الممالك الإسلامية بغرب إفريقيا و إشعاع الحياة الفكرية بها...(3)

  • رقم الخبر 2716
  • المصدر: قراءات إفريقية

المخلص كتب للإسلام أن ينتشر انتشارًا واسعًا في عدد من الأقطار والقارات بفضل جهاد دعاته الأولين ونضال هداته السابقين الذين بذلوا أرواحهم وتضحياتهم لبسط نفوذ الإسلام ورفع ألوية تعاليمه في كل زمان ومكان، ومن هذه الأقطار على سبيل المثال إفريقيا الغربية.


دور انتشار الإسلام في ترسيخ الحياة الفكرية بغرب إفريقيا

كتب للإسلام أن ينتشر انتشارًا واسعًا في عدد من الأقطار والقارات بفضل جهاد دعاته الأولين ونضال هداته السابقين الذين بذلوا أرواحهم وتضحياتهم لبسط نفوذ الإسلام ورفع ألوية تعاليمه في كل زمان ومكان، ومن هذه الأقطار على سبيل المثال إفريقيا الغربية، فيكفي أن نقرأ ما كتبه المؤرخون المسلمون الأولون والرحالة السابقون، كابن حوقل والبكري والإدريسي وياقوت الحموي وابن بطوطة وابن خلدون، وليون الإفريقي وغيرهم، لنقف على السبل التي اجتازها الإسلام ليحل بإفريقيا الغربية عن طريق المغرب الأقصى(63).

فبانتشار الإسلام بغرب إفريقيا، بدأت القبائل العربية تتوغل جنوبًا، إذ كانت الصحراء عاملاً واصلاً ومساهمًا في وصول التأثيرات الإسلامية إلى المنطقة، إلى جانب دور المسالك التجارية التي عبرها أنساب الدين الجديد إلى المجتمعات السودانية جنوب الصحراء(64).

لقد ساهمت العملية التجارية في أسلمة المجتمعات السودانية؛ من خلال السلوك الحسن للتاجر المسلم الذي أثر بثقافته الدينية وتعامله في المجتمعات السودانية الحديثة العهد بالإسلام، فالتاجر كان داعية إلى دينه بشكل مباشر من خلال دعوة الأهالي للدين الجديد، أو بشكل غير مباشر من خلال حسن سلوكه في المعاملات وصدق تعامله(65). حيث ركَّز هؤلاء الدعاة والتجار المسلمون في بداية الأمر على الفئات العليا كالحكام وكبار الموظفين، ليسهل التأثير في رعاياهم، وبانتشار الإسلام بين فئات عريضة من السودان، تبنَّى أفراد هذا المجتمع مهمة مواصلة نشره في جُلّ الغرب الإفريقي(66). بما في ذلك المناطق الريفية بشكل واسع على يد السودانيين أنفسهم، وتغلغل الإسلام حتى في صفوف القبائل التي عرفت برفضها للدين الجديد طيلة القرون الوسطى(67).

وهكذا حظي الدعاة المسلمون في إفريقيا الغربية في بدايات نشرهم للإسلام، بنصيب أوفر من التقدير والاحترام، ويعاملون بعناية خاصة من الملوك والحكام، لحاجتهم الماسَّة لهؤلاء الدعاة في تفسير العقيدة وشرح مضامين الديانة الجديدة. فأقبل عليها الأهالي وتحوَّل بعضهم إلى دعاة في المنطقة لنشر تعاليم الإسلام بين بني جلدتهم، خاصة أبناء قبيلة السوننكي، الذين نشطوا في الدعوة لتعرفهم المبكر على الإسلام، وصار لفظ سوننك مرادفًا للفظ داعية(68).

ومن نتائج انتشار الإسلام بإفريقيا الغربية، أن بدأت الحركة الفكرية في رسم معالمها من خلال إقبال السودانيين على العلم والتعلم في الكتاتيب القرآنية، لحفظ القرآن الكريم بترديد آياته وكتابة حروفها على ألواح خشبية سيرًا على نهج المغاربة في تعليم الصبيان(69).

واهتم السودان باللغة العربية لدرجة التقديس كما يقول أمطير سعد غيث: “وقد احترم مسلمو تلك البقاع اللغة العربية احترامًا يقرب من التقديس؛ لأنها لغة القرآن الكريم بها يؤدِّي المسلم صلاته، ويتلو القرآن الكريم وبواسطتها يُلِمُّ بعلوم الدين”(70).

ونجَم عن تعرُّف أهالي غرب إفريقيا على اللغة العربية لغة القرآن الكريم، أن تحرفت بعض الأسماء العربية لديهم لتداولها بكثرة، كاسم محمد عليه الصلاة والسلام، الذي صار يسمى عندهم (أمادو) أو (مامدو)، وأحمد (أمادو)، والحسين (أوسينو) وأبو بكر (بوكار)، وإبراهيم (ابراهيما)، وعائشة (ايساتو)، وحفصة (أفسا)، وفاطمة (فاطيماتو)(71).

ولما استتب الإسلام في إفريقيا الغربية، وانتشرت الثقافة الإسلامية في أوساط الأفارقة، شكَّلت المساجد أهم مراكز للتعليم بحواضر غرب إفريقيا (تمبكت مثلا) كالمسجد الجامع المعروف بجنغري بير، ثم هناك مسجد سيدي يحيى، وهو أول مسجد بني في تمبكت، وقد بناه ملك مقشرن، وذلك قبل عهد منسى موسى، تعرض للتخريب، ثم أعيد بناؤه زمن الأساكي عام 1568م. ثم جامع سنكري الذي بنته سيدة بيضانية من قبيلة الأغلال لا نعرف اسمها في القرن السادس أو السابع الهجري. وقد تحدث عبد الرحمن السعدي في كتابه تاريخ السودان عن بناء هذا المسجد بقوله: “.. أما مسجد سنكرى فقد بناه امرأة واحدة إغلالية ذات مال كثيرة في أفعال البر”(72). وسمي جامع سنكري بهذا الاسم للدلالة على السيدة البيضاء باللهجة السودانية المحلية(73).

إلى جانب بناء المساجد نذكر وفرة الكتاتيب القرآنية، التي تقوم بتعليم الأطفال وتربيتهم على القراءة والكتابة وحفظ بعض السور عن ظهر قلب، وهي المرحلة الأولى من مراحل التعليم التي يمر بها الطالب منذ صغره، حيث يتعرف على الحروف الهجائية، ويبدأ في حفظ كتاب الله العزيز في سنٍّ مبكرة، ليتسنى له فيما بعد متابعة دراسته لفهم واستيعاب العلوم الشرعية المرتبطة بعلوم القرآن الكريم والسنة النبوية، كتفسير القرآن، والحديث.

ولمكانة التعليم شجَّع السودانيون أنفسهم على اكتسابه وإنفاق الغالي والنفيس في سبيل امتلاكه، وهم لأجل ذلك كله يتفانون في بناء المدارس والكتاتيب، ويجلبون لها أنبغ العلماء لتعليم الصبيان عدة علوم، اشتملت على علم القراءات والتفسير، وعلم الحديث الشريف، ثم علوم الفقه والأصول، وعلم التصوف، وعلم الكلام والمنطق، وعلوم اللغة العربية كالنحو والبلاغة والشعر والنثر وعلم التاريخ والتراجم، وهي علوم أفاض في الحديث عنها الباحث أحمد مطير سعد، وأعطى نماذج عن علمائها، والذين ألفوا مصنفات بشأنها، وتم تدريسها في أشهر المساجد كجامع سنكري ومسجد سيدي يحيي والجامع الكبير بمدينة جاو(74).

وسجَّل الحسن الوزان كشاهد عيان طريقة التعليم بالكتاتيب القرآنية إبَّان زيارته للسودان الغربي بقوله: “ويقتصر درس كل يوم على آية من القرآن، ويختم القرآن في سنتين أو ثلاث سنوات، ثم يستأنف ذلك عدة مرات إلى أن يجيد الطفل تعلمه بصورة متقنة جدًّا، ويحفظه عن ظهر قلب”(75). هاته الكتاتيب التي أحصاها محمود كعت في زمنه في حوالي 180 كُتَّابًا(76). وهي المرحلة الأولية للتعليم قبل بلوغ الطالب مرحلة التعليم العالي، الذي يتم تدريسه في المساجد والجوامع السالفة الذكر.

أدَّى انتشار الكتاتيب التعليمية، وإشعاع الحياة الفكرية بالمساجد والجوامع المشهورة بالمنطقة، إلى ازدهار حركة التأليف عند علماء غرب إفريقيا إبَّان القرنين 15و 16 الميلاديين؛ حيث ألفوا في الفقه وأفتوا فيه، وفي النحو والصرف، والتصوف الإسلامي والأخلاق، والتاريخ والسير، ونظَّموا قصائد في مدح خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها قصائد أحمد بابا التمبكتي الشهيرة مثل: “الدر النضير في ألفاظ الصلاة على البشير النذير”، و”خمائل الزهر في كيفية الصلاة على سيد البشر”(77).

واستفادوا من عشرات الكتب الموجودة آنذاك مثل “درر الحسان”، و”نيل الابتهاج”، و”تاريخ السودان” للسعدي، و “تاريخ الفتاش” لمحمود كعت، وغيرها من الكتب المتوفرة حينها(78).

كما اتسم التعليم مع مجيء الإسلام إلى المنطقة، بطابع الاختصار لغلبة كتب المختصرات على الأمهات في الكتب المدروسة، مما أدَّى إلى فتور العزائم والهمم لدى الطلبة من جهة وقصور الفقهاء عن الإبداع؛ حيث كثرت كتب المختصرات في المذهب المالكي فركن السواد الأعظم إليها، فضلاً عن تأثير الرواية الشفوية في المتن السوداني، والشيء نفسه يقال عن الحفظ الذي ميَّز علماء وطلبة تمبكت؛ إذ شكَّل الحفظ عندهم علامة على تمييز التلميذ النبيه من البليد، ولهذا نجد نماذج كثيرة من الحفاظ ممن يحفظ مختصر خليل ودواوين فحول الشعراء، بل منهم مَن يحفظ صحيح البخاري ومسلم وموطأ الإمام مالك ومدونة سحنون، وغيرها من المؤلَّفات(79).

إذا كانت بلاد غرب إفريقيا قد انتقلت من مرحلة الثقافة الشفاهية إلى مرحلة التدوين في الفترة ما بين القرنين 16 و18م، من خلال أُسَر عالمة كأسرة آل كعت وآل بغيغ وآل أقيت، وآل أندغ، وآل السعدي، وآل كانْوَا…(80) ؛ فإن ثقافة التدوين سرعان ما تراجعت فيما بعد لصالح الإنتاج البيضاني (الشنقيطي)، لعدة عوامل تضافرت وأجهضت تجربة التأليف السودانية(81)، فضلاً عما تميزت به من ظاهرة الاختزال في النص المدوّن، الذي تنبَّه إليه الباحث أحمد الشكري، معتبرًا أن هذا الاختزال مردُّه ضعف تكوين المؤلف، وعدم امتلاكه لنفس طويل للتعبير عما يخالجه من أفكار، وعليه يقول: “يظهر نَفَس المؤلف ضعيفًا ومتقطعًا، لذلك غالبًا ما يعمد مجبرًا إلى استعمال الجملة أو العبارة المختزلة إلى الحدّ الذي يتحول فيه المعنى إلى رمز يكاد يقترب من المعادلة الرياضية المعقدة”(82).

وبفضل الحركة العلمية المهمة التي شاعت في غرب إفريقيا لا سيما زمن الأساكي، حظي العلماء بمكانة مهمة تمثلت في احترامهم من لدن السلطة الحاكمة، وكذا من لدن المجتمع الذي شجَّع هذه الحركة، بل إن العلماء تقلدوا مناصب سامية خلال هذه المرحلة كمنصب القضاء؛ حيث كان القاضي هو بمثابة الحاكم، كلامه مسموع ورأيه مطاع، هذا فضلاً عن تقريب الأساكي للعلماء، وجعلهم من أهم حاشيتهم في القصر، حتى لقب الأسكيا بصديق العلماء في عصره(83).

ولنا في رموز السلطة بغرب إفريقيا وعلاقتها بالعلماء زمن مملكة سنغاي نموذجين؛ الأول منهما هو الحاكم سني علي الذي كان بعيدًا عن العلم وأهله، وصدر منه ما ألَّب العلماء ضده، فقد كان كما قال السعدي: “ذا قوة عظيمة ومتنة جسيمة، ظالمًا فاسقًا متعديًا متسلطًا سفّاكًا للدماء، قتل مِن الخلق ما لا يحصيه إلا الله تعالى، وتسلَّط على العلماء والصالحين بالقتل والإهانة والإذلال”(84).

وثانيهما هو الحاكم محمد أسكيا من أسرة الأساكي، الذي تقرَّب من العلماء وأحسن إليهم، ومنحهم رواتب مالية مقابل تعليم الطلبة وتلقينهم للعلم(85)، وقد أورد محمود كعت شهادة في حقه: “وله مِن المناقب وحُسن السياسة والرفق بالرعية والتلطف بالمساكين ما لا يُحصى، ولا يوجد له مِثْل لا قبله ولا بعده، وحب العلماء والصالحين والطلبة وكثرة الصدقات وأداء الفرائض والنوافل..، والتواضع للعلماء وبذل النفوس والأموال لهم مع القيام بمصالح المسلمين وإعانتهم على طاعة الله وعبادته”(86).

هكذا شاع عن الأسكيا محمد الكبير احترامه للعلماء المسلمين الموجودين بمملكته، وكذا الوافدين عليه من ربوع العالم الإسلامي، ومنهم المغيلي التواتي، الذي نصح الأسكيا بالعمل بمقتضى الشريعة الإسلامية في حكمه، مما زاد من إعجاب الأسكيا به وقربه إليه ووجَّه إليه أسئلة فأجابه المغيلي عليها بمقتضى الشرع الإسلامي، في مؤلفه المسمى: “أسئلة الأسكيا وأجوبة المغيلي”، الذي بيَّن له فيه دور الحاكم المسلم في إرساء الحق والمساواة والعمل بالشريعة(87).

إلى جانب الحضور القوي للعالم المغيلي بغرب إفريقيا، والدور الذي قام به في نشر الورد القادري، نذكر علماء آخرين ذوي أصول بيضانية بالأساس نزحوا في فترة مبكرة لمدينة تمبكت، وسطع نجمهم بها، ومن هؤلاء أسرة أقيت الصنهاجية، التي اشتهر من أفرادها: أحمد بابا التمبكتي (ت 1036هـ/ 1627م) الذي أغنى الحياة الفكرية بمؤلفاته الكثيرة، منها “تحفة الفضلاء ببعض فضائل العلماء”، و”جلب النعمة ودفع النقمة بمجانية الولاة الظلمة”، ثم “نيل الابتهاج بتطريز الديباج”، و” كفاية المحتاج في معرفة من ليس في الديباج”، فهذان الأخيران ألَّفهما في حاضرة مراكش لما نُفِيَ إليها زمن السعديين، وبمراكش جلس لتدريس “مختصر خليل”، و”صحيح البخاري”، و”الشفا” للقاضي عياض، و”الموطأ” للإمام مالك؛ إذ قضى بمراكش مدة عشرين سنة إلا ستة أشهر، وعاد بعدها إلى موطنه بتمبكت؛ حيث تفرغ للتعليم باقي حياته إلى أن وافته المنية بها عام 1623م(88).

كما لا ننسى العلامة محمود بن عمر أقيت الصنهاجي التمبكتي المولد عام 1463م ودفينها عام 1550م، كان قاضيًا على تمبكت زمن الأسكيا محمد الكبير(89)، فوصفه السعدي بقوله: “.. كان من خيار عباد الله الصالحين العارفين به .. اشتهر علمه وصلاحه في البلاد، وطار صيته في الأقطار شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالاً.. لا يخاف في الله لومة لائم، هابه الخلق كلهم السلطان فمن دونه، فصاروا تحت أمره يزورونه في داره متبركين به”(90).

وفي عهد أسرة الملوك الأساكي نبَغ علماء من مدينة تمبكت كالعالم محمود كعت، الذي أرَّخ لإمبراطوريتي مالي وسنغاي في كتابه “الفتاش في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس”، وكان مقرَّبًا من الأسكيا محمد؛ حيث ذهب معه إلى الحج، وكان أحد مستشاريه مما مكَّنه من الاطلاع عن كثَب على أحوال السلطان ومملكته، وتقلد مهمة التدريس في تمبكت وغلب على تأليفه المنهج المغربي(91).

إلى جانب عناية السلاطين بالعلماء وإكرامهم حَظِيَ الطلبة كذلك بالعناية والاحترام، وحثّهم على التحصيل والمثابرة من خلال إرسالهم للدراسة في المغرب والمشرق، واقتناء الكتب النفيسة، ووضعها رهن إشارتهم. أما الرعاية المادية فقد تجلت في تقديم الهبات المالية للعلماء، وتحديد الأجور للأساتذة وبناء المدارس والمساجد وتحبيس الكتب والمكتبات لفائدة الطلاب(92). وهو ما ساهم في إشعاع بعض الحواضر العلمية، التي عمَّ صيتها أرجاء غرب إفريقيا، وشكَّلت قبلة لأبناء السودان.

لقد نجَم عن وصول تعاليم الدين الإسلامي إلى إفريقيا الغربية تأثُّر الأفارقة بتعاليم هذا الدين الذي وحَّد الناس على عبادة الله، وحرَّم الاسترقاق والاستعباد، ودعا للمساواة بين الناس جميعًا بِغَضِّ النظر عن ألوانهم وأجناسهم، وبذلك وجد الضعفاء منهم فيه السبيل الأوحد لتحقيق حياة العز والكرامة، وحاولوا الانتساب إليه والتقرب من دعاته، وامتزج الدم العربي- الصنهاجي بالدم الإفريقي، وبحث السودانيون لأنفسهم عن أنساب عربية في الشمال والشرق الإسلامي، ترفع من نسبهم الطيني والديني.

 

خاتمة:

مؤدَّى القول، كانت هذه معطيات سريعة حول ممالك غرب إفريقيا التي تزامن تأسيسها وانبعاثها بالمنطقة مع مجيء الإسلام إليها زاحفًا من الشمال مع التجار والدعاة في البداية، ثم في مرحلة ثانية مع بقايا أتباع المرابطين من الفقهاء والأئمة الذين وهبوا حياتهم للتدريس ونشر الدين الإسلامي؛ إذ لا يجادل أحدٌ في أهمية انتشار الإسلام بغرب إفريقيا، ودوره في فك عزلتها وانكماشها العقائدي والسياسي، وتطوير حضارتها بمنح الإنسان الإفريقي فرصة الاندماج في الحياة الدينية الجديدة، والمساهمة في توسيع رقعتها الجغرافية. فجاءت نتائجه إيجابية جدًّا على الفرد والمجتمع من خلال تحقيق المساواة والحرية وربط الناس بخالقهم بأداء الفرائض الدينية، وإنشاء المراكز العلمية لانتشال الناس من حياة الجهل والكسل إلى حياة العلم والعمل، فنبغ كثير من الطلاب من غرب إفريقيا وجلس للتدريس عدد من العلماء من أبناء المنطقة والوافدين عليها، واشتهرت عدة حواضر بالعلم داخل وخارج المنطقة، كحاضرة تمبكت التي علا نجمها وأضاء علمها جلّ مناطق الغرب الإفريقي.

وعليه، فقد وَسَّع الإسلام رقعة انتشاره باحتواء الشعوب السودانية، وتغيير ثقافتها، واستبدالها بثقافات قويمة وبديلة، وأعطى بذلك لهذه المجتمعات الحق في تحقيق مشاريعها السياسية، وتأسيس ممالك سودانية قوية وعتيدة، جعلت من مشروع الأسلمة الشامل شعارًا لها، وتجلَّت مهمتها في الحفاظ على مبادئ الدين الجديد والدفاع عن تعاليمه. بدءًا بمملكة غانة ومالي وانتهاء بسنغاي مع الحكام الأساكي خلال القرن 16م، وما تلاها من حركات إصلاحية رائدة في العصر الحديث والمعاصر، حافظت على بيضة الإسلام، ورسَّخت تعاليمه وشجَّعت على ازدهار العلم وتربية الروح بمجموعة من الأوراد الصوفية.

 

الإحالات والهوامش:

(63) عبد اللطيف أحمد خالص، تطور الإسلام في إفريقيا، مجلة دعوة الحق، إفريقيا القارة الإسلامية ماضيًا وحاضرًا ومستقبلاً، العدد 269، أبريل 1988م، ص 200.

(64) جميلة أمحمد التكيتك، م.س، ص 156.

(65) أحمد مطير سعد غيث، الثقافة العربية الإسلامية، م.س، ص 156.

(66) جميلة أمحمد التكيتك، م.س، ص 25.

(67) أحمد الشكري، الذاكرة الإفريقية في أفق التدوين إلى غاية القرن 18م، م.س، ص 349.

(68) أحمد مطير سعد غيث، الثقافة العربية الإسلامية، م.س، ص 152.

(69) أحمد الشكري، الإسلام والمجتمع السوداني، م.س، ص 212.

(70) أمطير سعد غيث، التأثير العربي الإسلامي في السودان الغربي فيما بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر، الطبعة الأولى، 1996م، ص 194.

(71) أحمد مطير سعد غيث، الثقافة العربية الإسلامية، م.س، ص 179.

(72) عبد الرحمن السعدي، م.س، ص 62.

(73) أحمد مطير سعد غيث، الثقافة العربية الإسلامية، م.س، ص 195.

(74) نفسه، ص ص 236- 262.

(75) الحسن الوزان، م.س، الجزء الثاني، ص 168.

(76) محمود كعت، م.س، ص 180.

(77) الهادي المبروك الدالي، التاريخ الحضاري، م.س، ص ص 189- 190.

(78) علي كلطغ، الثقافة الإسلامية بإفريقيا، مجلة دعوة الحق، عدد 266، محرم 1408هـ/ غشت 1987، ص 27.

(79) الخليل النحوي، م.س، ص ص 345- 346.

(80) أحمد الشكري، الذاكرة الإفريقية في أفق التدوين إلى غاية القرن 18م، م.س، ص 265.

(81) نفسه، م.س، ص ص 258- 266.

(82) نفسه، ص 280.

(83) جميلة أمحمد التكتيك، م.س، ص 167.

(84) عبد الرحمن السعدي، م.س، ص 64.

(85) جميلة أمحمد التكتيك، م.س، ص 160.

(86) محمود كعت، م.س، ص ص 51- 52.

(87) جميلة أمحمد التكيتك، م.س، ص 186.

(88) نفسه، ص 192.

(89) نفسه، ص ص 184- 187.

(90) عبد الرحمن السعدي، م.س، ص 38.

(91) جميلة أمحمد التكيتك، م.س، ص 190.

(92) عبد الرحمن ميفا، الحركة العلمية في مدينة تمبكت خلال القرنين التاسع والعاشر الهجريين، مجلة دار الحديث الحسنية، مكتبة ومطبعة الأمنية، زنقة المأمونية الرباط، العدد الرابع عشر، 1418هـ/ 1997م، ص 334.

 

 المراجع:

أبو القاسم محمد بن حوقل، صورة الأرض، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1979م.

أبى عبيد الله البكري، المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب وهو جزء من كتاب المسالك والممالك، نشر مكتبة المثنى  ببغداد، د. ت.

أبي عبد الله محمد بن محمد الشريف الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، (جزءان)، مكتبة الثقافة الدينية، د.ط، د.ت، القاهرة، المجلد الأول.

أحمد مطير سعد غيث، الثقافة العربية الإسلامية وأثرها في مجتمع السودان الغربي دراسة في التواصل العربي- الإفريقي، دار المدار الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت، لبنان، 2004، صص 32- 33؛ أنظر كذلك أحمد الشكري، الذاكرة الإفريقية في أفق التدوين إلى غاية القرن 18م (نموذج بلاد السودان)، سلسلة أطروحات، منشورات معهد الدراسات الإفريقية، جامعة محمد الخامس السويسي، الطبعة الأولى، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2010م.

أحمد الشكري، الإسلام والمجتمع السوداني مملكة مالي 1230-1430م، منشورات المجمع الثقافي، أبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة، 1999م.

أحمد الشكري، مملكة غانة وعلاقتها  بالحركة المرابطية ( هل حقا قام المرابطون بغزو غانة)، منشورات معهد الدراسات الإفريقية، جامعة محمد الخامس، السويسي، الرباط، الطبعة الأولى، 1997.

أمطير سعد غيث، التأثير العربي الإسلامي في السودان الغربي فيما بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر، الطبعة الأولى، 1996م.

الحسن محمد الوزان الفاسي، وصف إفريقيا، (جزءان)، تحقيق محمد حجي ومحمد الأخضر، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الثانية، بيروت، لبنان، 1983م، الجزء الثاني.

جميلة امحمد التكيتك، مملكة سنغاي الإسلامية في عهد الأسكيا محمد الكبير 1493- 1528م، منشورات مركز الجهاد الليبي للدراسات التاريخية، الطبعة الأولى، الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الإشتراكية العظمى، 1998م.

جوان جوزيف، الإسلام في ممالك إمبراطوريات إفريقيا السوداء، ترجمة محمد السويقي، دار الكتب الإسلامية، دار الكتاب المصري، القاهرة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، الطبعة الأولى، 1404هـ/ 1984م.

عبد اللطيف أحمد خالص، تطور الإسلام في إفريقيا، مجلة دعوة الحق، إفريقيا القارة الإسلامية ماضيا وحاضرا ومستقبلا، العدد 269، أبريل 1988م.

عبد الرحمان بن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، (8 مجلدات) دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، لبنان، 1413هـ/ 1992م، المجلد 6.

عبد الرحمان السعدي، تاريخ السودان، طبعة هوداس، باريس، فرنسا، 1981.

عبد الرحمان ميفا، الحركة العلمية في مدينة تمبكت خلال القرنين التاسع والعاشر الهجريين، مجلة دار الحديث  الحسنية، مكتبة ومطبعة الأمنية، زنقة المامونية الرباط، العدد الرابع عشر، 1418هـ/ 1997م.

عبد العزيز الفشتالي، مناهل الصفا في مآثر موالينا الشرفاء، دراسة وتحقيق: عبد الكريم كريم، مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الرباط، 1977م.

عبد العزيز العلوي، تأثير بلاد المغرب على حضارة السودان الغربي، (جزءان)، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في التاريخ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، سايس فاس، 1998- 1999م، الجزء الأول.

عبد الكريم الربون، دور المذهب السني المالكي والحركة المرابطية، في سقوط دولة غانة وقيام إمبراطورية مالي 1050- 1300م، الرواية الشفوية مصدرا، أطروحة لنيل الدكتوراه في التاريخ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الأول، وجدة، 2000- 2001.

علي كلطغ، الثقافة الإسلامية بإفريقيا، مجلة دعوة الحق، عدد 266، محرم  1408هـ/ غشت 1987.

سعيد سامي، العلماء ومجتمع السودان الغربي خلال العصر الإسكي (1493- 1591م)، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في التاريخ، جامعة الحسن الثاني، عين الشق كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الجزء الأول، موسم 2000- 2001.

شمس الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، (5 أجزاء)، تحقيق وتقديم عبد الوهاب التازي، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط،، 1417هـ/ 1997م، الجزء الرابع.

محمد عبدو زبير، السيرة الذاتية لأحمد بابا التمبكتي، ( 1556- 1627)، مجلة أحمد بابا التمبكتي، بحوث الندوة التي عقدتها منظمة إسيسكو بمناسبة أربعة قرون على ولادته، مراكش 22- 25 صفر 1412هـ/ 2-5 شتنبر 1991م.

محمود كعت، تاريخ الفتاش في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس، تحقيق: هوداس ودولافوس، أنجي بريدن، 1913.

محمود إسماعيل، الخوارج في بلاد المغرب حتى منتصف القرن الرابع الهجري، دار الثقافة، الطبعة الثانية، الدار البيضاء، 1406هـ/ 1985م.

نعيم قداح، إفريقيا الغربية في ظل الإسلام، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، الجزائر، 1975.

ناصر الدين سعيدوني، من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي، تراجم جغرافيين ومؤرخين ورحالة، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت، 1999م.

الهادي المبروك الدالي، مملكة مالي الإسلامية وعلاقتها مع المغرب وليبيا، دار الملتقى للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 2001م.

الهادي المبروك الدالي، التاريخ السياسي والاقتصادي لإفريقيا فيما وراء الصحراء من نهاية القرن الخامس عشر إلى بداية القرن الثامن عشر، الدار المصرية الللبنانية، الطبعة الأولى، ربيع الثاني 1420هـ/ غشت 1999م.

 

بقلم: د .الحسين حديدي، استاذ باحث في التاريخ، من المملكة المغربية.

المصدر: قراءات إفريقية