الإسلام وتشكيل الهويَّات في إفريقيا(2)

  • رقم الخبر 2577
  • المصدر: قراءات إفريقية

المخلص من الإمكان أن نجزم هنا بلا تردُّد، بالقول باستحالة وجود مظهرٍ من مظاهر هويَّة الأفراد أو المجموعات المسلمة في إفريقيا (في الدِّين، والتَّاريخ، واللُّغة، والثَّقافة) غير متأثِّرٍ بالإسلام.


خامساً: تأثُّر المجموعات المسلمة بالإسلام في قيمها الأخلاقية والثقافية:

من الإمكان أن نجزم هنا بلا تردُّد، بالقول باستحالة وجود مظهرٍ من مظاهر هويَّة الأفراد أو المجموعات المسلمة في إفريقيا (في الدِّين، والتَّاريخ، واللُّغة، والثَّقافة) غير متأثِّرٍ بالإسلام، ولعلَّ استقصاء الأثر الإسلاميِّ في مظهَرَين ثقافيَّين لدى الفولبي من جانب (مفهوم البولاكو)، ولدى الهوسا من جانبٍ آخر (مفهوم الرَّجل الصَّالح)، يوضِّح مدى تأثُّر المجموعات المسلمة العميق بالإسلام في ثقافتها، ورؤيتها للعالَم، ومدى تشكُّل هويَّتها الإسلاميَّة بناءً على تلك الرُّؤية الخاصَّة.

((1 الفولاني ومفهوم البولاكو (Pulaaku):

مفهوم البولاكو لدى قبائل الفولْبي / الفولاني(25)، مفهومٌ اجتماعيٌّ معقَّد، أثار اهتمام علماء السُّلالات، والعلماء الاجتماعيِّين، و (بُولاكو): مصدرٌ من اسم الفولاني (بُولا + كو)، وهو مثل المصدر الصِّناعي: (إنسان + يَّة)، عرَّفه Kirk- Greene باختصار بأنَّه: «طريقة حياة الفولانيِّين» (the Fulani way)، وترى VerEecke أنَّه مفهومٌ محمَّلٌ بمعانٍ متشابكة، ولكنَّه في مجمله يعني «رؤية العالم» لدى الفولانيِّين، وظيفته تشكيل قالب للقيَم الاجتماعيَّة المثاليَّة(26)، وذهب الباحث Ogawa إلى أنَّ هذا المفهوم ليس – ببساطة - نظاماً قيميّاً في حدِّ ذاته، وإنَّما هو نظامٌ من الرُّموز التي تشكَّلت في علاقة مغايرة مع «الآخر» غير الفولاني، وبتعبير VerEecke أنَّ البولاكو هو «الحدود المميِّزة بين الفولبي وغير الفولبي»، فمفهوم البولاكو إذن: هو مجموعةٌ من القيَم الإنسانيَّة النَّبيلة التي يؤمن بها الفولاني، ويتَّخذونها أسلوباً في الحياة يميِّزهم – في اعتقادهم - عمَّن دونهم.

ونظراً لتعدُّد مواطن الفولانيِّين على امتداد إفريقيا جنوب الصَّحراء الكبرى، وتبايُن نظرات الباحثين حول هذا المفهوم، فقد لجأ الباحث Stenning إلى تحديد أربعة مقوِّمات أساسيَّة لمفهوم البولاكو(27):

أولاها: لغة الفُلفُلدي أي لغة الفولاني.

وثانيتها: التَّواضع والتَّوسُّط (seemteende).

وثالثتها: الصَّبر والتَّحمُّل (munyal).

ورابعتها الأخيرة: الحكمة والتَّعقُّل (hakkiilo).

فهذه القيم، وإن كانت عالميَّة إنسانيَّة، فإنَّ الفولاني يعدُّونها من خصوصيَّاتهم، ومن المحدِّدات الجوهريَّة لهويَّتهم، تؤثِّر في طريقة تفكيرهم وتصرُّفهم ورؤيتهم الكليَّة للعالَم.

أمَّا عن علاقة البولاكو بالإسلام؛ فتظهر – أوَّلَ ما تظهر - في كون القِيَم المذكورة من صميم القيم الإسلاميَّة، ومن مستلزمات الشَّخصيَّة المسلمة الحق، وتظهر – ثانياً - في مفهوم «جُولْدي» (juulde) الذي يعني حرفيّاً: الصَّلاة، ويُشار به لدى الفولبي إلى التَّديُّن، وهو مقوِّمٌ ضروريٌّ لمفهوم الإنسان المثاليِّ بين الفولبي.

وأمَّا عن أثر الإسلام ودوره في تهذيب مفهوم البولاكو، خصوصاً في نبذ المحدِّدات الحسِّيَّة الظَّاهرة التي يزعم الفولاني أنَّها مقوِّماتٌ لهويَّتهم (مثل الأزياء، والمظاهر الثَّقافيَّة والاجتماعيَّة البحتة)، فقد أوضحه الباحث أوغاوَا بقوله إنَّه: «كلَّما توغَّلت الفولاني في الإسلام فإنَّهم يزدادون بُعداً عن التَّثبُّث برؤية البولاكو، وأنَّهم يحدِّدون هويَّتهم بوصفهم جزءاً من الأمَّة الإسلاميَّة الكبرى»(28)، وإلى مثل هذا توصَّلت الباحثة (VerEcke) في دراستها عن فولاني منطقة أدَماوَا بالكاميرون، فصرَّحت أنَّ الإسلام قد غدا باطِّرادٍ أهمَّ مرجعيَّة أخلاقيَّة ومحدِّداً إثنيّاً (ethnic marker) لدى أولئك؛ أكثر من فكر البولاكو.

وليست هذه الحالة خاصَّةً بالفولاني ذوي الانتماء الإسلاميِّ العريق فحسب، وإنَّما هي موجودةٌ بين فولانيِّين ذوي انتماءٍ إسلاميٍّ أقلَّ نسبيّاً، وتلك حال فولاني (mbororo) الرَّعويَّة كما يؤكِّدها الباحث بورْنْهام بقوله: إنَّ الفولاني في تلك المنطقة تَعُدُّ (diina) (أي الإسلام)، مكوِّناً ضروريّاً لمفهوم البولاكو(29). وذهب الباحث فرانْز إلى أبعدَ من ذلك بقوله: «إذا استمرَّت الثَّقافة الإسلاميَّة العربيَّة القويَّة في الانتشار؛ فإنَّ الخصائص المميِّزة، والفكر المسمَّى الآن ببولاكو، في طريقها إلى الاندثار والاختفاء؛ لتتشكَّل من جديدٍ في ظلِّ هويَّةٍ إسلاميَّة عالميَّة أكثر توسُّعاً»(30)، عليه؛ فإنَّ العلاقة حميميَّةٌ عضويَّة بين الإسلام وبين مفهوم «رؤية العالَم» عند الفولانيِّ؛ حيث لا وجه للبحث عن هويَّة فولانيَّة خارج الدَّائرة الإسلاميَّة.

(2) مفهوم «الإنسان الصَّالح» في مجتمع الهوسا:

يُعدُّ مفهوم (mutumin kirki) أي: الإنسان الصَّالح، تجليةً للأثر الإسلاميِّ في الرُّؤية الاجتماعيَّة لدى الهوسا، وفي نظرتها إلى الإنسان المثاليِّ المجسِّد لهويَّة الهوسا، وتلك حقيقةٌ أكَّدها الباحث الاجتماعيُّ البروفيسور جريني (Kirk- Greene) - رائد الأبحاث في هذا المجال - بقوله:

the good man in Hausa society today is almost by definition, the good man in Islam

«إنَّ الإنسان الصَّالح في المجتمع الهوساويِّ اليوم يماثلُ تقريباً – من حيث التَّعريف - الإنسانَ الصَّالح في الإسلام»(31).

أمَّا مواصفات هذا الإنسان الصَّالح، فقد حدَّدها جريني انطلاقاً من مجموعةٍ كبيرةٍ من النُّصوص الشَّعبيَّة الأدبيَّة والتَّاريخيَّة والدِّراسات الاجتماعيَّة؛ فوضع مجموعة من القيَم الأخلاقيَّة بوصفها صفاتٍ للرَّجل الصَّالح، وهي:

- الصِّدق والأمانة (gaskiya, amana): وتمثِّل هذه القيمة البنية التَّحتيَّة لكلِّ تصرُّف اجتماعيٍّ بين الهوسا، كما أنَّ نقيضها «خيانة الأمانة» (cin amana) لَمنْ أكبر الانتهاكات الأخلاقيَّة في المجتمع الهوساويِّ.

- الكرَم والسَّخاء (karamci): أرجع جريني اعتداد الهوسا الشَّديد بقيمة الكرَم والسَّخاء إلى طبيعة النَّشاط الاجتماعيِّ لدى الهوسا؛ القائم على الزِّراعة والتِّجارة، فالمخاطرة في هذين النَّشاطَين عالية بفعل الكساد المباغت، أو الحصاد الرَّديء، وفترات الجفاف المفاجئة، وغير ذلك من الظُّروف الطَّارئة التي قد تقلب حياة الإنسان رأساً على عقبٍ بين ليلةٍ وضحاها؛ فلا بدَّ – في مثل هذا الظَّرف - من مواساةٍ حقيقيَّة بين أفراد المجتمع. أشار جريني هنا إلى أنَّ هذه القيمة قد ذهبتْ بالهوسا كلَّ مذهبٍ، حتى إنَّ مفهوم السَّخاء والإنسان الكريم (mai- haira) ليستْ له حدودٌ ضابطةٌ واضحة لديهم، وهو إلى الإفراط أقربُ منه إلى التَّوسُّط.

- الصَّبر والأناة (hakuri): بيَّن جريني أنَّ كثيراً من عادات الهوسا ولغتها تكشف عن مكانة هذه القيمة الأخلاقيَّة بين الهوسا، فعبارة التَّحيَّة والمجاملة اليوميَّة المعتادة تقول: (ina hakuri?) أي: كيف صَبرُك (مع الحياة)؟ كيف حالك؟ ويقولون في الاعتذار إلى السَّائل المتسوِّل: (Allah ya ba hakuri) أي: ألْهَمَك الله الصَّبر، أو: الله يعْطيك!

- التَّعقُّل أو الفطنة والذَّكاء (hankali): الإنسان العاقل – كما يُعرِّفه جريني حسب الرُّؤية الهوساويَّة - هو الذي يقوم بالتَّصرُّف أو بالقول المناسب في الظَّرف المناسب، ونقيضه الإنسان الجاهل.

- الحياء أو الشُّعور بالعار (kunya): إنَّ ما يُميِّز هذه القيمة لدى الهوسا هو صبغتُها الجمعيَّة، فالعار في نظر الهوسا لا يلحقُ بالمسؤول الأوَّل عنه، وإنَّما يتغلغل ويستشري في شبكةٍ معقَّدةٍ تعقُّد النَّسيج الاجتماعيِّ الهوساويِّ نفسه، وكما هو يمتدُّ في شكلٍ أفقيٍّ، فإنَّه يمتدُّ هكذا في شكلٍ عموديٍّ في الزَّمان، فيتجاوز فاعلَه إلى عقِبه؛ لذلك فإنَّ هذه القيمة تُجبر الفرد / الجماعة على الالتزام بالحدود الخُلقيَّة المتعارف عليها بين الهوسا، وإن كان ذلك يتعارض مع قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء : 15].

- المعاملة وحسن الخُلُق (mutunci): وهي من محدِّدات الإنسان الصَّالح التي تتأكَّد أكثرَ في علاقة الأعلى بالأدنى، ويُعبِّر الهوسا عن جرح المشاعر، وانتهاك كرامة الفرد بــ «أكل كرامته»، وهو تعبيرٌ يوازي أكل لحمه حسِّيّاً.

- العدل والحكمة (adalci, hikima): بيَّن جريني أنَّ قيمة العدل هي التي تختزل بقيَّة القيَم في حُكم الهوسا على الإنسان بالصَّلاح، والعدل هنا يعني أنْ يُوطِّن الإنسانُ نفسه لفعل ما يُمليه «الواجب» عليه مهما كانت الظُّروف والموانع.

تلك جملة القيم الأخلاقيَّة التي يراها الهوسا لازمةً للإنسان الصَّالح مهما كان مركزُه الاجتماعيُّ، رئيساً أو مرؤوساً، غنيّاً أو فقيراً، ومن الجليِّ في هذا المقام مطابقة تلك القيَم الأخلاقيَّة لما جاء به الإسلامُ، ولئنْ أكَّد جريني أنَّ هذه القِيَم بين الهوسا سابقةٌ على الحضور الإسلاميِّ، فإنَّه قد أكَّد في مواضع عدَّة أنَّ الإسلام مُعزِّز قويٌّ لتلك القيَم، وقد ظهر ذلك أوَّلاً في الاقتراض اللُّغويِّ المقتضب من اللُّغة العربيَّة (لغة الإسلام) للتَّعبير عن القيَم المذكورة، وهو اقتراضٌ ليس جزافاً، وإنَّما هو اقتراضٌ واعٍ تحملُ فيه المفردة ثِقَلَها الدِّيني معه.

كذلك، يظهر الأثرُ الإسلاميُّ بجلاءٍ في التَّحوُّل الدِّلاليِّ الذي طرأ على عددٍ من تلك القِيَم؛ من دلالتها التَّقليديَّة الضَّيِّقة المحدودة، إلى دلالتها الإسلاميَّة الموسَّعة العميقة، فالعدل (adalci) مثالاً، أصبح يعني: مخافة الله؛ لذلك فإنَّ من أهمِّ مواصفات الزَّعيم الأمثل بين الهوسا: العبادة والإيمان.

والخلاصة في هذا الجانب: أنَّ ما يزعُمُه كلٌّ من الفولاني والهوسا بوصفه مقوِّماً ضروريّاً من مقوِّمات هويَّتهم، ما هو – في الحقيقة - إلاَّ مقوِّمات ضروريَّة لهويَّة المسلم تحت أيِّ سماءٍ؛ لذلك فإنَّ كلتا الجماعَتَين قد اقترضتْ – بوعيٍ أو بغير وعي - معظم المفردات العربيَّة ذات الثِّقل الإسلاميِّ للإشارة إلى ما تزعُمانه خصوصيَّات لهما.

سادساً: نشوء هويَّة إسلاميَّة شبه إثنيَّة:

وإذا كان الإسلام قد أثَّر تأثيراً واضحاً في جملةٍ من القبائل، فأعادت هَيْكلة هويَّاتها وقَولَبتها، فإنَّه قد كان السَّبب المباشر في ظهور عددٍ من المجموعات «شبه الإثنيَّة» التي تكوَّنت في رَحِمٍ إسلاميٍّ صِرْف، من ذلك الجاخانْخي (Jakhanke) والطُّرودْبي (Torodbe) اللَّتان ظهرتا بفعل حركة التَّعليم الإسلاميِّ والدَّعوة بإفريقيا.

الطُّرودبي (Torodbe) ونشوء هويَّة إسلاميَّة شبه إثنيَّة:

يُعدُّ الطرودبي نموذجاً بامتيازٍ في بيان الأثر الإسلاميِّ في تشكيل الهويَّات بإفريقيا؛ إذ قد تكوَّنت هذه الشَّريحة تكويناً إسلاميّاً صرفاً من بقايا العبيد المحرَّرين والآبقين؛ ممَّن كانوا يعيشون تحت وطأة الظُّلم والاستغلال من لَدُن طبقة المحاربين ببلاد السُّودان، وفي ظلِّ هذا الوضع من القهر كان الإسلامُ وحدَهُ هو العنصر الجامع بين الطُّرودبي، حيث وجدوا فيه متنفَّساً وملاذاً آمناً للخلاص من هذا الوضع.

ولا أدلَّ على ما سبق من دلالة التَّسمية؛ إذ الفعل (torade) بلغة الفولْبِي يعني: سأل. و (طُرُودو، مفرد: طرودبي): يدلُّ على التَّضرُّع والمسألة أو التَّسوُّل، وفي ذلك إشارةٌ إلى مجموعات طورودبي التي تكوَّنت جراء الحركة العلمية والدعوية الإسلاميَّة التي قامت في بلاد السودان الغربي، وكان الطلبة يتجمَّعون في المحاضر العلمية والدَّارات الصُّوفية حول المشايخ لتلقِّي العلم، والقيام بالمهام الدَّعوية والأعمال الحرفيَّة التي كانت تنتظم حياة أولئك، وكانوا يتميَّزون بحياة التقشُّف.

ومن طرق التَّربية لديهم أن الطَّلبة كانوا يتجوَّلون في القرى ويتسوَّلون، ويُطلق عَلَيْهِمْ «طُورودُو» بالفلفُلديَّة لغة الفولاني، أو «طُرونْكاوَا» بالهوسا: أي متسوِّلون، صار هذا الوصف لقباً لهم، وعُرفوا في الأدبيَّات الإسلاميَّة في غرب إفريقيا بــ «الطُّروديَّة»، أو «طورودْبي»، وهذا الوصف في الواقع ليس اسماً لقبيلة معيَّنة، وإن كان الغالب إطلاقه على الفولاني، وعلى عشائر علميَّة دَعويَّة معيَّنة؛ منها: عشائر باري المنتسبة للشيخ أحمدو، وعشائر تالْ المنتسبة للشيخ عمر تالْ، وعشائر سِي المنتسبة للشيخ مالك سي(32).

من الخصائص المميَّزة للطُّرودْبي:

- لا أصلَ قبَليّاً يجمعهُم: وإنَّما هم خليطٌ من شتات القبائل التي خضعت للعبوديَّة من الكُونْتا، والفولْبي والجاخانْخي، والماندينغ، والهوسا، والسَّراخوليهْ، والولوفْ، والسِّيريرْ، وليبُو في منطقة ما حول نهر السِّنغال، أو ما يُعرف الآن بسنيغامبيا.

- التَّحدُّث بالفُلفُلدي (لغة الفولاني): ومعرفة القراءة والكتابة بالعربيَّة للحاذقين منهم، فكانت الفُلفُلديَّة اللُّغة المشتركة بينهم، والعربيَّة لغة الخاصَّة في المكاتبات، أو غيرها.

- الانقطاع لطلب العلم والدَّعوة والتِّجارة في مجموعاتٍ متنقِّلة: ونبذ الحِرَف والأعمال التي كانت تعدُّ منحطَّة في مجتمع فوتا- تور كالصَّيد البحريِّ (somono)، والطِّب الشَّعبيِّ (sulbalbe)، والحدادة (bailo)، وغيرها من الحِرَف اليدويَّة.

وعلى حدِّ تعبير جونْ رالْف؛ فإنَّ «مهنة الإسلام» (craft of Islam)، أي العلمُ والدَّعوة، هي التي ضمنت للطُّرودْبي التَّماسُك والتَّضامُن، ومن ثمَّ التَّحوُّل من حالة دونيَّة إلى حالة قوَّة وتميُّز اجتماعيٍّ؛ فوصف العلم – آنذاك في القرن السَّابع عَشَر الميلاديِّ - أقصرَ وسيلةٍ للتَّرقِّي إلى قمَّة السُّلَّم الاجتماعيِّ في بلاد السُّودان، بل إنَّ الطُّرودْبي وصلتْ إلى سُدَّة الحُكم بتأسيس خلافة إسلاميَّة عُرفَتْ باسم «دولة الأئمَّة» (almamy)؛ حيث كان زعماؤها مشايخ علماء أئمَّة.

بهذا الصَّدد؛ يقول المؤرِّخ جونْ رالفْ: «لقد دخل الطُّروديُّون في تواريخ بلاد السُّودان الإسلاميَّة، دخولاً صاخباً بثورة الإمام مالك سي (Malick Sy)، تلك التي تُوِّجت بتأسيس جماعة سيسيبِيهْ (sissibe) في بُونْدو (حوالي 1690م)»(33)، وعُدَّتْ أوَّلَ نموذجٍ إسلاميٍّ ناجحٍ للحُكم والإدارة ببلاد السُّودان الغربيِّ(34).

ويمكن تحديد الإنجازات الأوَّليَّة للطورودْبي قبل تأسيسهم للخلافة الإسلاميَّة بفوتا تورو، بعدَّة إنجازاتٍ، هي:

- كسر الفوارق القَبَليَّة في مجتمع فوتا- توُرو: بتحويل الانتماء من حيْز الدَّم والنَّسب إلى حَيْزٍ إسلاميٍّ صِرف؛ حيثُ الولاءُ للعقيدة الإسلاميَّة، وللشُّعور بالرَّغبة في الانعتاق من العبوديَّة لا غير، ومن دلائل ذلك أنَّ الجماعة الأولى التي هاجرتْ مع المؤسِّس الإمام مالك سي إلى بوندو كانت تحت إمرة ثلاثة قُوَّاد، هم: تامْبي كانْتيه (حدَّاد)، وسيفي لايَا (قَوَّال griot)، وكيري كافُو (عبدٌ مملوك)(35).

- الارتفاع بقبائل (Futube) وقبائل (Guirobe): وهي من الفولْبي البدائيِّين، من حالة البدائيَّة والعيش في الكهوف والغابات إلى قبائل زراعيَّة مستقرَّة بعد إسلامها.

- إيقاظُ روح التَّحرُّر والتَّضامُن من أجل تحقيق الحريَّة للجميع: فحين ظهر أمرُ الإمام مالك سي، وهاجر إلى بُونْدو، توافَدتْ عليه أعدادٌ كبيرةٌ من القبائل والأفراد دون قَيد أو شرطٍ اللَّهُمَّ إلاَّ الإسلام، وقد كان بعضُ الأسياد – فيما بعدُ - يلتحقون به فيشترون العبيد ويُحرِّرونهم، وكانت روح التَّضامُن عاليَةً بين الطَّلبة الطُّروديِّين وبين مشايخهم، وبين أفراد الجماعة ككلٍّ؛ فنشطت المصاهراتُ بينهم دون اعتدادٍ بالقيود القَبَليَّة والتَّمايُزات الاجتماعيَّة السَّابقة، وهكذا «غدتْ مدينة بُونْدو ملاذاً آمناً لكلِّ من كان راغباً من أهالي منطقة مالي والسَّنغال في الانخراط في هويَّة ذات بُعدٍ دينيٍّ»(36).

وبعد؛ فإنَّ علاقة الطُّرودبي الحقيقيَّة بما نحن بصدده من مناقشة للأثر الإسلاميِّ في تشكيل هويَّات الأفراد والجماعات تكمنُ في تميُّز الطُّروديِّين تميُّزاً جعلهم أشبه بإثنيَّة من الإثنيَّات الحقيقيَّة ببلاد غرب إفريقيا، وغدا من المألوف أن ينتسب بعض النَّاس إلى الطُّرودْبي باعتباره إثنيَّة لهم، والحقيقة أنَّها ليست كذلك، وإنَّما هي – بتعبير بعض الباحثين - إثنيَّة «شبه فولْبي».

 

ملاحظات ختاميَّة:

لعلَّ قراءة ما تمَّ عرضُه في الفقرات السَّابقة من لقطاتٍ مُبتسرة؛ تُفضي بنا إلى رؤية واضحة عن أثر الإسلام الدِّيناميِّ في تشكيل هويَّات الشُّعوب المسلمة بإفريقيا، وتطويرها باستمرار كلَّما أوغَلَ أولئك في الدِّين الإسلاميِّ، وقد أفضى هذا التَّوغُّل ببعض القبائل – مثل المادينغ والفولْبي والهوسا - إلى التَّماهي في الإسلام، وتشابُك الخيوط المكوِّنة لهويَّتها في النَّسيج الإسلاميِّ لدرجة صعوبة الفصل بين ما هو إسلاميٌّ وبين ما هو غير إسلاميٍّ من مقوِّمات هويَّات تلك القبائل.

هذا - على الأقلِّ - في نظرة تلك القبائل المسلمة إلى أنفسها بوصفها مسلمة جملةً وتفصيلاً، وفي نظرة الآخرين إليها بهذا المنظار أيضاً، ومعلومٌ أنَّ نظرة «الآخر» هي الوجه الآخر للعملة في تحديد الهويَّة، ويتجلَّى هذا الرأي – مثلاً - في مناقشات الباحثين لمفهوم إثنيَّة الهوسا.. وموطن الخلاف: تُرى أتُعدُّ الهوسا إثنيَّة عرقيَّة أو لا؟ وفي ذلك ذهب الباحث بادينْ إلى ردِّ القول بوجود إثنيَّة للهوسا بالمعنى العلمي لهذا المصلطح، وحُجَّتُه أنَّ ما كان يُعرف بهذا المفهوم قد أصبح غير واقعيٍّ؛ إذ قد غدا «الهوسا» منذ عهدٍ بعيدٍ انتماءً أكثر منه عرقاً ونسباً، «فبالرَّغبة يمكن للفرد أن يتحدَّث لغة الهوسا، وأن يُسلم، ثم يدَّعي أنَّه هوسا»، وبمثل هذا الرَّأي صرَّح المؤرِّخ هيسكتْ مؤكِّداً أنَّ الأعراق المختلفة التي تتألَّف منها الهوسا، لا يجمعها إلا «اللُّغة والانتماء إلى الإسلام»(37).

هذا، وممَّا يُستطرف الإشارة إليه هنا أنَّ أسماء قبائلَ، مثل: المادينغ / جُولا، والفولبي، والهوسا، والولوف.. القبائل المتوغِّلة في الإسلام، قد أصبحت مرادفاً للإسلام، فإذا أسلم بعض الأفراد – مثلاً - من قبائل غْبينْ (gbin) أو سينوفو (Senoufo) شماليَّ ساحل العاج؛ قيل عنه إنَّه «أصبح جولا» (a kera jula ye)(38)، وفي نيجيريا يُقال للمسلمين الجُدد من اليُوربا والإيبو (ya zama bahaushe) أي: أصبح هوساويّاً.

ومعلوم أنَّ تلك الظَّاهرة عامَّةٌ على امتداد رقعة الإسلام في إفريقيا وفي آسيا، ففي الصِّين، حتى في أواسط القرن الماضي (1950م) كان يُطلق على الإسلام (hui- jiao) أي دين قوميَّة هُوِي (Hui)، ويُطلَق على كلِّ مَن يُسلم (Huijiao tu) أي إنسان من الهوي بصرف النَّظر عن أصله(39)، كذلك كان يُقال في الملايويَّة الدَّارجة لمن أسلم (masuk melayu) أي: دخل الملايويَّة(40).

ومهما يكن من تحفُّظٍ على هذه الظَّاهرة؛ فإنَّ ما يثير انتباهنا فيها دلالتُها على قوَّة الأثر الإسلامي في هويَّة الذين يُختزَل الإسلام فيهم، ويترادف اسمُهم باسم الإسلام.

هنا – خصوصاً - تدحضُ مزاعمُ بعض الباحثين الذين ذهبوا إلى أنَّ الهويَّة الإسلاميَّة بإفريقيا تتحدَّدُ بمقابل ثلاثة أبعادٍ متوازية هي: إفريقيا غير المسلمة، والعالم العربيُّ، والحضارة الغربيَّة(41)، بمعنى أنَّ هويَّة المسلم الإفريقي تتجلَّى باختلافها عمَّا ذُكر من التَّقسيمات الثَّلاثة السَّابقة، وتلك معادلة مغلوطةٌ فاسدةٌ؛ لوجود محدِّد «العالم العربيِّ» فيها، فعلى أقلِّ تقدير، لا يمكنُ الخوضُ في البحث عن هويَّة إسلاميَّة بإفريقيا في معزلٍ عن العالَم العربيِّ. وبتعبير آخر: لا يمكنُ تحديدُ هويَّة المسلم الإفريقي إلاَّ بإضافتها إلى العالَم العربيِّ؛ للعلاقة العضويَّة المعروفة بين هذه المتغيِّرات.

وحرصاً على أن يكون لما تقدَّم ذكرُه حظٌّ من الواقعيَّة؛ فلا بدَّ من التَّأكيد على ضرورة توظيف هذه العلاقة العضويَّة بين الإسلام وهويَّات مسلمي إفريقيا؛ في سبيل توطيد الرَّوابط البينيَّة بينهم وبين العرب من جانبٍ، وبينهم وبين الشُّعوب المسلمة، توظيفاً يُستَثمَر ويُستغلُّ في دعم القضايا المشتركة، وتعبئة القوى، وانتزاع الحقوق التي لم تعُد تُمنح إلاَّ في ظلِّ التَّكتُّلات والتَّلاحُمات الكبرى.

تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ القوى المناوئة للإسلام قد سبقت إلى محاولة فَصْم عُرى الإخاء والتَّضامُن، وتقارُب الهويَّات بين الشُّعوب المسلمة؛ فعمدت إلى سياسة التَّجزيء والتَّقسيم، فظهرت من لدُنهم مسمَّيات من مثل: «إفريقيا العَرَبيَّة»، أو «إفريقيا شمال الصَّحراء»، وغيرها(42).

ومن مصطلحاتهم الرَّائجة مصطلح (l’Islame noire)، أي «الإسلام الأسوَد»، ظهر على أيدي العلماء الفرنسيِّين المستعمرين من علماء الأعراق والسلالات (Ethnologistes) أمثال: كلوزيل (Klozel)، وبونتي (W. Ponty)، وألفونس غويي (A. Gouilly)، وقد أطلقوا هذا المصطلح بمقابل (l’Islame Maghrébine / Arabe)، أي «الإسلام المغربي / العربيِّ»، ومضمونه أنَّ الإسلام في إفريقيا يختلف (أو ينبغي أن يختلف) عمَّا هو عليه في بلاد العرب.

وقد توَّج أولئك تلك الدَّعوات بالتَّحذير من التَّقارُب الإفريقي- العربي، وأفاض المبعوث الفرنسي إلى بلاد السُّودان الغربيِّ آنذاك ويليام بونتي في التَّحذير ممَّا أسماه «التَّأثير المغربي» (influence maghrebine) في إفريقيا الغربيَّة (الفرنسيَّة).

وقد أكَّد الحاكمُ الفرنسيُّ لويس. ف (L. Faidherbe) في بلاد السُّودان الغربي على هذه الرَّغبة الاستعماريَّة في إحداث القطيعة بين بلاد المغرب وبين شعوب إفريقيا المسلمة في خطاب له أمام دفعة من طلبة المستعمرات الفرنسيَّة (عام 1860م)، قال: «يا شعبَ السِّنغال، إنَّ معظمكم قد ورث ديانة العرب عن آبائكم، ونحن لا نعارض ذلك، وإنْ كنَّا نأسفُ له من أجل مصلحتكم أنتم، وعلى الرُّغم من ذلك، فإنَّكم لستُم ملزمين بتاتاً باتِّباع العرَب في عاداتهم وتقاليدهم وفي قِيَمهم، وفي جهالاتهم، فلا تذهبوا عند المُورْ (!) بحثاً عن مُثُلكم ونماذجكم الفكريَّة، بل تجدونها عندنا، نحن المحبِّين للسَّلام والنِّظام»(43)!!

بناءً على هذه الرُّؤية الإمبرياليَّة؛ فإنَّ فرنسا، وسائر المستعمرين، قد خاضُوا صراعاتٍ وحروباً طاحنة في إفريقيا وغيرها من أجل فرض تلك «المُثُل والنَّماذج» - التي ذكرها الحاكمُ فيديرب - على الشُّعوب المسلمة.

ولعلَّ أمضى سلاحٍ بأيدينا اليوم هو العمل الدَّؤوب في تعزيز علاقة الشُّعوب المسلمة بدينها، وردم الخنادق التي أحدثتها مشروعات التَّضليل لتشويه الصُّوَر بينهم وبين إخوانهم تحت كلِّ سماء؛ تحقيقاً لروح آية التَّعارف المذكورة في صدر هذا المقال.

 

الاحالات والهوامش:

(24) تذكر المصادر التاريخيَّة أن هذا العالِم، لدى عودته من الحج، حمل معه تراباً من المدينة المنورة، ونثره في أرجاء هذه المدينة، ثم أطلق عليها هذا الاسم، انظر:

 Gouilly, Alphonse. L`Islam en Afrique Occidentale Française, p 209.

(25) الفولبي (مفرده: بولا / فولا)، وهي التسمية التي تطلقها الفولاني على نفسها، و (فلفلدي) على لغتها، ويطلق عليهم الهوسا (فولاني)، وقبائل الكانوري تسمّيهم (فلاتة).

)[26] (Oppong, Yaa, P.A. Moving Through and passing on: Fulani mobility, survival, and identity in Ghana, (Transaction Publishers, 2002), p 36.

(27) حدَّد الباحث دوبير مقومات البولاكو مثلاً، فأضاف إلى القيم المذكورة أعلاه: (cuusal) أي الشجاعة، وهذا بين الفولاني الرُّعاة الرُّحل. وزادت الباحثة VerEecke بالإضافة إلى القيم المذكورة قيمة (ndimaaku) أي الحرية، و (endam) الكرم، و (caahu) الطيبة، و (ngaynaaku) أي رعي البقر.

(28) Ogawa, 1993, p 119.

(29) Victor Azarya, Pastoralists under pressure? Fulbe societies confronting change in  West Africa, (BRILL, 1999), p 9.

(30) Moving through and passing on, p 37.

(31) Emmanuel Chukwudi Eze, African Philosophy: an Anthology, (Wiley- Blackwell,  1998), p 127.

(32) Willis, John Ralph, Studies in West African Islamic History, (Routledge, 1979), p 21.

(33) Ibid, p 26.

(34) يذهب بعض الباحثين إلى اعتبار إمبراطوريَّة صونغاي أوَّل حكم إسلاميٍّ نموذجي في بلاد السُّودان، لكنَّ الفرق بين صونغاي وبين خلافة الإماميَّة يكمن في العُمق، ونضج الخبرة، وكان الحكم الإسلاميِّ في صونغاي جزئيّاً مؤقَّتاً، تحدَّد بفترة حكم الأساكي في العهد الأخير من عمر الإمبراطوريَّة.

(35) Tambe Kante, Sevi Laya, and Keri Kafo.

(36) Willis, John Ralph, Op. Cit, p 26.

(37) Douglas Anthony. “Islam does not belong to them: Ethnic and Religious Identity among Male Igbo.

 Converts in Hausaland”,  Journal of International Institute, vol. 70, No.3 (2000), p 425.

(38) Conrad, David, Status and Identity in West Africa: Nyamakalaw of Mande, (Indiana University Press, 1995), p 156.

(39) Dru C, Gladney, Muslim Chinese: ethnic Nationalism in the People’s Republic, (Harvard University Asia Center, 1996), p 97.

(40) Bayly, Allan Christopher, Forgotten Wars: Fredom and Revolution in Southeast Asia,  (Harvard University Press, 2007), p 366.

(41) Encyclopedia Universalis: Islam Histoire le Monde Musulman Contemporain. www.universalis.fr/ accessed on 31/07/2011.

(42) كان الباحثون الألمان أول المعترضين على تلك الإطلاقات، ومن أوائلهم الباحث يان هاينز Jan Janheinz الذي أكَّد أنَّ الصحراء الكبرى التي تُعدُّ محكاًّ لتقسيم القارة إلى جزأين منفصلَين جغرافيّاً وثقافيّاً، لم تكن فاصلاً بمعناه العلمي، فتضاريس الصحراء – مثلاً - لم تكن عائقاً أمام قوافل السفر والترحال عبرها؛ لهذا توالت الهجرات، وقوافل التجارة، والتَّبادلات الثقافيَّة بين حواضر الشمال والجنوب وممالكهما على امتداد القرون السَّابقة للتَّغلغل الاستعماري في القارة.

(43) Jean de la Gueriviere, "Les multiples visages de l'Islam noir", Geopolitique Africaine, No 5, (2002).

 

 بقلم د. آدم بمبا