التنصير الحديث في أفريقيا وخلفيته التاريخية وبعض وسائله(1)

  • رقم الخبر 2812
  • المصدر: defense-arab.com

المخلص تهدف هذه الورقة إلى شرح ومعرفة بعض الوسائل الحديثة التي اتخذتها المنظمات التنصيرية والكنائس في أفر يقيا لتنصير المسلمين خاصة.


تهدف هذه الورقة إلى شرح ومعرفة بعض الوسائل الحديثة التي اتخذتها المنظمات التنصيرية والكنائس في أفر يقيا لتنصير المسلمين خاصة وذلك أولاً بمعرفة الخلفيات التاريخية التي أدت إلى هذه الوسائل العصرية الحديثة ثم معرفة بعض هذه الأساليب ثم بعد ذلك تحاول الورقة اقتراح بعض التوصيات التي يمكن أن توقف هذا الزحف ألتنصيري على ديار المسلمين وسوف تتخذ الورقة ثلاث محاور: المحور الأول هو الخلفية التاريخية التي قد تؤدي إلى فهم المقاصد والدوافع والأساليب التي تتخذها حركة التنصير في إفريقيا والمحور الثاني يتحدث عن بعض وسائل التنصير الحديث والمحور الثالث يتناول المقترحات والتوصيات التي يمكن أن تساعد في مواجهة هذا الخطر التنصيري الداهم على بلاد المسلمين في إفريقيا.

 

1- الخلفية التاريخية:

يبدأ تاريخ التنصير في إفريقيا، ربما منذ ظهور المسيحية أي في القرن الأول الميلادي، منذ أن أسس القديس ماركس الإنجيلي كنيسة الإسكندرية وقد مرت حركة التنصير بتطورات ومراحل عدة منذ ذلك الزمن ولازالت حتى الوقت الحاضر تتطور وتتفاعل وتغير في أسلوبها مع تغير الظروف والمستجدات والأحداث ولكنها مع ذلك ظلت في جوهرها هي حركة التنصير والتي عناها النصارى الأول وهي نشر (بشارة الملكوت) أي الإنجيل وإيصالها لغير المؤمنين بها بغية إدخالهم في بيت (المسيح الرب) وتعميدهم وتنصيرهم ومنذ أن ظهر الإسلام في القرن السابع الميلاد ي في جزيرة العرب ثم بدأت حركة انتشاره الكبرى في العالم القديم بدأ الصراع بينه وبين النصرانية وخاصة في الميدان الإفريقي، وهو صراع مستمر لم تخمد جذونه يوماً من الأيام ولا تزال هذه الجذوة متقدة.

اتصل الإسلام بإفريقيا منذ سنواته الأولى حيث مثلت هجرت المسلمين الأوائل إلى الحبشة أول اتصال بالأرض الإفريقية وكان ذلك قبل أن يدخل الإسلام يثرب (المدينة المنورة) نفسها ثم بدأت موجة الفتوحات الإسلامية الأولى في عهد الراشدين والعهد الأموي فعم نور الإسلام مصر والشمال الإفريقي ثم نفذ عبر الصحراء إلى غرب إفريقيا بواسطة الدعاة والتجار والفاتحين والهجرات وكذلك اتخذ سبيله عبر البحار إلى شرق إفريقيا بواسطة الهجرات التي تدفقت نحو ساحل السواحيلي في شرق إفريقيا.ولم يمض زمن وجيز حتى كان كل حزام السودان من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر وساحل السواحيلي من الحبشة وحتى (صوفالا) قد أصبحت أرض إسلام شيدت فيها دول وممالك ومؤسسات إسلامية وتأصلت فيها دولة الإسلامية وشريعته وفكرة وتقبلت القبائل الوثنية الزنجية دين الإسلام في سهولة ويسر وترحاب حتى إذا ما بدأت حركة التنصير الحديث بعد الكشوفات الأوربية لإفريقيا في غربها وشرقها وجدت الإسلام قد أصبح (ديناً إفريقيا ) تأصلت مبادئه وشرائعه، دولة إ أفريقية وطنية ودعاته وعلماؤه إفريقيون سود وسمر ولذلك ما فتئ أن بدأ الصراع المستر في الأرض الأفريقي كان خياراً إسلامياً وفي صالح الإسلام وذلك للأسباب الآتية:

* بساطة الإسلام التي تتماشى مع الطبع الأفريقي فهو لا يحتاج إلى طقوس وتعقيدات خاصة بالتعميد كما في النصرانية فيكفي أن ينطبق الشخص بالشهادة ليدخل الإسلام وهو أمر عن التعقيدات والحيل اللاهوتية –ولا يحتاج لأي مستوى ذهني معين من الذكاء والفطنة بل يمكن يفهم مدلولة أي شخص.

*شعائر الإسلام المبسطة والملازمة للشخص يومياً مثل الصلاة والوضوء تؤدي إلى ارتباط الإنسان به فالمرء كما يذكر(مونتسيكو) في روح القوانين أكثر ارتباطاً بالدين الحافل بالشعائر لأنها تذكر يومية مستمرة له.

*سماحة الإسلام ومبدأ الحرية السائد فيه وعدم إكراهه للناس ليعتنقوه جعلت الإفريقيين الذين يعشقون الحرية والتي جبلوا عليها، إذ هي جزء من فطرتهم، يقبلون الإسلام ولعل التاريخ يدلنا على سماحة الإسلام وعدم إكراهه للناس، خاصة في إفريقيا، في قصة موسى بن ميمون اليهودي الذي أكرهه الموحدون على الإسلام ثم ارتد وفر إلى مصر فبرأه عبد الرحيم بن علي القاضي الأيوبي ولم يقم عليه حكم الردة لأنه أصلاً أكره على الإسلام.

*الديانات الوثنية التقليدية في إفريقيا بها مايشابه المعتقدات الإسلامية فمعظم القبائل الوثنية في إفريقيا جنوب الصحراء تؤمن بإله واحد يسيطر على الكون ولكنهم يتخذون الأوثان والطوطمية والأسلاف وسطاء، لهذا الإله المتكبر في عليائه فنجد مثلاً قبائل الباميرا في كينيا تسمى هذا الإله الأعظم (فارو) وتسميه قبائل الأشانتي في غانا (نانا) كما يسميه الكيوكيو في كينيا (مولونجو) ويسميه الدينكا في السودان (نيال) كما يسميه (الزولو) في جنوب إفريقيا (كانكوكو).

أضف لذلك أن هناك قصصاً وأساطير عند هذه القبائل الإفريقية نابعة من ديانتهم الوثنية هذه تشبه قصص القرآن الكريم مع الوضع في الاعتبار أن قصص القرآن الكريم هي الحق وتلك أساطير، ولكن تقارب هذه القصص للهدى القرآني يدل على أن الفطرة السليمة تحاول أن تصل إلى الهداية الفطرية السليمة حتى قبل أن يصل إليها دين التوحيد فمثلاً قبائل التشاجا في تنزانيا تري أن الله غضب على أعمال البشر فأهلكهم ماعدا قلة وهذه تشبه قصة طوفان سيدنا نوح عليه السلام كما أن قبائل البامبورت والميرو في كينيا تعتقد أن الله حرم أكل شجرة معينة على الإنسان ولكنه عصى وهذه قصة سيدنا آدم عليه السلام عليه السلام وإلى غير ذلك من هذه القصص التي كانت منتشرة في الأديان الإفريقية ولذلك ربما قربت هذه الحقيقة الشقة بين الإفريقي والإسلام.

*اندمج الإسلام في العادات الإفريقية وأبقى على عادة التعدد في الزواج بعد تنظيمها وأعطى المرأة مكانة سامية ولم يحاول تحطيم الوحدة القبلية الإفريقية يحس أنه مساو لأخيه المسلم خارج إفريقيا وأنه أصبح مرتبطاً بعالم متوحد مترابط ربه واحد وقبيلته واحدة يمتد خارج إفريقيا إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة.

كل هذه المعطيات جعلت الأفارقة يندفعون نحو الإسلام ويعتنقونه في حرية وسهولة ويسر ثم يتغلغل في أفئدتهم وتتعمق جذوره في أنفسهم مما جعلهم يتحمسون له ولدعوته ويستشهدون في سبيل نصرته ومن هذا المنطق فإن الإسلام يبذ النصرانية في كل شئ فهذه معقدة في طقوسها وغريبة عن الطبع الإفريقي ويحملها قوم بيض يختلفون عن الأفارقة في كل شئ حتى كانت عندهم هي (ديانة الرجل الأبيض)، المتعالي في كل شئ وقد شهد بذلك جاك مدلسون في كتابه (الله والرب وجوجو)- لقد اندمج الإسلام بسهولة في الثقافة التقليدية الإفريقية إذ أبقى على التعدد في الزواج مع تنظيمه، إذ أنه لاتوجد مكانة اجتماعية لا مرأة غير متزوجة في إفريقيا ... والهوة ليست سحيفة بين المسلم في إفريقيا والمسلم خارج إفريقيا مثل ماهو موجود بين المسيحية الأوربية والمسيحية الأفريقية وكان الاتصال برجال الدين الإسلامي سهلا ً وميسوراً لوجود المساواة في الإسلام تماثيل لرب أو مسيح أو ملائكة بيضاء أو مريم العذراء أو نصب أو كتب قصص توحي بأن أبطال الخلاص المقدس غير سود.. ويضيف كاتب آخر هو موريلي(E.J.Morale)  أن الإسلام قد طالب الإفريقي بستر العورة، وارتداء الملابس ونظم الأسرة بتنظيم علاقات الزواج والطلاق والميراث ومكانة الأب وعلاقته بالأبن واحترام الكبير..أدخل فن القراءة والكتابة.

*ثم دخلت النصرانية في التاريخ الحديث بعد الكشوفات الجغرافية يحملها الرجل الأبيض (ابرتقال) في غرب إفريقيا وشرقها ومرت في صراعها مع الإسلام بمراحل وتطورات عدة وقد فشلت فشلاً ذريعاً في تنصير المسلمين في غرب إفريقيا وشرقها في مرحلتها الأولى منتصف القرن الخامس عشر وحتى منتصف القرن الخامس عشر وحتى منتصف التاسع عشر حين مارست التنصير المباشر لديار المسلمين ولم ينجح البرتغال الكاثوليك المتعصبون في مهمتهم التنصيرية في ديار المسلمين شرقاً وغرباً وكان أبلغ دليل على فشلها ثورة السلطان يوسف بن الحسن سلطان ممباسا 1630م والذي أخذه البرتغاليون صغيراً إلى مستعمرتهم (قاو) في الهند ونصروه ثم أعادوه شابا إلى ملك أباه بعد أن فرضوا عليه التنصير ولكنه ما إن عاد حتى رجع إلى الإسلام وثار ثورة كبرى ضد البرتغال وبهذا ورغم الحرب الصليبية التي شنها البرتغاليون شرقاً وغربا فإنهم فشلوا فشلا ذريعا طيلة أربعة قرون من الزمان وان أصابوا قليلا من النجاح وسط الوثنيين على سواحل غرب إفريقيا وبعض مناطق الداخل في موزمبيق والجنوب الإفريقي.

بعد ذهاب البرتغال ودخول مذاهب وجنسيات أخرى وبعد ظهر تطورات أخرى في أوربا الغربية أهمها ظهور الثورات الكبرى كالفرنسية والصناعية وظهور تطورات اقتصادية واجتماعية وثقافية كبرى تبعا لذلك مثل حركة تحرير الرق تغير أسلوب التنصير في غرب وشرق إفريقيا ودخلت انجلترا وأمريكا بمذهبهم البروتستانت وكنائسها الحديثة التي بدأت تنافس روما والبابوية في استقطاب المنصرين الجدد ورغم تغيير الأسلوب حيث استعانت كنائس انجلترا بطبقة (الكير ول) الجديدة في غرب إفريقيا وهي طبقة مهمة ثقافياً ومكونة من الأرقاء المحررين في انجلترا وأمريكا ورغم الأسلوب المرن المنفتح الذي اتخذه القس جون لويس كرابق والذي أوفدته الكنيسة الأسقفية الإنجليزية في شرق إفريقيا حين استفاد من أخطاء البرتغاليين ورومي إلى مهادنة المسلمين وخطب ود زعمائهم بل والاتجاه إلى مناطق الوثنيين إلى الداخل إلا أن التنصير مرة أخرى لم يؤت أكله في ديار المسلمين.

وكان الإسلام هو الصحوة التي تكسرت عليها كل محاولات المبشرين لفرس يذره المسيحية وسط المسلمين وإن أفلحوا هذه المرة يفضل دهاء كرايف وأتباعه وحلفائه مثل لفنجستون وستانلي في شرق إفريقيا في يذر يذره المسيحية وسط القبائل الوثنية في كينيا ويوغندا وبعض مناطق وسط وشرق إفريقيا كما أن إرسالية الكنيسة التبشيرية التي ينتمي إليها .كرايف ثم إرسالية الجامعات لوسط إفريقيا والجمعية الجغرافية الإنجليزية التي ينتمي إليها لفنجستون وستانلي كلها قامت بمجهود ضخم في سبيل دراسة البيئة الاجتماعية والطبيعية إضافة لدراسة اللغات واللهجات المحلية والديانات التقليدية الإفريقية، إضافة للدراسات الإثنية والأنتروبلوجية للقبائل الإفريقية المختلفة في المنطقة كل ذلك قدم خدمة ممتازة للجهود التنصيرية الحديثة وهيأت المناخ المناسب لغرس النصرانية بأسلوب (علمي) حديث مختلف عن كل الأساليب السابقة.

* ثم بدأت الهجمة الاستعمارية الشرسة على إفريقيا والعالم الإسلامي بعد أن مهد لها المبشر وعميل الشركة والأنتروبولوجي الذين كانوا ينظرون جمععهم للإفريقي مشروعاً مشتركاً وإن اختلفت أسبقياتهم فكان الإستعمار الأوربي الحديث حلقة من حلقات التنصير ومرحلة من مراحل الحرب الصليبية على الإسلام ولعل هذه الحقيقة تظهر بوضوح في استعمار فرنسا للجزائر إذ دون مواربة أو تموية يصرح كليرمون وزير الحربية الفرنسية غداة احتلال الجزائر سنة 1980م بما نصه: (لقد أرادت العناية الإلهية أن تتأثر حمية جلالتكم للقضاء على ألد أعداء النصرانية، ولعله لم يكن من باب المصادفة أن يدعي لويس (التقي) لكي ينتقم للدين وللإنسانية وربما يسعدنا الحظ لنشر المدنية بين المكان الأصليين وندخلهم النصرانية).

*ما أن ألقى الاستعمار ظله على ديار الإسلام حتى بدأت القوى الأوروبية النصرانية المستعمرة سواء كانت كاثوليك أو أبروتستانت تضرب بمعاولها الهادمة بكل قسوتها قلب الأصالة والهوية الإسلامية للشعوب المسلمة في شتى البقاع التي استعمرتها وخاصة في إفريقيا ولاشك أن ذلك الحصان الأسود للحقد الصليبي على الإسلام الذي مارسته الدول المستعمرة في إفريقيا لا يمكن حصره كاملاً في هذا المجال الضيق ولا لكن يمكن إيراد أمثلة ومعالم وخطوط عريضة وضع حد لحركة الإصلاح الإسلامي بالقوة المسلحة وإجهاض كل حركة وطنية أساسها الدين في مهدها وذلك لإدراك الاستعمار أن القوة الأساسية التي تواجهه في بلاد الإسلام هي الإسلام نفسه وقد جرب ذلك في طول القرن التاسع عشرفي حركات عبد القادر الجزائر ي والسنوسي في ليبيا والخطابي في المغرب والمهدي في السودان وعثمان دلن فوديو في نيجريا وغيرها ولذلك هدف إلى الحيلولة بين المسلمين واتخاذ الإسلام سبيلاً لجهاد الأعداء بالطريقة الواضحة أو المستترة أي بالتخلص من القيادات بالقتل أو بالنفي أوبإجهاض روح الدين بضرب التعليم الإسلامي والحياة الاجتماعية الإسلامية المستندة في كل تفصيلاتها على الإسلام وهذا يتسنى بعزل التعليم الإسلامي و تهميشه وإبعاد الإسلام ماأمكن عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والمعيشي للمسلمين .

2- إعادة تشكيل الخريطة السكانية والبنية الاجتماعية لسكان البلاد كما فعلت فرنسا في الجزائر حين استقدمت المستوطنين الفرنسيين إلى الجزائر التي اعتبرتها جزءاً منها وطردت المسلمين من ديارهم وأراضيهم الخصبة وملكتها الفرنسيين بل سعت إلى اقتلاع الهوية الإسلامية مباشرة حين سنت قانون (التجنس) وفي تونس والذي كان يعني اتخاذ الجنسية الفرنسية ومن ثم تذويب الهوية الإسلامية وقطع الصلة بين المسلمين ودينهم وتراثهم.

3- محاولات الفصل العرقي بين القوميات الإسلامية وإحياء النعرات القبلية في كل مكان دنسته القدم الاستعمارية وقد تخصصت انجلترا في ذلك بقاعدتها المعروفة (فرق تسد) ولعل قانون المناطق المقفولة في السودان كون مثالاً حياً لذلك وكذلك محاولات فرنسا في السنغال لفصل الجنوب عن الشمال ومحاولات إيطاليا في الصومال.

4- ضرب اللغة العربية الظهير المساند للدين الإسلامي ولغة القرآن والتي من غيرها لايمكن أن ينشر الإسلام ويزدهر وقد عرف المستعمرون الصليبيون هذه الصلة العضوية فحاولوا كل جهدهم لإقصاء اللغة العربية من الميدان بجعل الإنجليزية والفرنسية والإيطالية هي اللغة الرسمية للدولة واللغة الفاعلة في المجتمع ولغة الطبقات الحديثة الفاعلة والقائدة في المجتمع وضربوا اللغة العربية في شمال وغرب وشرق ....كما فعلت فرنسا حين أصدرت (الظهير البربري) وأحيت (الأمازيقية) عند البربر وطمست اللغة العربية وكما حد ث في منطقة الهوسا حين استبدلت بالحروف العربية الحروف اللاتينية وفي شرق إفريقيا حين كتبت السواحيلية بالأحرف اللاتينية.

5- فتحت القوى الاستعمارية الباب على مصراعيه للمبشرين النصارى من كل مذهب وملكتهم وسائل التعليم لحد كبير حتى كان 95%من التعليمي في إفريقيا جنوب الصحراء تحت إشراف الكنائس والبعثات التبشيرية وقد هدفت البعثات التبشيرية في تلك المرحلة إلى عدة أهداف منها:

أ- المساهمة الفاعلة في تعليم المسيحيين في الدول الأفريقية مختلف أنواع المعارف الإنسانية التي تمكنهم دون سواهم في المستقبل تسيير دفة الأمور في البلاد .

ب- إعداد طبقة من سكان البلاد الإفريقية إعداداً فكرياً ونفسياً واجتماعيا ليكونوا في خدمة المستعمرين والمبشرين وذلك حتى يمكن نشر المسيحية على أوسع نطاق .

ج- تنصير أكبر عدد ممكن تنصيرا ً مباشرا وذلك حتى تتغير التركيبة السكانية نهائياً في صالح النصرانية وقد وضعت القوى الصليبية مخططاً حاذقاً لهذا الأمر كما يبين مؤتمر القاهرة التنصيري الذي عقد سنة 1906م والذي وضع توصيات محددة للتنصير الصريح للمسلمين في أفريقيا حين أوجب على المنصر أوالمنصرة واجبات ملزمة نذكر بعضاً منها وهي:

- تعلم اللهجات المحلية ومصطلحاتها .

- مخاطبة العوام على قدر عقولهم .

- العلم بآيات القرآن ومعرفة الإنجيل .

- دراسة القرآن الكريم للوقوف على....مافيه .

- إقناع المسلمين بأن النصارى ليسوا أعداء لهم .

- زيارة المنصرات لبيوت المسلمين والاجتماع بالنساء وتوزيع المؤلفات والكتب التنصيرية.

كذلك في ذات السياق كان الأسقف(ديل) قد خاطب المؤتمر السادس لإرسالية الجامعات لوسط إفريقيا (UMA)المنعقد سنة 1896م بضرورة تعلم القرآن الكريم وقرائته بطلاقة كما يفعل المسلمون وذلك حين لمس جهل المبشرين الفاضح في شرق إفريقيا حين كان يواجههم علماء المسلمين في الاجتماعات العامة في ممبسا وغيرها من بلدان شرق إفريقيا.

6- من أهم ما قام به المستعمرون في محاولة طمس الهوية الإسلامية للدول الإفريقية المسلمة وغيرها من فرضهم لطريقة حياتهم ونظمهم الغربية(العلمانية)المنفلتة عن الدين أصلاً فأشاعوا طريقة حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في تلك البلاد المغلوبة على أمرها بغية تغريبها (وعلمنتها)وفصلها عن تراثها الإسلامي وهذا أمر يطول شرحه ولكن المستعمرين أفلحوا حقيقة في تخريب كثير من المجتمعات الإسلامية وهز ثوابتها وذرع إسفين بينها وبين ماضيها العريق حيث كان الإسلام يشكل نظام الحياة كلها وكان هو الدين والدولة حيث كانت الدنيا مطية الآخرة والطريق لها وقد حاولت الحركات الإسلامية الجادة في القرن التاسع عشر والتي أشرت إليها أعلاه وصل المسلمين بماضيهم ولمن الصليبيين لأدركوا ذلك فسلطوا عليها الاستعمار وأجهضوا المحاولة التي كانت إن تنجح خاصة في الجزائر.

*كل ماذكر أعلاه يصلح لأن يكون خلفية للوسائل الحديثة التي اتخذت لتنصير المسلمين خاصة ولاختراق صفوفهم في الفترة الاستعمارية وما يعادلها.

 

2- بعض وسائل التنصير الحديث في أفريقيا:

أولاً: قبل البحث في هذه الوسائل لابد من الإشارة لبض التنبيهات:

*الوسائل التي اتخذها النصارى للتنصير وسط الحاضر و(تحت قاعدة أن لم تستطع تنصيرهم فدمرهم) وكذلك اتخذ المبشرون كل وسيلة ممكنة لإبعاد المسلمون من دينهم.

*رغم كل هذا الجهد الجبار من قبل الحلف ألتنصيري الاستعماري ضد المسلمين فإنهم لم يفلحوا في تحقيق النتيجة التي يصبون إليها، فرغم كل شئ استغلت الجزائر 1962م وطردت الفرنسيين ورغم اللسان العجمي الذي أفلح الفرنسيون في فرضه خلفا للسان العربي المبين خرجت جماهير الجزائر المسلمة غداة اتفاقية (أيفيان) في مسيرات هادرة وهي تنشد (يا محمد مبارك عليك الجزائر رجعت إليك) وكذلك نجحت ثورة الدراويش بقيادة الثائر العالم المسلم محمد بن عبد الله الحسن في شمال الصومال سنة 1912م وأجبرت الإنجليز على على ترحيل المبشرين من شمال الصومال إلى مناطق أخرى كما أن الثقافة الإسلامية رغم كل شئ ظلت هي ثقافة الناس القومية وكانت سلاحهم في مقاومة الاستعمار بل الأغرب من ذلك أنه في واقع الأمر قد ازداد انتشار الإسلام في بعض مناطق إفريقيا خاصة في مناطق كينيا ويوغندا وتنزانيا تحت الوضع الاستعماري مستغلاً استقرار الأمن وازدهار التجارة وتعبيد الطرق، وانتشر بقوته الذاتية بواسطة التجار والعلماء وربما تمثل مجهودات الشيخ محمد الأمين القرشي في جبال النوبة في السودان دليلاً ساطعاً على ذلك.

*هذا التمسك من جانب المسلمين بدينهم وهويتهم رغم كل ماحدث يفسر إلى حد كبير اتخاذ المنصرين لوسائل خفية وغير مباشرة لتحقيق مآربهم ويفسر يأس أكبر رواد التنصير في العصر الحديث صمويل زويمر الذي ترأس مؤتمر القدس أيضاً سنة 1935م ذلك المؤتمر الذي أعقب مؤتمر المسلمين الذي قاد الحاج أمين الحسني في القدس أيضاً سنة 1931م، حيث يذكر ذلك المبشر صموئيل زويمر بالنص (إن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية، ليست إدخال المسلمين في المسيحية فإن في هذا هداية لهم وتكريما، وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام، ليصبح مخلوقاً ٍلاصلة له بالله وبالتالي فلا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتهم، وبذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية).

*إذن تغير الدافع من نشر النصرانية إلى تدمير المسلمين وقطعهم عن هويتهم بأي وسيلة ممكنة وفي الواقع أن النصارى ينطلقون من الحقد الصليبي الأسود على الإسلام الذي مثلته إيطاليا في طرابلس الغرب وفرنسا في تونس والجزائر وانجلترا في جنوب السودان والغريب في الأمر أن النصرانية ليست لها سلطة تذكر في أوروبا فقد انقلبت عليها الدولة وسحبت من تحتها البساط منذ أن رفع ثوار الثورة الفرنسية شعار (اشنقوا آخر إقطاعي بأمعاء آ خر قسيس)ومنذ الانفصام الشهير بين الكنيسة والعلم في أوائل عهد النهضة كما أن الكنيسة فشلت في تقديم أي حلول للمشكلات الاجتماعية والأخلاقية والخطيرة في المجتمعات الأوروبية فوقفت عاجزة أمام سيل العلمانية الجارف والانحدار الأخلاقي المريع ووقفت عاجزة أمام انتشار جرائم القتل والمخدرات والانتحار والتفكك الأسري والاقتصادي واللواط بل إن كثيراً من دول أوروبا ومنها إنجلترا قننت الشذوذ وأباحته بإصدار القوانين التي تبيح زواج الرجل بالرجل الخ ورغم عجزها هذا لم تفلح إلا في عداء الإسلام والكيد للمسلمين ومحاولة تنصيرهم حتى ولو أدى الأمر إلى تحالفها مع اليهود أعدائها التاريخيين والعقائديين كما يحدث الآن، وتركت أوروبا نهباً للإلحاد والفساد.

*يلاحظ أن حركة التنصير المعاصرة وخاصة بعد مؤتمر جلين أري بولاية كلورا دور 1978م قد قيمت الوضع من جديد وأدت مرة أخرى لمحاولة التنصير المباشر في ديار المسلمين وذلك بعد أن كادت تيأس في مؤتمر القدس 1935م قد نجح في ضخ جرعة علمانية مركزة وسط المسلمين ساعدت في هز ثوابتهم وصرفتهم عن الانتباه لما يحاك لهم كما أن الوسائل التنصيرية الخفية قد باتت تؤتي أكلها خاصة فيما يختص بالاحتواء السياسي لصانعي القرار وتكوين الطبقة العلمانية النافذة في الدول الإفريقية المسلمة.

وكذلك التصاق المسلمين بالحياة الغربية والتحدث والتقنية الحديثة الغربية مما جعل حركة المجتمع تسير وفق التخطيط الاستعماري الماكر حتى بعد خروج المستعمر نفسه، ولذلك ولذلك نجد مؤتمر كلورا دور يعلنها صراحة أن (الفرص مواتية لتنصير المسلمين في العالم خاصة ,أن المسلمين متفرقون ويعانون من عدة مشاكل وأن هناك انفتاحا جديداً بين كثير منهم نحونا).

*و لعل هذا يفسر الطفرة الكبير للتنصير في أفريقيا وسط المسلمين وغيرهم حيث تذكر الإحصائيات أن النصارى الذين كان عددهم في أول القرن حوالي المليون فقط في إفريقيا كلها قد وصل الآن (التسعينات) إلى أكثر من ثلاثمائة مليون وكل هذا النجاح في غالبه على حساب الديانات الوثنية التقليدية التي كانت فيما مضى ميدان النجاح الإسلامي وقوته الذاتية التي لا تبارى كما أنها تفسر الجهد نجاح الخارق للمبشرين الذين يدافعون عن باطلهم مستغلين غفلة المسلمين كما أنها تفسر نجاح الوسائل الخفية الحديثة التي هي في معظمها عملية (غسل دماغ) لتنفير الإفريقيين من الإسلام الذي لم يجد القوة الفاعلة التي يمكن أن نقدمه لأولئك الذين أوقعهم حظهم في براثن النصرانية وإن كانت هذه الإحصائي التي قد تكون نوعاً من الدعاية والمبالغة المقصودة كغيرها من الفريات الكثيرة التي أطلقها المنصرون.

*أخيراً ينبغي أن نذكر إن وسائل التنصير قديمة و كثيرة ومتعددة ولكن نكتفي هنا بتلك الوسائل الحديثة التي اتخذها التنصير في الفترة الأخيرة والتي تبدأ من الهجمة الاستعمارية في القرن التاسع عشر وحتى وقتنا الحاضر وحتى هذه سوف نأخذ قدراً يسيراً منها مركزين على الأهم كما أنه تجدر الإشارة إلى أن هذه الوسائل تنقسم إلى صريحة وتقليدية كتلك التي تأخذ سبيل الجدل المباشر والسفسطة والتشكيك والاقتضاب أو الطريقة القسرية المتمثلة في الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش والغزوات والاحتلال والاختطاف وإن كان بعض من هذه كان قبل فترة الاستعمار إلا أن بعضها ... في العهد الاستعماري.

وأيضاً هناك الوسائل الخفية كتلك التي تعتمد على التنصير غير المباشر الذي تقوم به البعثات الدبلوماسية ومنظمات الخدمات الاجتماعية والجمعيات الطوعية التي تتخذ أسماء عدة تخفي نشاطها ألتنصيري تحتها ومن أهم هذه المنظمات تلك التي تقوم بالخدمات الصحية والتعليمية وتعمل في ميادين درء الكوارث وغير ذلك من المسميات، وينبغي كذلك أن أذكر هنا أن التنصير الصريح مباشر في الوقت الحاضر موجه إلى حد كبير لغير المسلمين وإن لم تخل منه ديار الإسلام بينما يوجه التنصير الخفي والمستتر للمسلمين أكثر من غيرهم وهنا ينبغي الإشارة إلى حد كبير لغير المسلمين وإلم تخل منه ديار الإسلام بينما يوجه التنصير وسط المسلمين فهو خطر داهم وحقيقة.

ورغم أن الله سبحانه وتعالى وعد بحفظ كتابه ودينه القويم إلا أنه لم يضمن للمسلمين أن يقيم جميعاً خطر الردة والكفر ورغم الإيمان القاطع بأن الخير في أمة المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة وأن الله سبحانه وتعالى لن يسلط عليه عدوا يستبح بيضتها (أي قلبها في مكة والمدينة وحولها .......أطراف ديار الإسلام) إلا أنه يمكن أن يرتد بعض المسلمين الذين لم يتعمق الإيمان في قلوبهم والذين يعتنقونه اسماً ولا يمارسونه شعائر أويطبقونه سلوكاً وهؤلاء قد يوجدون في بلاد الإسلام خاصة أولئك الذين انسلخوا من جلدتهم الإسلامية بفعل (غسيل الدماغ) المستمر الذي تقوم به الهجمة العلمانية الشرسة هذه الأيام وحتى في الأيام الأولى للإسلام حدث أن تنصر عبيد الله بن جحش في الحبشة وجبلة بين الأيهم ملك الغساسنة في عهد عمر رضي الله عنه في القصة المعروفة كما تنصر بعض من العرب (المورسيكيين )في الأندلس الذين أوقعهم حظهم العاثر في قبضة محاكم التفتيش الإسبانية بعد سقوط مملكة غرناطة 1492م.

الاحتواء السياسي: دأبت الإرساليات المسيحية في إفريقيا للتأثير على القادة السياسيين لكسب عطفهم ومن ثم يفسحون المجال لهم للعمل بحرية كما أن أغلب الدفعات الأولى من الطلبة في مدارس التبشير كانت من أبناء الزعماء والشيوخ والرؤساء المحليين ومن الطبقات المتميزة في المجتمع وبعد التخرج يعمل هؤلاء رؤساء وموظفين مسئولين ونافذين في حركة الدولة خاصة بعد أن خرج المستعمر وخير مثال لذلك البوبوك سنغور في السنغال وجولويوس نيريري في تنزانيا وتحت مظلة أمثال هؤلاء تستطيع الكنائس أن تمارس التنصير الظاهر والخفي وسط المسلمين وغيرهم ومن أمثلة الدعم والاحتواء السياسي والتي برع فيها الكاثوليك أخيراً، زيارات البابا المتكررة لإفريقيا منذ عام 1969م وهذه الزيارات أظهرت أنه أصبح لأفريقيا أولوية معتبرة لدى البابوية وقد أعطت هذه الزيارات زخما النشاط الكاثوليكي في أفريقيا.

أموال الكنائس: لعل الكنائس الأفريقية في بعض أقطار إفريقيا تعتبر أغنى المؤسسات فقد حصلت هذه الكنائس على الأراضي الشاسعة الخصبة في الاستعمار حتى أصبحت من أكبر ملاك الأرض في كل من يوغندا ورواندا وكينيا والكنغو وانجولا وموزنبيق وملاوي وغيرها ثم بعد الاستعمار وغيرها ثم بعد الإستعمارأصبح يأتيها الدعم الخارجي من الكنائس والبلدان الأم في إيطاليا وفرنسا وإنجلترا أو أمريكا وغيرها والمال هو عصب الحياة والنشاط وهو أكبر معين للحركة للحركة وقد استعاد الكاثوليك الذين يتمتعون بالتنظيم الحسن أكثر من غيرهم هذه الأموال فغمروا إفريقيا من رأس الرجاء الصالح حتى الصحراء الكبرى بأضخم جهاز كنسي عرفته القارة حددته الإحصائيات (1980م)بأنه بلغ أكثر من 327 وحدة أو أسقفيات لكل منها قساوستها وحدودها المرسومة التي تعمل بها ويمكن أن تتضح لنا ضخامة الأموال التي تمتلكها الكنائس وإذا علمنا أن مجموع دخلها في منتصف عام 1998م بلغ 97 بليون دولار ولكن لكل العالم.

ولاشك أن لإفريقيا نصيب الأسد من هذا الدخل المهول وذلك لاهتمام الكنيسة بإفريقيا عاماً بعد عام يكفي أن أشير للجدول أدناه والذي يرصد النشاط البروتستانتي في إفريقيا عاماً وإذا علمنا أ هذا النشاط دون الكاثوليكي في المقدرة والتنظيم والحماس ومن ثم المحصلة النهائية لعرفنا كيف أفادت تلك الأموال الطائلة الكنائس في عملية التنصير في إفريقيا والجدول هو: -

الجمعية - عدد الإرساليات عام 1958م

كنيسة الميثاق المعمداني - 40

كنيسة المشيخية المتحدة - 1293

كنيسة المشيخية الأمريكية - 504

كنيسة الموديين المتحدة - 1432

كنيسة الأسقفية - 39

كنيسة يسوع المتحدة - 496

كنيسة الميثاق الجنوبية - 1186

جمعية الإرساليات الأجنبية الإنجيلية - 4688

*ويلاحظ أن هذا الجدول قديم نسبياً وقد رصدته نشرة أصدرها المركز الإفريقي بالخرطوم عام 1985م ورغم بعض المؤثرات السالبة التي بدأت تظهر في إفريقيا بالنسبة للنشاط الكنسي حيث نما شعور وطني مضاد في بعض الأقطار الأفريقية إلا أن أموال الكنائس كانت ولاتزال قوة دفع للنشاط ألتنصيري.

 

الكاتب: د. الناصر أبوكروق

المصدر: https://defense-arab.com