الآثار الدينية والاجتماعية للأزمة في مالي(1)

  • رقم الخبر 2623
  • المصدر: قراءات إفريقية

المخلص إنَّ قيمة الأحداث وأهميَّتها تظهر في العلاقة المتينة التي تربط بينها، وفي الآثار المختلفة التي تخلّفها، ولا يتأتَّى الوقوف على الآثار الإيجابيَّة أو السلبيَّة إلا بمعرفة الأحداث، وفهم أسبابها وأغراض أصحابها.


إنَّ قيمة الأحداث وأهميَّتها تظهر في العلاقة المتينة التي تربط بينها، وفي الآثار المختلفة التي تخلّفها، ولا يتأتَّى الوقوف على الآثار الإيجابيَّة أو السلبيَّة إلا بمعرفة الأحداث، وفهم أسبابها وأغراض أصحابها.

ومن هذا المنطلق؛ عالجت هذا الموضوع في المحاور الآتية: التطوّر التاريخي للأحداث وأسبابها، والآثار الدينية والاجتماعية للأحداث، والحلول المقترحة لمنع تلك الآثار أو تخفيفها، وخاتمة.

 

أولاً: التطوُّر التاريخي للأحداث وأسبابها:

حاز سكّان غرب إفريقيا حظاً وافراً، حيث مَنَّ الله عليهم بوصول الإسلام في وقت مبكّر من نزول الوحي بالدين الخاتم؛ إذ يربط المؤرخون وصول الإسلام إلى السودان الغربي (غانة و تكرور) بحملات عقبة بن نافع الفهري في السنوات الهجرية (21هـ ، 22هـ ، 23هـ)، ولكن الجيش الغاني تصدّى لها دون دخول الإسلام في المنطقة(1).

ولعلّ هذا التاريخ لا يخلو من المبالغة، لكن مع ذلك تؤكّد مصادر التاريخ هجمات الأمويين المتكررة على المنطقة فيما بين سنة 116هـ - 133هـ الموافق 734 – 750م، وذلك بعد أن استتبَّ لهم الأمر في المغرب، وأحكموا السيطرة عليه(2)، وتؤيد بعض الاكتشافات الأثرية هذا الوصول المبكر للإسلام، حيث وُجدت قبور في قرية «كاجِي» الواقعة غرب مدينة «غاو» تُسمّى «قبر الصحابة».

امتاز الإسلام في هذه المنطقة بأنه دين الملوك وعلية القوم؛ إذ هم السابقون إليه، ولذلك استُقبِل المسلمون العرب واللغة العربية بحفاوة، حتى امتزج العرب بالشعوب السودانية، وتلاقحت الثقافات الإفريقية بالثقافة الإسلامية واللغة العربية والتحمت حتى استحال الفصل بينها، فلو جرَّدت اللغات السودانية (سنغاي وبمبارا وفلاتة... إلخ) من الألفاظ العربية المقترضة لافتقرت، ولو مُحِيَت الحضارة والثقافة العربية الإسلامية من تراثها لأصبحت أمة بلا حضارة.

أنشأ المزارعون السود ممالك وإمبراطوريات منظَّمة، ومراكز تجارية متطوّرة، تربط المنطقة بالمغرب ومصر، وأصبحت اللغة العربية لغة الثقافة لدى السودانيين، يتحدّثون بها بطلاقة في المدن وخارجها، ويقرؤون بها القرآن الكريم، ويتداولون من خلالها قطوف من التراث العربي(3).

وعلى سبيل المثال يسمّي الشعب السوداني «كلّ ما هو إسلامي بأنه سوداني: الكتابة العربية، الهلال، والسَّنة»، وشعب سنغاي يُطلق على الشهور العربية والهلال الإسلامي اسم: Koyra Handou ؛ أي الشهر البلدي، والماندنجو يُطلق عليها شهور السود Farafin Kalo(4).

 

الاحتلال الفرنسي الصليبي ومكره بالمنطقة:

استغل المستعمر الفرنسي كلّ الوسائل الممكنة لاجتياح هذه المنطقة الإسلامية، من بعثات تبشيرية فقوّات عسكرية، ولم ينجح في إقناع السود، ولم يقدِر على استمالتهم حتى غادر البلاد كُرها(5).

يُعدُّ أسر الإمام ساموري توري عام 1898م القضاء الحقيقي على الكفاح الشعبي ضدَّ المستعمر؛ حيث أحكم المستعمر الوثاق على الأنظمة التقليدية حتى الاستقلال في 1960م، ولكن لم يجد منفذاً إلى قلوب السكان المسلمين الذين غرس فيهم الدين الإسلامي وحُبّ الحرية والشرف اتجاهاً سلبياً ضدَّ الفرنسيين وكلّ مستعمر، ونظروا إلى كلّ ما كان يأتي من فرنسا بعين الغضب؛ لأنه من مصدر نصراني، ويُسمَّونهم بالمصطلح الإسلامي «النصارى»، ويكرهون مَن والاهم أو تَشبَّه بهم ولو في الملبس، حتى غادرت قواتهم المسلّحة أرض مالي كُرها في يناير 1961م.

على الرغم من هذا الرفض الشعبي للمستعمر الفرنسي فإن النعاس لم يعرف طريقه إلى عيون الفرنسيين، ولم يجد اليأس مَمرًّا إلى قلوبهم، فخطَّطوا لمشروع العودة ببراعة وقدرة فائقة، عن طريق التفريق بين إخوة الدين الواحد، وزرع الفتنة بين أهل البلد الواحد، فقاموا بتقسيم الدولة إلى شمال وجنوب، يتقاتلان ويتناحران.

وقد سَوَّقت فرنسا لهذا المشروع، وأولتْه اهتماماً كبيراً إعلامياً وإدارياً وسياسياً، وأعدَّت له رجالاً يحظون بمكانة اجتماعية محليّة مثل «محمد محمود ولد الشيخ»، الذي يُعدُّ المنظِّر الوطني الحقيقي لدولة (O.R.C.S)، والتي يرى تكوينها من الأقاليم الشماليّة لمالي، ومنطقة دوري ببوركينافاسو، ومنطقة تِيلا بِيرِي بغرب جمهورية النيجر.

وزعم «محمد محمود» أنّ سكان هذه المناطق (سنغاي، فلاتة، طوارق، عرب) يختلفون عن سكان الجنوب (الماندنجو والسونينكي وغيرهم)، من حيثُ الدين والثقافة، متجاهلاً أو متناسياً جهود قبائل الماندنجو في نشر الإسلام، ودور منسا كنكن موسى في النهوض بالإسلام وحضارته في أجزاء من غرب إفريقيا، والفتح الجهادي في مناطق الغابة سيراليون وليبيريا، حتى اشتهر الإسلام عندهم بدين الماندنجو، والقرآن بكتاب ماندنجو.

وقامت الإدارة الاستعمارية قبل المغادرة بإجراء استفتاء في هذا المشروع، وسوّقت له بدعاية واسعة النطاق، لكنها لم تفلح في إقناع الشعوب الأصليين، لا السودانيين ولا الطوارق ولا العرب، ولكن لم يمنعها ذلك من إعداد مشروعها وإجازته في البرلمان الوطني؛ بموجب قانون فرنسي 27- 7- 057 بتاريخ 10 يناير 1957م، ونشرته في الجريدة الوطنية الفرنسية بتاريخ 12 يناير 1957م(6).

 

الألغام الموقوتة:

أخذت الألغام المدفونة الموقوتة تتفجر على إثر الاستقلال بتمرُّدات الطوارق، وبالتحديد في عام 1963م، وتمت تهدئتها بجرعات نارية بأسلوب شيوعي غير حضاري، ثم عادت إلى تفجُّرها عام 1990م بصوت مدوٍّ دَوَّخ الرؤوس وألجم الأفواه وكبّل الأيدي الأقدام، تحت غطاء مطالب المنطقة واحتياجاتها، بعضها مطالب مشروعة ومعقولة، وأخرى خيالية.

لَقِيت هذه الثورة الطارقية في أول الأمر قبولاً شعبياً في كلّ أرجاء البلاد، وقامت بإقناع الشعب في الجنوب والحكومة بأن المناطق الشماليَّة مظلومة ومُهمَلة من قِبل السلطات المركزية، لكن الثورة انحرفت عن خطها، وبدأت تنسج تحركاتها في منوال التعصّب والاعتداء على الأبرياء وانتهاك الحرمات(7)، وهذا ما أثار الغضب الشعبي ضدهم، وأقحم الدولة في حرب تعسّفية أراقت دماء المسلمين بلا جدوى؛ إذ خسروا أنفسهم وأموالهم، فلجأت الحكومة هذه المرَّة إلى تهدئة الأمور بالمفاوضات السلمية، والوعود العرقوبية، تتأرجح فيها المصالح الشخصية للقادة المفاوضين على المصالح العامَّة للمنطقَّة وسكانها.

وقد نجحت سياسة الحكومة المركزية إلى حدٍّ كبير في شَقِّ صفوف الشماليين، وأوجدت فجوة كبيرة بين القبائل، وذلك بتهميش الأغلبية السوداء (سنغاي، فلاتة) وغيرهم، والتحالف مع العرب(8)، والتحالف مع بعض قبائل الطوارق ضد بعضهم الآخر حسبما تقتضي مصلحتها السياسية، حتى هوت بغرب إفريقيا عامة، وجمهورية مالي بخاصة، وشعوب الشمال بالأخص، في آبار من نار لافحة.

 

لعبة الأوراق:

إنَّ هذه الأزمة نتيجة لمسيرة خمسين عاماً أو أكثر، قضاها صُنَّاع الأزمات، وموقدو نار الفتن، ومحترفو لعبة الأوراق السياسية، في تحقيق مآربهم السياسية والاقتصادية، وغيرها.

غادرت فرنسا أرض مالي قهراً، وخرجت من الجزائر تجرّ أذيال الهزيمة والعار، ملوثة بدماء الشهداء والأبرياء، وتحالفت الدولتان المسلمتان، ونصبتا العداء للنظام الاحتلالي النصراني الغاشم، فتظاهر المستعمر بترك الأرض لأهلها ولسان حاله يقول: سأواصل الغزو الفكري والثقافي، وأخطط للعودة في صورة جذّابة تضمن لي الترحاب والقبول.

وقد وصف د. محمود مصطفى أسلوبهم ووسائلهم وصفاً دقيقاً، حيث قال: «والسياسيون الأذكياء لا يحبّون تضييع الوقت في دهاليز المذاهب والفلسفات، ويكتفون بضرب الأشخاص بالأشخاص، والزعامات بالزعامات، والرموز بالرموز»(9).

سرعان ما استغل النظام الفرنسي الأوضاع الاقتصادية للدولة الوليدة، ووظَّف تعدُّد القبائل، والتباين الثقافي لإثارة ثورة طارقية في شمال مالي 1963م – 1964م، وبذلك استطاع أن يصنع من بعض الطوارق والبربر جهازاً يشارك به في الألعاب السياسية والاقتصاديَّة في المنطقة، واتخذَه ورقة ضغط على الأنظمة السياسية المتعاقبة. فكلَّما أراد النظام الحاكم في فرنسا الضغط على مالي، أو الانتقام من نظام الحكم في مالي، حتى يضمن ولاءه له، لجأ إلى الطوارق كما فعل فرانسوا ميتران في عام 1990م وعام 1994م، وجاك شيراك في عام 2006م، وساركوزي في عام 2009م وعام 2012م.

وقد نجحت فرنسا إلى حدٍّ ما في إدارة الأزمة من وراء الكواليس، والاعتماد على الحرب بالوكالة بإقحام بعض الدول الإسلامية المجاورة في القضية كوسطاء غير محايدين، ففتحت حدودها للجهاديين، ووظَّفت وسائلها الإعلامية لقضية الطوارق، واعتبرتها شرعيَّة، واستضافت مدنها مؤتمرات هذه الحركات، حتى توارى دور فرنسا نسبياً، واتجهت الأنظار إلى الدول العربية الإسلامية(10)، كما وظَّفت وجودهم في مناصب ببعض المؤسّسات الدولية لتحقيق أهدافها ومخطَّطاتها.

أصدرت الجبهة الإسلامية العربية لتحرير أزواد العدد الأول من مجلتها (صحوة أزواد) بجمهورية موريتانيا الإسلامية في أبريل 1990م؛ علماً بأنَّ مُنظِّر هذه الحركة (سيد محمد ولد الذهبي) أحد ربائب الكنيسة النرويجية بمدينة «غوشي»، وكان موظَّفاً في منظماتها، ولا يزال ممثلاً لجمهورية مالي يتقاضى رواتبه شهرياً؛ لأنه في كفالة النصارى!

واتخذت الحركة الوطنية لتحرير أزواد (M.N.L.A) مقرها في نواكشوط، ولا يزال موسى أغ سديد يدير المهام السياسية هناك.

واستغلت السياسة اليهودية العالمية الجهاز نفسه (الحركة الطارقية) لاختراق الصف الإسلامي، وغرس العداوة والبغضاء بين المسلمين العرب والإفريقيين، وإليك نصوص لأحد منظّري هذه الحركة، واسمه أبو بكر الأنصاري، يقول: «أمريكا تنظر للطوارق بعيون يهوديّة، وخلق حلف لأمريكا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يكون في خدمة مصالحها»(11)، «... تَخلَّوْا عن إقليم فقير لأصحابه الحقيقيين، ومقابل مساعدات مادية دائمة، لكي يعمره أبناؤه بالتعاون مع إسرائيل وأمريكا وفرنسا»(12)، «وبالتالي يتحقق الهلال السامي في القارة الإفريقية ببناء دولة للطوارق موالية للغرب وصديقة لإسرائيل، وتحقّق أمريكا نصراً في القارة الإفريقية، ويكون لإسرائيل صديق مسلم لها الفضل في بناء دولته، وتبني واشنطن قواعدها العسكرية في دولة الطوارق دون الحاجة لافتعال معركة وهمية لمحاربة الإرهاب»(13)، «بينما مشروع الهلال السامي سوف يعيد العلاقة العربية الإسلامية اليهودية على ما كانت عليه قبل قيام دولة إسرائيل».

ولا أدري هل هذا الكاتب مقتنع بما يكتب حتى يصرح بذلك للمسلمين في هذا الموقع؟ أو هل يريد أن يوصل الرسالة إلى المسلمين بعدما اكتشف هذه الخطط؟ لأنه في بعض مقالاته يربط بين الحركات الطارقية والحركات العرقية الأخرى في العالم الإسلامي (الأكراد، وحركة دارفور)، ويشير إلى أن نتيجة الحكم الذاتي لدارفور وشمال مالي تساهم في إبعاد الصين عن آبار البترول والمعادن الأخرى؛ لتحل محلّها أمريكا؟!

وأيًّا كان؛ فإن الخطة اليهودية نحو المنطقة أكيدة، كما ذكر ذلك عبد الإله المنصوري موضحاً أساليب الاختراق، وفاضحاً لها، ومُبشِّراً بوعي المسلمين الأمازيغ وتصديهم لتلك الخطط(14).

اضطر الإسلاميون في الجزائر إلى خلع رداء الحزب السياسي الديمقراطي عام 1990م، بعدما حقّقت جبهة الإنقاذ الإسلامية انتصارات على الشاذلي بن جديد، واعترف هذا الأخير بالهزيمة عبر وسائل الإعلام الوطنية والدولية، وعبَّر عن استعداده للتعاون مع نظام إسلامي معتدل، ولكن انتهى الأمر بتدخل الضباط العسكريين فأُلغيت نتائج الانتخابات(15).

وههنا ارتدى المتشدّدون ثوب الحرب ضدّ الجيش الجزائري، ثمّ اضطروا إلى مغادرة شمال الجزائر، والانخراط في تنظيم مسلّح في الجنوب، وتم اختيار هذه المنطقة الاستراتيجية؛ لأنها تربط الجزائر بكلٍّ من موريتانيا ومالي والنيجر (ثلاث دول إسلامية).

وتتبنّى هذه الحركة أهدافاً، منها:

- السيطرة التامة على الصحراء، ويكون لهم سيادتها حتى لا يكون لأحد غنى عنهم فيها.

- تحويل المنطقة إلى مكان غير قابل للزيارة، وبخاصة زيارة السائحين الأوروبيين.

- زعزعة أمن الدول المعاهدة والموالية للغرب، وبخاصة فرنسا.

- اتّخاذها منطلقاً لعملياتهم العسكرية(16).

فظنَّ قصر الرئاسة أنه قادر على استغلال عناصر هذه الحركة، ولكن بعد مرور سنوات أضاف التنظيم إلى نشاطاته التجارية نشاطاً جديداً يدرُّ أرباحاً دون رأس مال، ألا وهو «صناعة» اختطاف الأجانب (رعايا الدول الغربية)، حيث قام التنظيم باختطاف أربعين شخصاً، منذ عام 2003م حتى 2012م، فتوجهت الأنظار إلى قصر بماكو، تشير إليه بأصابع الاتهام بالتآمر مع القاعدة2.

وشَنَّ تنظيم القاعدة أول هجوم على جيش مالي، وقام باغتيال الضابط العربي لامان ولد بو، بتاريخ 10 يونيو 2009م الساعة 7 مساءً، والناس يصلّون المغرب بمدينة تمبكتو(17)، وأصدر أبو زيد باسم سرية الفرقان بياناً تنويرياً عن الحادثة، ووضَّح أنهم يعيشون في أزواد، ويفهم منه ضمنياً أنهم لا يعترفون بمالي.

وينظر تنظيمُ القاعدة بالمغرب العربي إلى فرنسا بعين العداوة، ويعدُّها العدوَّ الأول في القائمة السوداء، ويستهدفها بعمليات عسكرية في مصالحها الداخلية والخارجية(18).

ويصعب على فرنسا – إن لم يتعذّر - أن تستغني عن هذه المناطق الغنية بثرواتها المعدنية والمتميزة بموقعها الاستراتيجي، وبتعدُّد قبائلها وإن كانوا أغلبيّة مسلمة، فأرادت التخلُّص من هذه الخلية بأي وسيلة حتى يصفو لها الجو، فاستعانت بأفراد من ذوي النفوذ بالأجهزة الأمنية والاستخباراتيَّة في الجزائر وموريتانيا ومالي.

»إياد أغ غالي» كان عضواً في جماعة التبليغ، ويحظى بثقة كثير من قادتها في مختلف مناطق العالم، وكان قائداً في حركات الطوارق الانفصالية منذ عام 1990م، وانضم إلى الجيش الوطني بعد الاتفاقيَّات ضابطاً برتبة (العقيد)، يعرف كلّ أسرار الجيش، وعمل دبلوماسياً في المملكة العربية السعودية، ولبِس لبوس السلفيَّة، ولعلّه استطاع أن يكوِّن علاقات بشخصيات وهيئات ومؤسّسات قبل أن تطرده السلطات السعوديَّة، وليس هذا بعيداً عن شخصية ذات طموحات عالية ومتعدَّدة، وقد بدأ دوره ينكشف بعد هجوم جيش مالي والقوَّات الفرنسية على شمال مالي، «إنَّ زعيم جماعة أنصار الدين إياد أغ غالي كان يتولّى مهمة تحضير الأجواء للتدخّل الفرنسي، وذلك باقتحامه مدينة (كونا Kona) الفاصلة بين شمالي مالي وجنوبه»(19).

وأمَّا حركة التوحيد والجهاد بغرب إفريقيا؛ فيقودها العرب الموريتانيون وبرابرة صحراويون (الصحراء الغربية المغربية) مقيمون في الجزائر، وأفراد من العرب الماليين، وهؤلاء العرب يحاولون عرقلة الانتخابات وتأجيل موعدها؛ لأن انتهاء فترة (آمد توماني توري) تعطيل لمصالحهم الشخصية.

فأطراف هذه اللعبة هم:

- حركة (M.N.L.A): طارقية علمانية انفصالية، تستغلها دول غربية ودول مجاورة لمالي، ويحاول قصر الرئاسة استغلالها1.

- حركة تنظيم القاعدة: مبادئ ثابتة، أهداف مرسومة، يحاول القصر استغلالها.

- حركة أنصار الدين.

- حركة التوحيد والجهاد.

اجتمعت هذه الأطراف في إشعال نار الفتنة في جمهورية مالي، وفتّحت عليها أبواباً من المشكلات والأزمات المتعددة، وانتهت اللعبة لمصلحة فرنسا!

 

 

 

الإحالات والهوامش:

(1)راجع: مالك انجاي: رسائل الدعوة الإسلامية في غرب إفريقيا، منظمة الدعوة الإسلامية، سنة 1417هـ، ص 1.

(2)راجع: أحمد شلبي: موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، ط 2، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، 1982م، ج 6، ص 114.

(3)انظر: djibril tamsir, le Soudan occidental, ou temps de grand empires xi xvi, P15.

(4)نفسه، ص 45.

(5)نشر Faudherb بعثاته الأولى على أرض السودان منذ 1850م، بصحبة رحلة النقيب Engene mage.

(6)المشروع بإمضاء René katy، ورئيس الحكومة Guy Mallet، و Hauphaitt Boigny وزير الدولة (رئيس كوت ديفوار الراحل).

(7)عام 1995م قابلت أحد القادة العسكريين للحركة في الرياض بحي منفوحة، وتحدثت معه في الموضوع، وبخاصة قيام غاندا كوي، فقال لي: «إن لشعب سنغاي حقاً في ذلك، لأن الثورة انحرفت حملنا السلاح لنقتل ونقتل، ولكن لا للقتال بين الشماليين».

(8)العرب مواطنون ماليون وليسوا موريتانيين كما وهم الكاتب «سليم زبال» في مجلة العربي، العدد 244، مارس 1979م.

(10)البيان الختامي لندوة التجمّع الثقافي الإسلامي الخامسة والعشرين، المنعقدة بنواكشوط، بمناسبة ذكرى المولد 9 - 11  ربيع الأول 1434هـ الموافق لـ 21 - 23 يناير 2013م.

(11)انظر: غوغل العربي: موقع الحوار المتمدن www.ahewar.org - مقالات أبو بكر الأنصاري، السياسة الأمريكية في القارة الإفريقية على ضوء نجاحات الهلال السامي.

(12)نفسه.

(13)الموقع نفسه، والكاتب نفسه، القيادة الأمريكية بين طموح الهلال السامي وسندان عقبة تسييس مكافحة الإرهاب.

(14)راجع: عبدالإله المنصوري: الأمازيغ يتصدون للاختراق الصهيوني، قناة الجزيرة، الثلاثاء، 10/10/1433هـ الموافق 28/8/2012م.

(15)استمعت إلى صوت واشنطن 1990م بعد الأحداث الجزائرية، وقال أحد المعلقين: إن النظام الجزائري نحّى الإسلاميين المعتدلين، وأعطى المتطرفين فرصة سانحة لحمل السلاح.

(16) serge Daniel ,AQMI L'industrie de l'enlèvement, Fayard 2012,P11,113.

(17) serge Daniel, P 241.

(18)نفسه، ص 11.

(19)الشروق الجزائرية، الأحد 27 يناير 2013م.

یستمر...

 

بقلم: د. عبد الرحمن عبد الله سيسي، أستاذ النحو الوظيفي بالقسم العربي، جامعة الآداب والعلوم الإنسانية، بماكو، مالي