الإسلام في شرق أفريقيا وأفريقيا الوسطى

  • رقم الخبر 2733
  • المصدر: مرکز دائرة المعارف الإسلامیة الکبری

المخلص تعد قارة أفريقيا، قارة كبيرة ذات تعدديات ثقافية و مدنية متنوعة للغاية وقد كانت أجزاء منها غير معروفة لسكان آسيا و أوروبا حتى القرون الأخيرة، على أن قسماً لايستهان به من أجزائها المعروفة كان محاطاً دوماً بهالة من الغموض و الإبهام.


الإسلام في شرق أفريقيا وأفريقيا الوسطى: تعد قارة أفريقيا، قارة كبيرة ذات تعدديات ثقافية و مدنية متنوعة للغاية وقد كانت أجزاء منها غير معروفة لسكان آسيا و أوروبا حتى القرون الأخيرة، على أن قسماً لايستهان به من أجزائها المعروفة كان محاطاً دوماً بهالة من الغموض و الإبهام. و بشكل عام تعود الآثار التاريخية التي كتبها السكان الأصليون في الجانب الآخر من الصحراء و قسم كبير من شرق أفريقيا، إلى العصور القريبة، بل إن المشكلة الأولى التي تواجه أي باحث في التاريخ الداخلي للقارة هي عدم وجود المصادر المحلية القديمة و لذلك، فإن قلة المعلومات حول كيفية و مدى انتشار الإسلام في داخل القارة في القرون الأبعد، لاتعني بالضرورة محدودية هذا الانتشار.

الإسلام في النيل الأعلى و القرن الأفريقي: يجب اعتبار هجرة مجموعة من المسلمين في أوائل دعوة الرسول الأعظم (ص) من مكة إلى الحبشة، أول مرحلة لنفوذ الإسلام في أفريقيا، خاصة مع الاستقبال الحار للنجاشي ملك الحبشة و الذي ذكرت المصادر التاريخية الإسلامية، ربما من باب المبالغة، إسلامه أيضاً (ظ: الطبري، وقائع سنة 6ه‍ (، و لاتلاحظ بعد وفاة النبي (ص) رغبة لدى الخلفاء في فتح ذلك البلد، رغم قربه من البلاد الإسلامية، في حين أن الحكم الملكي المسيحي للحبشة، كان يجبر الخلفاء من خلال القيام ببعض التحركات العسكرية في شريط الحجاز الساحلي، على أن يبعثوا قوات محدودة إلى سواحل الحبشة عن طريق البحر على مستوى التصدي (مثلاً ظ: ابن الأثير، 2/569؛ أيضاً، الصبي، 135).

و فيما يتعلق بمنطقة النيل يجب القول إن عمرو بن العاص قائد جيش مصر أرسل على أثر فتح مصر في 20ه‍ ، قسماً من جيشه إلى الجنوب كي يطيح بالحكم الملكي المسيحي للنوبة، و يضم تلك المنطقة إلى ممتلكاته، و لكن هذا التحرك قوبل بمواجهة عنيفة من قبل أهالي النوبة، و عادت المجاميع المرسلة إلى مصر دون نتيجة (ظ: البلاذري، 238؛ ابن الأثير، 2/567). و في عهد الخليفة الثالث، في 31ه‍ فشل تحرك عسكري آخر على حدود النوبة قام به عبدالله بن سعد بن أبي السرح إلى مصر، و عقدت على إثره معاهدة صلح أخرى مع ملك النوبة (ظ: ابن‌عبد‌الحكم، 188-189؛ البلاذري، 238-239؛ ياقوت، مادة د‌مقلة). و قد هيأت هذه المعاهدة التي بقيت ثابتة و محترمة طيلة قرون طويلة أرضية مناسبة لأن يمهد المسلمون سبيل انتشار الإسلام في منطقة النيل الأعلى بموازاة توسيع نفوذهم الاقتصادي والتجاري في المنطقة، خلال عصور طويلة و بشكل سلمي. و هناك حكايات متفرقة، مثل حادثة هجرة أبي الزوايد محمد بن عبدالله بن الحسن المكفوف الذي كان من السادة الحسنيين و على الأرجح، الزيدي المذهب في منتصف القرن 3ه‍ إلِى بلاد النوبة و استقرار أسرته في تلك المنطقة (ظ: ابن عنبة، 183؛ أيضاً بدوي، 116)، يمكن أن تكون في الحقيقة دلائل على نفوذ الثقافة الإسلامية التدريجي في المنطقة.

و يمكن أن تكون بلاد البجة الواقعة في الحد الفاصل بين النيل و البحر‌الأحمر في منطقة واسعة من النيل الأعلى، في النظرة الأولى أرضية أخرى للفتوح الإسلامية في ماوراء مصر، و أما في المصادر التاريخية فقد دارالحديث عن انعقاد صلح بين المسلمين و ملك البجة في نفس فترة الصلح مع النوبة، دون إشارة واضحة إلى النزاعات التي حدثت في هذه المنطقة (ابن‌عبدالحكم، 189؛ أيضاً ابن الأثير، 7/77). و يبدو أن نطاق نفوذ الخلافة لم‌يمتد أبداً إلى داخل منطقة البجة، و أن هجوم محمد بن‌‌عبدالله القمي بأمر المتوكل العباسي على عاصمة البجة في 241ه‍ ، إنما حدث بهدف السيطرة على هجمات المغيرين من البجة على مصر العليا، والمحافظة على أمن المسلمين في مستوطنات مناجم الذهب في البجة، و لم‌يكن الهدف منها الإطاحة بمملكتها، بل التوصل إلى سلام دائم معها (ظ: البلاذري، 239-240؛ ابن‌الأثير، 7/77-79؛ أيضاً للنزاعات الأخرى، ظ: شقير، 2/62-66).

و في عقد الثمانينيات من الهجرة يلاحظ مسعى آخر لتوسيع رقعة حكم الإسلام في شرق أفريقيا: فعندما وجد الخليفة الأموي عبدالملك الفرصة مناسبة لحركة جديدة من الفتوح، جعل سواحل الحبشة في أفريقيا هدفاً لفتوحه تزامناً مع التقدم في رقعة الإمبراطورية البيزنطية، و تمت السيطرة على جزر دهلك، و قسم من الشريط الساحلي في منطقة المصوّع في جنوب بلاد البجة (ظ: الصبي، ن.ص؛ أيضاً ياقوت، مادة دهلك).

و فيما يتعلق بنفوذ الإسلام في سواحل الصومال الجنوبية وبناء مدينة مقاديشو، تفيد الروايات بأن التجار المسلمين وصلوا إلى هذه المنطقة في عهد عبدالملك بن مروان (حك‍ 65-86ه‍( و بنى المسلمون المهاجرون التجار منهم و المعارضون الهاربون، مدينة مقاديشو في القرون اللاحقة. و استناداً إلى المصادر الروائية، فقد سادت هذه المنطقة أولاً قبيلة من القحطانيين (تشرولي، 14-15؛ كوك، 491، 499؛ آرنولد، 249-250).

كان استيلاء الخلافة على منطقة المصوع الساحلية، بداية النفوذ الاقتصادي المتزايد للمسلمين في مناطق القرن الأفريقي الداخلية، حيث لفتت مناجم الذهب فيها بشكل خاص أنظار التجار، و أدت إلى ظهور مستوطنات المسلمين ذات الحكم الذاتي فيها. وفي مناطق القسم الجنوبي من بلاد البجة، كان المهاجرون المسلمون قد سكنوا في أطراف مناجم الذهب في هجر و المناجم الأخرى، حيث كان هناك علماء يتواجدون بينهم أيضاً (ظ: المسعودي، 1/ 438؛ الصبي، 95  و مابعدها). و يمكن مقارنة هذه الأوضاع مع مكانة المسلمين الاقتصادية في النوبة، حيث كانوا يسيطرون في هذه الفترة على قسم مهم من الزراعة و التجارة في هذه المنطقة (المسعودي، 1/443، 447). و من الواضح أن هذه العلاقة لم‌تكن ذات اتجاه واحد، و على سبيل المثال، فقد تبقت من أوائل القرن 4ه‍ وثائق تتمثل في نقوش تشير إلى هجرة بعض أهالي النوبة المسلمين إلى مصر العليا و أحياناً السفلى (مثلاً ظ: «تقرير... »، III/121,126,191).

و من حيث التركيبة الدينية، ظلت المسيحية و أديان عبّاد الطبيعة2 تتمتع بالأغلبية طيلة القرون 2-4ه‍ ليس في الحبشة وحسب، بل في منطقتي النوبة و البجة أيضاً (ظ: اليعقوبي، 335-337؛ ابن الفقيه، 74)، و لكن اتساع نفوذ المسلمين الاقتصادي والثقافي كان قد أحداث مسيرة تدريجية في تحول المنطقة إلى منطقة إسلامية، بحيث أن عدد المسلمين من جهة مع حركة الهجرة من الشمال و الشرق، و الاعتناق المتنامي للإسلام بين السكان الأصليين غير المسلمين من جهة أخرى، كان قد اتجه نحو التنامي.

و في القرن 6ه‍ ، تحولت إمارة شوا المسلمة في الجزء الشرقي من ارتفاعات الحبشة إلى منافس للحكم المسيحي الآيل إلى السقوط و الذي كان مايزال يسيطر على الجزء الغربي (ظ: مك‌أيودي، 78). و في حدود سنة 530ه‍ ، تأسست في جزر دهلك سلطنة مسلمة مستقلة (ظ: كوك، 461). كانت تعرف في النقوش التي تم العثور عليها في هذه الجزر باعتبارها «حارسة ثغور بلاد الإسلام» (ظ: «تقرير»، IX/113,184). و في هذا القرن أيضاً، اكتسب ميناء زيلع المهم، طابعاً إسلامياً (ظ: أبو حامد، 44)، و في القرن 7ه‍ ، أصبح يُعرف كجزء من دارالإسلام (ظ: ياقوت، مادة زيلع).

و في القرن 6ه‍ ، كان عدد المسلمين بين القبائل الصومالية، يساوي عدد غير المسلمين (ظ: مك أيودي، ن.ص). و في القرن التالي، كانت مستوطنة مقاديشو المسلمة، تدار باعتبارها دولة ‌ مدينة، حيث كان «المتقدمون» يديرون شؤنها (ظ: ياقوت، مادة مقدشو؛ أيضاً ابن بطوطة، 254-257؛ كوك 491؛ أيضاً حول عدة نقوش تاريخية، ظ: تشرولي، 2-9). يجدر ذكره أن عدداً من السلطنات المسلمة الأخرى كانت قد ظهرت في القرن الأفريقي في القرنين 6و7ه‍ (كوك، 462)؛ فقد ذكر پولو في النصف الثاني من القرن 7ه‍ ، خلال حديثه عن 6 ملوك صغار في الحبشة؛ أن 3 منهم مسلمون، 3 آخرين بالإضافة إلى الملك الكبير مسيحيون، وأشار إلى أن رقعة نفوذ السلاطين المسلمين امتدت حتى منطقة عدن (ظ: «رحلة3...»، 398-399)، و قد ألف المقريزي كتاب الإلمام بأخبار من بأرض الحبشة من ملوك الإسلام حول هذه الأسر الحاكمة (ظ: حاجي خليفة، 1/ 158).

أدى انتشار نطاق الإقبال على الإسلام و مواجهة المملكة المسيحية للحبشة لهذا التيار في القرن 8ه‍ ، إلى ظهور سلسلة من الحروب الجهادية ضد المسيحيين في المنطقة بلغت ذروتها في العقدين الأخيرين من القرن 8 و النصف الأول من القرن 9ه‍  (ظ: كوك، 463). و قد دخلت هذه الموجة الجهادية مرحلة جديدة في القرن 10ه‍ ، و ضمت أجزاء من الحبشة إلى دارالإسلام (عرب‌فقيه، 6 و مابعدها؛ أيضاً كوك، 464 و ما بعدها). و كان الحدث المميز لهذه السلسلة من الحروب الجهادية فتح مدينة هَرَر التي مالبثت أن تحولت إلى عاصمة السلطنة المسلمة و المستقلة، وإحدى أهم قواعد نشر الإسلام في القرن الأفريقي و لقبت ب «مدينة الأولياء» (ظ: فاغنر، 269 و مابعدها، عن سلاطين هذه السلالة، ظ: باسيه، 240 و مابعدها؛ لبعض المسكوكات، ظ: فهرسة...1»، V/118,X/54). و قد تحدث يحيى نصرالله في كتابه التاريخي ‌ القصصي فتح مدينة هرر2، و كذلك شهاب‌الدين أحمد عرب فقيه في تحفة الزمان (ظ: المصادر)، عن هذا التيار الجهادي، بأسلوب تعبيري ملحمي و بمنظار ديني تماماً (أيضاً ظ: روسيني، 172-182).

و يجب التذكير خلال العودة إلى الحديث عن بلاد النوبة بأن مملكة دنقلة المسيحية كان نفوذها قد انحسر لصالح الإسلام على مر القرون المتمادية و قد آلت إلى الاضمحلال من الداخل و يدل وجود النقوش الإسلامية في عاصمة النوبة (دنقلة)، منذ أوائل القرن 7ه‍ (مثلاً ظ: «تقرير»، X/167)، على نفوذ الإسلام في داخل منطقة أهالي النوبة، و رغم أن هجوم مماليك مصر على دنقلة في 675ه‍ ، لم‌يؤد إلى سقوط هذه المملكة، إلا أنه هيأ الأرضية لانهيار هذه الدولة (ظ: شقير، 2/52-53؛ أيضاً مك أيودي، 82).

و في 715ه‍ ، تم تعيين سلطان مسلم من قبل مماليك مصر على عرش مملكة دنقلة السابقة، و لكن إعمال هذا النفوذ الخارجي لم‌يتمخض عن نتيجة دائمة، فبعد بضع سنوات، أمسك بزمام الأمور في دنقلة عرب جهينة الذين كانوا قد استوطنوا المنطقة قبل ذلك بفترة طويلة، و استولوا على منطقة النوبة النيلية وأجزاء أكثر عمقاً في مراعي دارفور و كردفان (ظ: م.ن، 84).

و منذ القرن 9ه‍ ، اشتدت موجة الإقبال على الإسلام في السودان الشرقية، و ضمت هذه المنطقة إلى دار الإسلام من خلال التقدم التدريجي و البعيد المدى، و هي حركة يجب أن لانغفل فيها بالتأكيد دور دعاة الصوفية من الطرائق المختلفة (ظ: الفضلي، 5 وما بعدها؛ أيضاً بكر، 153 و مابعدها؛ لوك، 421 و مابعدها).

الإسلام في سواحل أفريقيا الشرقية: خلال الحديث عن نفوذ الإسلام في سواحل أفريقيا الشرقية، يجب أولاً أن نذكر المستوطنات المسلمة في سواحل كينيا و تنزانيا و موزمبيق الحالية، خاصة في المينائين القديمين كلو و سفالة، و كذلك في جزيرة زنجبار و التي كان يسكنها أناس من البلدان العربية و إيران، و الذين كان من الممكن أن يوجد بينهم أتباع المذاهب الإسلامية المختلفة من شيعة إباضية، و مذاهب أهل السنة طبعاً وقد نقلت روايات مختلفة في المصادر فيما يتعلق بالموجة الأولى لدخول الإسلام في المنطقة و استناداً إلى أحد التواريخ العربية المحلية و الذي حصل عليه البرتغاليون في 1505م، فقد كانت أول مجموعة مسلمة سكنت منطقة كلو، تتبع شخصاً من السادة العلويين يدعى زيداً و لذلك عرفت باسم «آمودزيخ» (أمة زيد) (ظ: آرنولد، 249). و تحدثت رواية أخرى عن هروب أمير فارسي يدعى علي بن السلطان حسن الشيرازي، إلى بلاد الزنج جراء معارضة الحكومة المركزية، حيث نسب تأسيس مدينة كلو إليه (م.ن، 250).

كما تجب الإشارة إلى هجرة ابني الجلندى إمام عمان الإباضي و الذين سلكا طريق بلاد الزنج بعد هزيمتهما أمام الفاتحين العباسيين في 134ه‍ )ظ: بدوي، 115) و أخيراً تمكن الإشارة إلى أسطورة حول أسلمة ملك الزنج في الأسر، و أمره رعيته بالإسلام بعد إطلاق سراحه و جلوسه على العرش من جديد، حيث كانت تتداولها الألسنة في أوائل القرن 4ه‍ (ظ: الرامهرمزي، 42-46). ويرى الباحثون في تاريخ شرقي أفريقيا، أن تحول سواحل هذه المنطقة إلى مناطق إسلامية كان حصيلة حركة طويلة منذ القرون 1-4ه‍ (ظ: إيلاريونف، 82-91). و رغم أن الإشارات التي وردت عن حياة المسلمين السياسية في هذه المناطق، في الآثار الإسلامية المتقدمة قليلة للغاية، إلا أنها ليست معدومة. و على سبيل المثال فقد ذكر المسعودي جزيرة من بلاد الزنج تدعى قنبلو كان سلاطينها مسلمين كابر عن كابر (1/437).

و في القرن 7ه‍ ، قدم ابن بطوطة معلومات مهمة عن أوضاع المسلمين في شرقي أفريقيا، و ذكر في أخباره عن اقتدار سلطان كلو المسلم أبي المظفر الحسن أنه كان قد شن غزوات كثيرة ضد غير المسلمين الزنج (ص 258 و مابعدها؛ أيضاً ظ: «رحلة» 391 و مابعدها). و شهد القرنان 7و8ه‍ ، ذروة النشاط التجاري للمستوطنات الإسلامية في شرق أفريقيا، و على إثر اتساع نفوذها، بلغت مجموعة من المهاجرين المسلمين جزر كومور سنة 750ه‍ استناداً إلى بعض المصادر (ظ: مك أيودي، 86؛ قا: كوك، 621). و قد تناول فرن في مقالة كيفية دخول الإسلام جزر كومور على أساس الروايات الشفوية3.

الإسلام في قرن أفريقيا الغربية و الوسطى: أقام التجار المسلمون  و غالبيتهم من المالكيين و الإباضيين  طيلة القرون 2-4ه‍ ، و الذين كانوا قد جابوا الصحراء، علاقات تجارية متينة مع مناطق غربي السودان و وسطه مثل غانة و مالي و سنغاي و كانم و كانوا أول الدعاة إلى الإسلام في المناطق الداخلية من غرب أفريقيا (ظ: لويتسكي، 1-27؛ كوك، 137). وقد كان البعض من هؤلاء التجار مثل علي بن يخلف، العالم الإباضي، دعاة مقتدرين، حيث استطاعوا أن يحملوا بعض ملوك مالي وسنغاي على اعتناق الإسلام، و يهيؤوا الأرضية المناسبة لانتشار الدعوة الإسلامية (ظ: الدرجيني، 2/517- 518؛ الشماخي، 2/115؛ أيضاً آرنولد، 232). و قد كانت مدينة تادمكة في جبال أَدرار من أقدم المراكز الإسلامية في ماوراء الصحراء، حيث كان قد ولد فيها أبوزيد النكاري الذي كان من رجال الإباضية المعروفين (ابن‌حماد، 18؛ أيضاً ابن خلدون، 4/84).

و في القرن 5ه‍ ، كانت فرقة المرابطين المسلمة التي كانت تدار في البدء من رباط سري في إحدى جزر تدرا في أطراف سواحل موريتانيا على الأرجح، قد كسبت إلى جانبها في أوائل سنة 442ه‍ ، غالبية قبائل بربر صنهاجة. و مالبثت هذه القوة الجديدة أن وسعت من نطاق سيطرتها عبر الاستيلاء على سجلماسة في 446ه‍/1054م و أودغست في 447ه‍/1055م باتجاه الجنوب. و قد تحالف المرابطون مع زنوج تكرور في سنغال الوسطى و الذين كانوا قد اعتنقوا الإسلام قبل ذلك بجيل (ظ: أبوعبيد، 172)، و سيطروا لفترة (448-475ه‍( على جزء واسع من منطقتي غينياً و سنغاي (ظ: كوك، 165؛ مك أيودي، 73، 74؛ آرنولد، ن.ص؛ عن منطقة نفوذ الإسلام في هذه الفترة، ظ: أبوعبيد، 172-183).

و في القرن 6ه‍ ، أسلم في السودان الوسطى ملوك كانم السيفائيون، و لكن إسلامهم كان على إثر الدعوة التي كانت بلغتهم من مصر (مك أيودي ، 78؛ آرنولد، 234). و في نيجريا العليا أيضاً، أسلم كانبورو ملك بلاد جني في أواخر القرن 6ه‍ ، و اتبعه في ذلك سكان المدينة (م.ن، 232). و استناداً إلى مايلوح من رسالة شاذان بن جبرائيل في تعيين القبلة، فقد كان للإسلام انتشار نسبي في القرن 6ه‍ من منطقة زغاوة في غرب النوبة وحتى تكرور في السنغال (ظ: شاذان، 80؛ أيضاً عن عدة نقوش إسلامية من أفريقيا الوسطى في هذا القرن، ظ: «تقرير»، VIII/83-84,IX/234-235).

و في القرن 7ه‍ ، ازداد نفوذ الإسلام في المنطقة، مع تشكيل دولة مالينكة الإسلامية في مالي، و نظيرتها في مندينغو في غينيا (ظ: آدديران، 63-73؛ مك أيودي، 81؛ آرنولد، 233) و في القرن التالي، أصبح جميع الشريط الساحلي في السودان الغربية من السنغال و حتى بحيرة تشاد جزء من دارالإسلام (ظ: ابن بطوطة، 680 و ما بعدها، أيضاً مك أيودي، 86). و في العهود التالية وصلتنا معلومات عن انتشار الإسلام في البرنو (نهاية القرن 8ه‍(، في منطقة قبائل الهوسة (القرن 9ه‍( ودارفور (أوائل القرن 11ه‍( (بدوي، 139-140؛ آرنولد، 234-236). و بعد القرن 10ه‍ ، أصبح للإسلام موضع قدم في السلطنات الأخرى الواقعة بين كردفان و بحيرة تشاد (ن.ص).

و رغم أن سلطنة تمبوكتو المسلمة في قلب مالي تم إضعافها بشدة من قبل حكام مراكش (مثلاً ظ: المحبي، 1/170). و لكن هجرة البدو المسلمين و الهجرة الأولى للفولانيين من السودان الغربية باتجاه المناطق الجنوبية من بحيرة تشاد، و هجرة عرب شوا من منطقة الفونج في النيل الأعلى باتجاه الغرب و حتى جنوب بحيرة تشاد (ظ: مك أيودي، 113-114)، كل ذلك حال دون أن تتغير الأوضاع بضرر انتشار الإسلام، رغم انعدام الثبات السياسي في السودان الغربي. و في القرنين 12و13ه‍ ، انتهت المسيرة الجهادية الطويلة للفولانيين، باتساع نفوذ الإسلام السياسي في السودان الغربي و السودان الأوسط، و تأسيس حكومات إسلامية في 3 مناطق هي فوته تورو و فوته جالون وخاسو في السنغال (ظ: م.ن، 130).

 

المصادر:

آرنولد، توماس، تاريخ گسترش إسلام، تج‍ : أبوالفضل عزتي، طهران، 1358ش؛

ابن الأثير، الكامل؛

ابن‌بطوطة، رحلة، بيروت، 1384ه‍/1964م؛

ابن حماد، محمد، أخبار ملوك بني عبيد و سيرتهم، الجزائر، 1346ه‍؛

ابن خلدون، العبر؛

ابن‌عبدالحكم، عبدالرحمان، فتوح مصر و أخبارها، تق‍ : توري، ليدن، 1920م؛

ابن‌عنبة، أحمد، عمدة الطالب، النجف، 1380ه‍/ 1961م؛ ابن الفقيه، أحمد، البلدان، تق‍ : دي‌خويه، ليدن، 1885م؛ أبو حامد الغرناطي، محمد، تحفة الألباب، (ظ: مل ، فران)؛

أبوعبيد البكري، عبدالله، المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب، تق‍ : دوسلان، الجزيرة، 1857م؛

بدوي، عبده، مع حركة الإسلام في أفريقية، القاهرة، 1970م؛

البلاذري، أحمد، فتوح البلدان، تق‍ : رضوان محمد رضوان، القاهرة، 1398ه‍/1978م؛

حاجي خليفة، كشف؛

الدرجيني، أحمد، طبقات المشايخ بالمغرب، تق‍ : إبراهيم طلاي، قسنطينة، 1394ه‍/1974م؛

الرامهرمزي، بزرگ، عجائب الهند، تق‍ : محمد سعيد الطريحي، بيروت، 1407ه‍/ 1987م؛

شاذان بن جبرائيل القمي، «إزاحة العلة في معرفة القبلة» بحار الأنوار، بيروت، 1403ه‍/1983م، ج 81؛

شقير، نعوم بك، تاريخ السودان، القاهرة، 1903م؛

الشماخي، أحمد، السير، تق‍ : محمد بن سعود السيابي، مسقط، 1407ه‍/1987م؛

الطبري، تاريخ؛

عرب فقيه، أحمد، تحفة‌الزمان (فتوح الحبشة)، تق‍ : فهيم محمد شلتوت، القاهرة، 1974م؛

الفضلي، محمد ضيف‌الله، الطبقات في خصوص الأولياء و الصالحين و العلماء و الشعراء في السودان، بيروت، المكتبة الثقافية؛

كوك، جوزيف م.، مسلمانان أفريقا، تج‍ : أسد‌الله علوي، مشهد، 1373ش؛

المحبي، محمد أمين، خلاصة الأثر، القاهرة، 1284ه؛

المسعودي، علي، مروج الذهب، تق‍ : يوسف أسعد داغر؛

بيروت، 1385ه‍/1966م؛

مك أيودي، كالين، أطلس تاريخي أفريقا، تج‍ : فريدون فاطمي، طهران، 1365ش؛

ياقوت، البلدان؛

اليعقوبي، أحمد، البلدان، تق‍ : دي‌خويه، ليدن، 1892م؛ و أيضاً:

Adediran, B., »Islam and State-Formation in West-Africa: the Experi-ence of Malic. 1200-1450«, Islamic Culture, 1984, vol. LVIII; Basset, R., »Chronologie des rois de Harar (1637-1887)«, JA, 1914; Becker, C. H., »Zur Geschichte des östlichen Sūdān«, Der Islam, 1910, vol. I; Catalogue of Oriental Coins in the British Museum, Lone-Poole, London, 1880; Cerulli, E., »Iscrizioni e documenti arabi per la storia della Somalia«, RSO, 1926-1928, vol, XI; Conti Rossinin, C., »Postille al Futūħ al-Habašah«, Le Muséon, 1946, vol. LIX; Ferrand, G., »Le Tuhfat al-Albab«, JA, 1925, vol. CCVII; Illarionov, N.S., »Islamizatsiya Vostochnoi Afriki v VII-X vv, i etnokul’turnaya istoriya suakhili«, Narody Azii i Afriki, 1982, vol. IV; Lewicki, T., »Quelques extraits inédits relatifs aux voyages des commerçants et des missionnaires İbāĐites nord-africains au pays du Soudan occidental et central au moyen âge« , Folia Orientalia, 1960-1961, vol. II; Répertoire chronologique  d’épigraphie arabe, ed , E. Combe  et  al. , Cairo , 1943-1944; Sabby, O.S., The History of Eritrea, Beirut, 1974; The Travels of Marco Polo, ed. W. Marsden, re-edited by Th. Wright, London/New York, 1946; Wagner, E., »Eine Liste der Heiligen von Harar«, ZDMG, 1973, vol. CXXIII.

 

بقلم: أحمد پاكتچي