهم من جناياتهم التي اقترفتها أيديهم أمام أهل عصورهم.وإذا إستثنينا فكر الخوارج الذي نشأ في آخر عهد الإمام علي عليه السلام، وقد قدم منهم دعاة إلى افريقية هما عكرمة مولى ابن عباس، وعبد الله بن أباض، وأسسا بذرة المذهب الخارجي، فإنني أعتقد أن الإسلام الذي دخل افريقية كان خليطا من تدين منحرف و تدين صحيح، قد غلب الانحراف على معظمه، لدعم الحكام له وإنفاذ آرائه بين المسلمين بواسطة دعاة جندوهم لخدمة أغراضهم.

ومثلما استغل العباسيون القواعد الشيعية في القضاء على الحكم الأموي، ركب داعية الإسماعيلية أبو عبد الله الشيعي على التأسيس الذي سبقه من دعاة الأئمة الأطهار فوظفه في صالح الدعوة إلى سيده عبيد الله الملقب بالمهدي، فقد وجد البربر كلهم شوق إلى إتباع منهج أهل البيت الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وظهر لهم الفرق بين إسلامهم، وإسلام الأمويين الذي لا يعبر حقيقة عما جاء به النبي صلى الله عليه وآله.

فلم يجد عناء في تأطير الجماهير البربرية الموالية لأهل البيت عليهم السلام، وحشدها في جيش جرار بدأ به مرحلة جديدة في حياة التشيع لأهل البيت عليهم السلام، تمثلت في نشأة كيان كان له أثر بالغ في التاريخ الإسلامي، وبناء دولة عرفت بتشجيع العلم وإطلاق الحريات، كان قادتها يرون أن دورهم يجب ألاّ ينحصر في افريقية فقط، لذلك اتجهت نيتهم إلى نقل عاصمتهم ومقر حكمهم إلى مدينة القاهرة التي تأسست ليكون لها دور كبير في مقابل العاصمة العباسية في العراق.

 

المراجع:

1- البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب لابن عذارى المراكشي ج1ص9

2- السيرة النبوية لأحمد زيني دحلان ج2ص262/263

3- فتوح البلدان للبلاذري ص 225

4- البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب لابن عذارى المراكشي ج1ص29

5- المقدمة لابن خلدون

6-  المقدمة لابن خلدون الفصل التاسع والعشرون.

7- المقدمة الفصل التاسع والعشرون

8- المقدمة-الفصل السابع والعشرون.

9- دلائل الإمامة للطبري ص100/101

10- دلائل الإمامة للطبري ص148/149

11- اتعاظ الحنفا للمقريزي ج1 باب ابتداء الدولة العلوية.

یستمر...

 

کاتب: محمد الرصافي المقداد، تونس- 24 ذي الحجة 1428

مصدر: مرکز الابحاث العقائدیه/ http://www.aqaed.net